فم مفتوح .. فم مغلق
أهمية الكتابة التخصصية
زيد الحلي
جميل أن يتخصص كاتب في كتابة دراسات في موضوع محدد، فذلك يضفي على عمله موضوعية ورؤى متجذرة في الفهم والإدراك. فالكاتب الشامل الذي يتنقل بين الموضوعات بلا ضوابط، غالباً ما يقع في السطحية والتعميم، بينما يمنح التخصص صاحبه القدرة على الغوص عميقاً في تفاصيل الموضوع، واستكناه جذوره التاريخية والاجتماعية والثقافية، والوصول إلى نتائج قائمة على تراكم المعرفة والخبرة، لا على الانطباع العابر.
وفي زمن انفجار المعلومات وتشتت المصادر، أصبحت الكتابة المتخصصة ضرورة معرفية، لأنها وحدها قادرة على تقديم قراءة منهجية ومتوازنة، بعيداً عن الاجتزاء والانتقاء، فالمتخصص لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يربط بينها، ويحلل سياقاتها، ويكشف أبعادها الخفية، فيقدم للقارئ مادة علمية رصينة تعينه على فهم الواقع بعمق، لا مجرد معرفة سطحية به.
ويبرز في هذا المجال اسم الكاتب ، الصديق الدكتور محمود صالح الكروي ، الذي اختار أن يكرس جهده للشأن المغاربي، وهو اختيار لم يأت من فراغ، بل انطلق من واقع معاش، حيث عمل فترة طويلة هناك، وعاش بين أهله، وتفاعل مع ثقافتهم وتاريخهم وقضاياهم اليومية. وهذا العيش المباشر أضفى على كتاباته مصداقية خاصة، وجعلها تنبع من تجربة حية لا من قراءة عن بعد.
فبعد كتابه الأول (قراءة من بُعد لقضايا مغاربية ) الذي أثبت فيه قدرته على تقديم قراءة تاريخية منهجية لبلدان المغرب العربي ، أصدر كتابه الثاني (المغرب ... دراسات في الشأن السياسي) الذي انتهيت من قراءته مؤخرا ، وهو كتاب سياسي وثقافي ومعرفي، يفتح آفاقاً جديدة لفهم لهذا القطر العربي ككل ، فهو لا يقف عند حدود التاريخ، بل يمتد إلى تحليل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، ويقدم رؤى معاصرة تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
وتكمن أهمية المغرب العربي على الساحة العربية في كونه بوابة العرب إلى أفريقيا وأوروبا معاً، وجسراً حضارياً وثقافياً بين ضفتي المتوسط ، وهو فضاء غني بتنوعه الإثني واللغوي والثقافي، وبحضارته العريقة التي تمتد من الأندلس إلى الصحراء الكبرى، وبموقعه الاستراتيجي الذي يجعله شريكاً أساسياً في أي مشروع وحدوي عربي ، كما أن تجربته السياسية والاقتصادية والاجتماعية تقدم نماذج تستحق الدراسة والاستفادة منها على المستوى العربي كله.
إن ما يقوم به الدكتور الكروي هو نموذج للكتابة الواعية التي تحتاجها الساحة الثقافية العربية اليوم: كتابة متخصصة، منبثقة من المعايشة، وموجهة نحو الفهم العميق ، لا الإثارة العابرة، فهو يسلط الضوء على منطقة كثيراً ما تكون غائبة عن الاهتمام المشرقي، ويسد فراغاً معرفياً حقيقياً.
وإذ أهنئ الكاتب على إصداره الجديد ، فإننا نهنئ في الوقت نفسه القارئ العربي بهذا المنجز المهم، الذي يعد إضافة نوعية للمكتبة العربية، ودعوة صادقة لإعادة اكتشاف المغرب العربي بعيون محبة وعارفة، وبعقل ناقد وموضوعي.
Z_alhilly@yahoo.com