بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ
عَبْدُ الْكَرِيمِ الْحِلْو
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ ...
حِينَ تَنْسَحِبُ الْمَدِينَةُ
مِنْ جَسَدِ الضَّجِيجِ
وَتَخْلَعُ الشَّوَارِعُ
أَقْنِعَتَهَا الْأَخِيرَةَ
يَبْقَى الْقَلْبُ وَحْدَهُ
مُسْتَيْقِظاً...
كَحَارِسٍ أَضَاعَ مَمْلَكَتَهُ،
وَظَلَّ يَحْرُسُ الْخَرَابَ
وَهُنَاكَ...
حَيْثُ لَا شَيْءَ
سِوَى سَاعَةٍ
تَعَضُّ صَمْتَهَا
وَرِيحٍ تُقَلِّبُ
أَوْرَاقَ الذَّاكِرَةِ
يَبْدَأُ اللَّيْلُ
بِقِرَاءَةِ الْإِنْسَانِ
إِنَّهُ وَقْتُ الْحِسَابِ
اللَّيْلُ هُنَا
لَيْسَ ظُلْمَةً...
اللَّيْلُ مِرْآةٌ.
وَفِي مِرْآتِهِ
نَرَى مَا أَخْفَيْنَاهُ طَوِيلًا
وُجُوهًا لَمْ نُوَدِّعْهَا
وَأَسْمَاءً لَمْ نَقُلْهَا
وَأَبْوَابًا
أَغْلَقْنَاهَا بِأَيْدِينَا...
وَظَلَّتْ أَرْوَاحُنَا
وَاقِفَةً خَلْفَهَا.
يَا قَلْبُ...
مَاذَا تُرِيدُ مِنَ الْغِيَابِ؟
أَلَيْسَ الْغِيَابُ
هُوَ الْوَجْهَ الْآخَرَ لِلْحُضُورِ؟
أَلَيْسَ الَّذِينَ نُحِبُّهُمْ
حِينَ يَرْحَلُونَ
يَصِيرُونَ أَكْثَرَ حُضُورًا
مِنَ الَّذِينَ بَقُوا؟
لِهَذَا...
كُلَّمَا أَطْفَأْتُ مِصْبَاحاً
أَشْعَلَتْ ذَاكِرَتِي
وَجْهًا أُحِبُّهُ
وَكُلَّمَا قُلْتُ: نَسِيتُ
أَجَابَنِي الصَّمْتُ
بَلْ أَنْتَ فَقَطْ
تَعَلَّمْتَ كَيْفَ تُخْفِي الذَّاكِرَةَ
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...
تَتَبَدَّلُ دَلَالَةُ الْأَشْيَاءِ
النَّافِذَةُ
لَيْسَتْ نَافِذَةً...
إِنَّهَا حَدٌّ
بَيْنَ عَالَمَيْنِ
وَالْمَطَرُ
لَيْسَ مَاءً...
إِنَّهُ ذَاكِرَةُ السَّمَاءِ
حِينَ تَعْجَزُ عَنِ الْبُكَاءِ
وَالْكُرْسِيُّ الْفَارِغُ
لَيْسَ خَشَبًا،
وَلَا فَرَاغًا...
إِنَّهُ جَسَدُ الْغَائِبِ
حِينَ يَتَحَوَّلُ الْغِيَابُ
إِلَى عَلَامَةٍ
حَتَّى الظِّلُّ...
ذَلِكَ الْكَائِنُ الْأَسْوَدُ
الَّذِي يَمْشِي مَعَنَا
دُونَ أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَيْهِ
يُصْبِحُ شَاهِداً
عَلَى أَنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا
حِينَ نَظُنُّ أَنَّنَا وَحْدَنَا
يَا لَيْلُ...
كَمْ سِرّاً
دَفَنَّا فِيكَ
ثُمَّ عُدْنَا بَعْدَ أَعْوَامٍ
نَبْحَثُ عَنْهُ
كَأَنَّنَا نَبْحَثُ
عَنْ أَنْفُسِنَا !
إِنَّ الْإِنْسَانَ
لَا يَخَافُ الْمَوْتَ وَحْدَهُ...
يَخَافُ أَنْ يَمُوتَ شَيْءٌ فِيهِ
وَلَا يَجِدَ لَهُ قَبْرًا
يَمُوتُ الْحُبُّ،
وَيَبْقَى الْحَنِينُ
يَمُوتُ اللِّقَاءُ،
وَتَبْقَى رَائِحَتُهُ
يَمُوتُ الصَّوْتُ،
وَتَظَلُّ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ
تَطْرُقُ أَبْوَابَ الرُّوحِ
فَأَيُّ مَوْتٍ هَذَا
الَّذِي يَقْتُلُ الْجَسَدَ،
وَيَمْنَحُ الذِّكْرَى
كُلَّ هَذِهِ الْحَيَاةِ؟
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ،
يُصْبِحُ الْقَلْبُ فَيْلَسُوفاً
رَغْمًا عَنْهُ...
يَسْأَلُ:
مَنْ نَحْنُ؟
أَجْسَادٌ تَعْبُرُ الزَّمَنَ؟
أَمْ ذِكْرَيَاتٌ
تَبْحَثُ عَنْ أَجْسَادٍ
لِتُقِيمَ فِيهَا قَلِيلًا؟
َهَلْ مَا زِلْنَا نُحِبُّ الْآخَرِينَ؟
لِأَنَّهُمْ يَسْكُنُونَنَا؟
أَمْ لِأَنَّنَا حِينَ نُحِبُّهُمْ
نَكْتَشِفُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى
أَنْفُسَنَا؟
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...
يَأْتِي الْحَنِينُ كَجُيُوشِ النَّمْلِ...
وَيَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ الضَّوْءُ
مِنْ شَقٍّ صَغِيرٍ
فِي جِدَارٍ مُعْتِمٍ
وَيَجْلِسُ فِي الْقَلْبِ
دُونَ اسْتِئْذَانٍ
أَمَّا الْوَجَعُ...
فَلَهُ طَقْسٌ آخَرُ
يَعْشَعِشُ فِي أَرْوَاحِنَا...
كَالْعُثِّ فِي ثَنَايَا الْقُمَاشِ
وَكَالْفِطْرِ فِي عَتَمَةِ الْجُدْرَانِ
يَتَغَذَّى عَلَى رَمَادِ الْأَيَّامِ
وَيَمْتَدُّ فِي شُقُوقِ الذَّاكِرَةِ،
حَتَّى إِذَا لَامَسَ الظَّلَامُ جُذُورَهُ...
أَفَاقَ الْوَجَعُ
تَحْتَ رَمَادِ الْأَيَّامِ...
وَحِينَ يَتَحَسَّسُ الظَّلَامَ
يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ.
فَتَخُوضُ الْقُلُوبُ مَعَارِكَهَا
بَيْنَ مَا كَانَ،
وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ،
بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...
نُدْرِكُ حَقِيقَةَ الْغَائِبِينَ
الَّذِينَ غَادَرُوا الْمَكَانَ
وَبَقُوا فِينَا ، كَآيَةٍ
لَمْ يَكْتَمِلْ تَفْسِيرُهَا
وَكَسُؤَالٍ
كُلَّمَا ظَنَنَّا أَنَّنَا وَجَدْنَا لَهُ جَوَابًا
عَادَ أَعْمَقَ مِنَ السُّؤَالِ
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...
حِينَ تَصْمُتُ السَّاعَةُ
وَتَبْرُدُ النَّوَافِذُ
وَتُسَافِرُ آخِرُ عَرَبَةٍ
فِي شَارِعٍ
لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ تَمْضِي
أَضَعُ يَدِي عَلَى قَلْبِي
وَأَقُولُ : اهْدَأْ...
فَلَا الْحَنِينُ
سَيُعِيدُ الَّذِينَ مَضَوْا
وَلَا الْوَجَعُ
سَيُغَيِّرُ مَا حَدَثَ
لَكِنَّ الْقَلْبَ،
ذَلِكَ الْكَائِنَ الْعَنِيدَ
يَعْرِفُ سِرًّا
لَا تَعْرِفُهُ الْفَلْسَفَةُ
فبَعْضَ الْخَسَارَاتِ
لَا تُشْفَى... بَلْ تَتَحَوَّلُ
مَعَ الزَّمَنِ ، إِلَى مَعْنًى
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ
لَا يَنْجُو مِنَ الَّذِينَ أَحَبَّهُمْ
حِينَ يَفْقِدُهُمْ
بَلْ يَنْجُو
حِينَ يَتَعَلَّمُ
أَنْ يَحْمِلَ غِيَابَهُمْ
دُونَ أَنْ يَسْقُطَ
بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ...
يَنْتَهِي الْقِتَالُ
لَا مُنْتَصِرَ
وَلَا مَهْزُومَ
فَقَطْ... قَلْبٌ
يَنْزِفُ بِصَمْتٍ،
وَقَمَرٌ مُعَلَّقٌ فَوْقَ الْخَرَابِ،
وَنَافِذَةٌ مَا زَالَتْ مَفْتُوحَةً...
كَأَنَّ الْغَائِبَ ، قَدْ يَعُودُ.
وَكَأَنَّ الْحَنِينَ
لَمْ يَكُنْ وَجَعًا... بَلْ آخِرَ عَلَامَةٍ
تَرَكَهَا الْحُبُّ
عَلَى جَسَدِ الزَّمَنِ.
#خاطرتي_محبتي_للجميع