تضاريس متقلّبة
سوران محمد
في البدء،
لم تكن سوى نسمة...
ثم جاء ذلك البرق،
ومزّق سماء الأمس،
وانتزع الأبواب من أطرها،
وترك القلوب
تغرق في أحزانها،
دون أن تدري
أن الوجد، والوفاء، والألفة
قد تحوّلت،
منذ أمد بعيد،
إلى مثلث برمودا.
في البدء،
كانت دمعة صغيرة...
ثم صارت فيضانًا،
ثم عاصفةً صيفيةً متهورة،
هدّمت أكواخ الثقة الهشّة،
وأطفأت فوانيس البصيرة.
فمن أيّ الجهات،
يا ترى،
سيعود النور
إلى مدينة الأرواح العتيقة؟
تلك المدينة
التي حطّمت أعمدتها
في غابر الزمن،
ومع ذلك
ما زالت واقفة،
فيما الذكريات
مدفونةٌ تحت أنقاضها...
لم يبقَ ما يُقال،
بعد أن قال الشاعر:
«لا تلوموا
من اختار
أن يغرق في سوء السكر»(1)
فلماذا تمرّ من هنا،
وأنت ترى الموت
يرفع رأسه
من أعلى نافذة
في برج المعرفة؟
ثم يترك المسافرين،
واحدًا إثر آخر،
يمضون تحته...
فينحنون،
ويقبّلون رأسه.
كان أزرقَ غامقًا،
بلون سماءٍ شتوية،
حين انسحب المساء
من آخر خيطٍ للضوء...
ذلك الشريد
الذي أبى
أن يرتدي
قمصان هذا الموسم.
رحل عاريًا،
وحمل على كتفه
عبء العمر...
في البدء،
كان هناك ضوء شمعة.
ثم جاء
ذلك الرعد الغاضب!
فأضرم النار
في العشب،
اليابس والأخضر...
عشب الكرم
والنماء.
وتكدّرت
جداول المعرفة...
فما الذي أنجب
هذا الخراب الداكن؟
لقد ضلّ الوقت الطريق،
وصارت تقاويمه
غريبةً عن الذاكرة...
في خضمّ هذا الاضطراب،
يقف نرجسٌ
قصيرُ العمر،
متحيّرًا في مزهرية
أمام مرآة
في غرفة النوم.
يحدّق
في صورته...
ولا يرى
شيئًا.
***
1- القائل هنا، الشاعر الكردي المعروف محوي 1830_1906 من أبرز شعراء الكلاسيكية الكردية ومن المتصوفة، ودرس العلوم الدينية في مناطق من كردستان، ثم تولّى القضاء في السليمانية سنة 1862. وتمتزج في شعره النزعة الصوفية بالتأمل في الإنسان والموت والحياة ومعنى الوجود، وله ديوان شعري عُرف باسم ديواني محوي.
والبيت الذي قاله :
شوكر هوشیاره «مه حوی» تئ ده گا دنیا خه راباته
كه به دمه ستی بكا ئه هلی، خراپه ی بو چی لى ده گرم
وقد تعني هذا تقريبا:
شُكر،إن محويًّا واعٍ؛ يدرك أن الدنيا دارُ خراب
فما لي ألوم أهله، إن يَسيئون في سُكرهم ؟