الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دراكولا : حين يتحول الحاكم إلى مصاص دماء


دراكولا : حين يتحول الحاكم إلى مصاص دماء

علي رمضان حسن

ابن التنين

وُلد فلاد الثالث عام 1431 في إقليم ترانسيلفانيا، في ما يُعرف اليوم برومانيا. أما اسم «دراكولا» فيعني حرفيًا «ابن التنين»، نسبةً إلى أبيه فلاد الثاني الملقّب بـ«دراكول»، لانتمائه إلى «نظام التنين» الفروسي الذي اتخذ التنين شعارًا له. وتتناقل الحكايات أن الابن اشتهر منذ صباه بالقسوة، وأنه كان يعذّب الحيوانات والطيور قبل قتلها، حتى صارت قلعته مصدر رعب لمن يقترب منها. وهي روايات تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة، غير أن ما جاء بعدها موثّق في أغلبه.

كانت إمارة الأفلاق، وهي جزء من رومانيا الحالية، واقعة في قلب صراع كبير بين العثمانيين والقوى المسيحية. تحالف فلاد الثاني مع الصليبيين، فهزمه السلطان مراد الثاني وفرض عليه الجزية، واشترط أخذ ولديه فلاد وراؤول إلى البلاط العثماني ضمانًا لوفائه بالعهد. وبعد سنوات قُتل الأب وأخوه الأكبر، فأُطلق سراح فلاد الثالث، فيما بقي راؤول في كنف السلطان محمد الفاتح.

بلغ فلاد الحكم بدعم من خصوم الدولة العثمانية، ثم نقض العهد وبدأ بالاعتداء على المسلمين. ومن هنا افتتح عهد الرعب الذي خلّد اسمه، فلُقّب بـ«المخوزِق» لأنه جعل الخازوق وسيلة للقتل والتعذيب: يُغرَس في أجساد الأسرى ببطء حتى الموت. وتتحدث المصادر عن آلاف الضحايا، وتذهب بعض الروايات إلى أعداد أكبر من ذلك بكثير، من الرجال والنساء وحتى الأطفال.

 

من التاريخ إلى الشاشة اذ

لم تنسَ الذاكرة الإنسانية ما فعله فلاد الثالث، وحاولت السينما أن تعيد صياغته في قالب الخيال. والحق أن رواية برام ستوكر الصادرة عام 1897 لم تكن سيرة له، بل استعارت الاسم وبعض ظلاله. ثم نُقلت الرواية إلى الشاشة مرارًا: من «نوسفيراتو» الصامت عام 1922، إلى «دراكولا» بيلا لوغوسي، وصولًا إلى نسخة كوبولا عام 1992.

ولم تكن هذه الأفلام مجرد حكايات رعب عن كائن خرافي نسجه خيال مؤلف. كانت صورة مكثّفة لسلطة طفيلية طالما جثمت على صدور الشعوب: كونت أرستقراطي ( زعيم ) يقيم في قصر معزول، لا ينتج شيئًا ولا يبني شيئًا ولا يقدّم شيئًا، ولا يبقى حيًّا إلا بما يمتصّه من دماء الآخرين. تتغير الوجوه والأزياء والموسيقى من فيلم إلى آخر، وتبقى الفكرة راسخة في أذهان الناس والفنانين والكتّاب: حياة طويلة مترفة تقوم على موت بطيء لغيرها.

 

دراكولا بلا أنياب

في بعض الأنظمة الفاسدة تتكرر الحكاية بلا أنياب ولا ليل. حيث يتحول دراكولا من كائن يمصّ الدم من الأعناق إلى نظام حاكم يمتصّ جيب الفقير، عبر ضرائب ورسوم وغرامات تثقل كاهل البسطاء، بينما تتسرّب الأموال العامة من المدارس والمستشفيات والأسواق إلى حسابات المسؤولين وأقاربهم.و يُطلب من العامل أن يشدّ الحزام باسم الأزمة، وأن يحرم أطفاله من أبسط احتياجاتهم، من حلوى ونستلة ، ليوفّر على الدولة نفقاتها الضخمة ويكفيها شرّ مطالبه بالرواتب. وفي الوقت نفسه تُقام الولائم في القصور، وتُشترى الهدايا الفاخرة من المال نفسه. ولا يخفى على أحد ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من مظاهر ترف فاضح؛ سيارة تتجاوز قيمتها أربعمئة ألف دولار تُهدى في عيد ميلاد، أو حفلات لا تمتّ بصلة إلى حال الناس. هنا يتجاوز البذخ حدود العقل والمنطق.

وكما يحتاج دراكولا إلى ضحية جديدة كل ليلة ليعيش، يحتاج هذا النظام إلى مصدر جديد للجباية كلما اتسع إنفاقه. وتتعدد الأساليب: غرامات باهظة على المخالفات المرورية بحجة أمن الطرقات، والغاية الفعلية هي الجباية لا السلامة؛ وضرائب على المنازل بلا رحمة؛ ورسوم متزايدة على الماء والكهرباء؛ وقطع للحصة التموينية عن الفقراء بحجة الترشيد، في حين تبلغ رواتب بعض المسؤولين أرقامًا خيالية، لا تُصرف مثلها حتى في أغنى دول العالم.

أما الضحايا، فتُعرض عليهم ثلاثة خيارات: الخوف، أو الصمت، أو التبرير؛ والعبارة الجاهزة: «هذا هو الوضع ولا بديل عنه».

 

النور يقتل دراكولا

 

لنتوقف لحظة ونتأمل. في السينما، يضعف دراكولا أمام الضوء؛ وكذلك الفساد يضعف أمام الشفافية: صحافة حرة، وقضاء مستقل، وميزانيات معلنة، ومحاسبة تطال الكبير قبل الصغير. ولهذا تكره هذه الأنظمة النور أكثر من أي شيء آخر.

والمفارقة أن أفلام مصاصي الدماء تنتهي كلها بسقوط المصّاص: بوتد، أو بشمس، أو بإرادة جماعة قررت ألا تبقى ضحية. ولا يتحقق ذلك بالسحر، فـ«إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم». حين يتوقف الناس عن اعتبار الاستنزاف قدرًا محتومًا، وعن التزلّف للسارق طلبًا للنجاة من الفقر أو التهميش، تتغير مجريات الأحداث، ويصبح التغيير فعلًا واعيًا لا استسلامًا للقدر.

 

الوحش خلف المكتب

 

بقيت قصة دراكولا أكثر من قرن في السينما لأنها تقول لنا شيئًا نعرفه عن أنفسنا: أن أخطر الوحوش ليس ذاك الذي يخرج من الأساطير بأنياب حادة وعباءة سوداء، بل ذاك الذي يجلس إلى مكتب فخم، بِبدلة أنيقة وساعة يد بملايين الدنانير، ويسمّي سرقته لنا وقتله إيانا «إدارة».


مشاهدات 58
الكاتب علي رمضان حسن
أضيف 2026/10/31 - 11:27 AM
آخر تحديث 2026/10/31 - 12:55 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1377 الشهر 64306 الكلي 16649475
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير