الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجيل الخامس في العراق.. تكنولوجيا المستقبل أم إختبار جديد ؟

← بواسطة azzaman

الجيل الخامس في العراق.. تكنولوجيا المستقبل أم إختبار جديد ؟

اكرم سالم

 

ليس التحدي الذي يواجه العراق اليوم هو إدخال تقنية الجيل الخامس إلى سوق الاتصالات بقدر ما هو كيفية تحويل هذه التقنية إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والإدارية، من دون أن تتحول كلفتها إلى عبء إضافي على المواطن، الذي أنهكته مشكلات البنية التحتية وتراجع الخدمات وتكرار مشاهد الحفريات في شوارع بغداد. إن إعلان وزير الاتصالات، مصطفى سند، بأن المرحلة المقبلة ستشهد دخول خدمات الجيل الخامس إلى العراق، يفتح الباب أمام فرصة تستحق الاهتمام، لكنه يضعنا، في الوقت نفسه، أمام سؤال يتجاوز حدود التكنولوجيا: هل نمتلك الرؤية التي تجعل من هذا التطور جزءاً من مشروع وطني متكامل للتحول الرقمي، أم أننا سنكتفي بإدخال تقنية حديثة إلى بيئة ما زالت تعاني اختناقات إدارية وخدمية مزمنة؟

تطوير الصناعة

فالجيل الخامس ليس مجرد وسيلة لتسريع تصفح الإنترنت أو تحسين جودة الاتصالات؛ إنه أحد الممكنات التقنية التي تستطيع، إن أحسن توظيفها، أن تطور و تعيد تشكيل قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات العامة. ومن خلال اتصاله السريع بزمن استجابة منخفض وقدرته على ربط أعداد كبيرة من الأجهزة، يمكن أن يسهم في تطوير الصناعة ووتيرة التنمية ، وإدارة حركة المرور، ومراقبة شبكات الطاقة والمياه، وتوسيع الخدمات الصحية والتعليمية والإلكترونية.

ومن هنا تبدأ العلاقة الحقيقية بين الجيل الخامس والمدن الذكية. فالمدينة الذكية ليست مدينة تكثر فيها الأبراج والشاشات، وإنما مدينة تستخدم البيانات والتكنولوجيا في إدارة مواردها، وتخفيف الاختناقات، وتحسين الخدمات، وتقليل الهدر، وجعل مؤسساتها أكثر استجابة لحاجات السكان. وليس من المنطقي، في هذا السياق، أن نتحدث عن مدن ذكية بينما تظل إدارة بعض الخدمات الأساسية أسيرة المعالجات المتأخرة والتنسيق المؤسسي المحدود.

أما الاقتصاد الرقمي، الذي يشكل الإطار الأوسع لهذا التحول، فلا يُبنى بالاتصال وحده. إنه يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة، ومنافسة عادلة، وخدمات دفع إلكتروني موثوقة، وتشريعات تحمي البيانات، وكفاءات بشرية قادرة على الابتكار، وإدارة حكومية تؤمن بأن الرقمنة ليست نقل المعاملة الورقية إلى شاشة، بل إعادة تنظيم الإجراءات وتقليص البيروقراطية والروتين  ورفع الإنتاجية.

ولعل ما أشار إليه المختص في الاتصالات والأمن السيبراني أحمد الخفاجي بشأن ضرورة تطوير الألياف الضوئية ورفع سعات الربط وتحديث الشبكات وزيادة مواقع الإرسال، يضع أيدينا على جوهر المسألة: إن نجاح الجيل الخامس مرهون بمدى استعداد البنية التحتية الاستيعابه، وبقدرةالجهات المعنية على الانتقال من القرارات القطاعية المتفرقةاو المتقاطعة إلى التخطيط المتكام.

لكن ثمة مشكلة لا يجوز أن تغيب عن حسابات هذا المشروع: من يدفع ثمن تطوير البنية التحتية، وكيف؟  لقد عانى سكان بغداد، خلال أعمال مد شبكات الألياف الضوئية، من حفريات طالت شوارع وأرصفة، وأثارت مخاوف وشكاوى بشأن الأضرار التي لحقت بشبكات المياه والمجاري واحتمالات تلوث مياه الإسالة. وأي حديث عن هذه الوقائع، بما فيها ما أُشير إليه من نتائج فحوص مختبرية، ينبغي أن يستند إلى تقارير موثقة ونتائج فنية واضحة، لكن ذلك لا ينتقص من حق المواطنين في المطالبة بالتحقيق في الأضرار، وتحديد المسؤوليات، وضمان سلامة شبكات المياه والصرف الصحي. إن تكرار الحفريات ليس قدراً ملازماً للتطور التكنولوجي، بل قد يكون نتيجة غياب التنسيق المسبق، وعدم توحيد خرائط البنى التحتية، وضعف المتابعة و الرقابة على التنفيذ. وكان يفترض أن تشكل تجربة مد الألياف الضوئية مناسبة لتصحيح هذه الاختلالات، لا أن تصبح مقدمة لموجة جديدة من إرباك الشوارع وإلحاق الضرر بالخدمات الأساسية.

ولذلك، فإن المطلوب قبل التوسع في مشروعات الجيل الخامس هو إعداد خريطة وطنية متكاملة للبنى التحتية، وتنسيق أعمال الاتصالات مع مشاريع الماء والمجاري والطرق والبلديات، واعتماد المسارات المشتركة للكابلات وتقنيات الحفر المحدود حيثما أمكن، وإلزام الشركات بإصلاح الأضرار وإعادة الشوارع إلى حالتها السابقة، مع إخضاع الأعمال للفحص والرقابة والمحاسبة.

إن مسؤولية الدولة، كما أشار وزير الاتصالات، تتمثل في توفير بيئة محفزة للاستثمار، غير أن هذه البيئة لا تقتصر على تسوية الخلافات بين الشركات والجهات المنظمة؛ بل تشمل أيضاً حماية المصلحة العامة ومصلحة كل مواطن ومنزل عراقي وضمان ألا تتحول المنافسة الاستثمارية إلى فوضى في تنفيذ المشروعات أو إلى تكاليف إضافية يتحملها المواطن  . إننا أمام فرصة ينبغي ألا نختزلها في إطلاق خدمة جديدة. فالمعيار الحقيقي لنجاح الجيل الخامس ليس عدد الأبراج التي تُنصب، ولا السرعات التي تُعلن، بل مقدار ما يضيفه إلى إنتاجية الاقتصاد، وجودة الخدمات العامة، وكفاءة الإدارة، وقدرة المواطن على الوصول إلى التكنولوجيا بأسعار مناسبة.

نريد جيلاً خامساً يفتح الطريق إلى المدن الذكية، لا جيلاً جديداً من الحفريات؛ واقتصاداً رقمياً يقلل معاناة المواطن، لا تحولاً إلكترونياً يضيف إليها أعباء أخرى. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من اتقان  وتطور، تظل وسيلة لا غاية بذاتها ، أما الغاية فهي بناء بلد و دولة أكثر كفاءة، ومدن أكثر انتظاماً، واقتصاد أكثر إنتاجاً، وحياة أكثر كرامة للمواطن العراقي

 


مشاهدات 62
الكاتب اكرم سالم
أضيف 2026/10/30 - 11:53 PM
آخر تحديث 2026/10/31 - 12:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 81 الشهر 63010 الكلي 16648179
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير