فرصة عُمر ..
نور الدليمي
أحمد شابٌّ في مقتبل العمر، يتيم الأب، يعيش في قريةٍ بسيطة مع عائلته. لديه أربعة إخوة يكبرونه وأختان أصغر منه ولأن ظروف الحياة كانت قاسية، ترك دراسته منذ الصغر ليعين والدته، بينما كان بقية إخوته يعملون أيضاً ليؤسس كل منهم حياته.
رغم صغر سنه، عمل أحمد في مهنة الحلاقة ولأن مكان عمله كان قريباً من بيت خالته التي تسكن في المدينة، وتحديداً في "شارع عشرين" كان يتردد إليهم دائماً، ويمكث عندهم في أغلب الأيام. هناك، نمت في قلبه عاطفة جارفة تجاه ابنة خالته "هناء"
أحبها منذ الطفولة، وكان يهتم بها كثيراً ولا يسمح لأحد بالاقتراب منها، وهي كذلك كانت تبادله ذات المشاعر وتدرك مكانتها في قلبه.
دارت الأيام، وكبرت هناء ودخلت الجامعة، بينما استمر أحمد في عمله كحلاق. وفي أحد الأيام، قرر أحمد أن يخطو الخطوة التي لطالما حلم بها. عاد إلى البيت بعد يوم عمل شاق، واختلى بوالدته قائلاً بنبرة مليئة بالأمل:
أمي حبيبتي.. بما أن إخوتي قد تزوجوا جميعاً واستقروا مع زوجاتهم وأولادهم، فقد قررت أنا أيضاً أن أتزوج.
تهلل وجه الأم وقالت بفرح:
نعم يا بني، وهذا أسعد خبر! قل لي، هل في بالك عروس لأذهب وأخطبها لك
نعم يا أمي.. هناء ابنة خالتي.
انقبضت أسارير الأم فجأة، وتغيرت لهجتها وقالت:
ولكن هناء تدرس في الجامعة يا أحمد!وأنا أعلم ذلك يا أمي الغالية، ما المشكلة؟ نتزوج بعد أن تتخرج.
نعم، ولكن هناء ستصبح صاحبة شهادة جامعية وأنت بلا شهادة!
ما الضير في ذلك؟
أنا لدي عمل يغنيني عن الشهادة، ثم إن هناء ليست غريبة عني، إنها ابنة خالتي وتعلم كل ظروفي.
لا.. لن أوافق يا أحمد! لن أسمح بأن تتزوج فتاة متعلمة وأنت بلا شهادة. زوجات إخوتك جميعاً بلا شهادات، وسوف يغارن منها ويحقدن عليها، وهي ستتعالى عليهن وعلينا بشهادتها.
ماذا تقولين يا أمي؟! وكأنكِ لا تعرفين هناء ابنة أختكِ!
بل أعرفها جيداً.. إنها لا تناسبك. لقد تربت في المدينة وهي مدللة كثيراً، ونحن نعيش في قرية وأطباعها لا تناسب عائلتنا. دعني أبحث لك عن عروس غيرها.
وقع الكلام على أحمد كالصاعقة. تملكته حيرة كبيرة وضيق شديد، ولم يجد بداً من الاتصال بهناء. عندما رأت هناء اسمه على شاشة الهاتف، أجابت بلهفة:
أهلاً أحمد.. تكلم ما بك؟ كنت قد اتصلت بك مراراً لأفهم ما الأمر ولماذا لم تكن ترد.
قال أحمد بصوت مخنوق:
تحدثت مع والدتي بشأن زواجنا.. وتشاجرنا قليلاً.
ثم نقل لها رأي أمه ورفضها القاطع، وختم كلامه بيأس:
ماذا عليّ أن أفعل يا هناء؟ أنتِ تعلمين أن والدتي شديدة، ولن تفهم عليّ ولن تغير رأيها أبداً، وأنا لا أريد أن أفعل شيئاً يغضبها أو بغير رضاها.
شعرت هناء بطعنة في كبريائها، لكنها تمسكت بمستقبلها وقالت بثبات:
أحمد.. افعل ما تراه مناسباً لك. أنا كذلك لن أتخلى عن دراستي وتعب طوال هذه السنوات بسهولة، ولم يتبقَ لي غير سنة واحدة وأتخرج.
بعد تلك المكالمة، انقلب أحمد تماماً. في آخر لقاء بينهما، كان الغضب يعميه والعناد يسيطر عليه. صرخ في وجهها هاتفاً:
اختاري الآن.. أنا أم دراستكِ؟
نظرت إليه هناء بعينين دامعتين، مصدومة من تحوله المفاجئ، وقالت بصوت متهدج:
لماذا عليّ أن أختار؟ ما الذي تغير؟ ماذا حدث لك فجأة؟!
لم يمنحهما العناد فرصة لقول وداع لائق. ابتعد أحمد تماماً، انقطعت اتصالاته، ولم يعد يزور بيت خالته كما كان يفعل دائماً. مرت الأيام، وبدأت الأخبار تصل إلى هناء عبر قريباتها؛ أحمد بدأ يتخلى عنها، وأمه تبحث له عن عروس أخرى. كانت هناء تكتم وجعها في داخلها، متظاهرة بالقوة، ولم تبدِ لأحد حجم الألم والحزن الذي يعتصر قلبها.
ومرت سنة كاملة..
وفي أحد الأيام، سمعت هناء والدتها وخالاتها يتحدثن بأن أحمد قد خطب بالفعل فتاة من قريتهم، والمفارقة أنها كانت متعلمة وتحمل شهادة! تظاهرت هناء بعدم المبالاة، فقد كانت مستغرقة بكل طاقتها في إعداد بحث تخرجها وترتيبات الحفل مع زميلاتها.
في صباح يوم العرس، دخلت الأم إلى غرفتها وقالت:
هناء.. هل تذهبين معي لبيت خالتكِ؟
أجابت هناء دون أن تنظر إليها:
لا.. لن أذهب يا أمي.
لماذا يا ابنتي؟ اليوم عرس أحمد ويجب أن تذهبي، هل تريدين أن تزعل خالتكِ منكِ؟
لن تبالي خالتي بغيابي، لأنها أساساً لا تحبني ولا تسرها رؤيتي!
ماذا تقولين يا هناء؟ خالتكِ تحبكِ!
هنا، لم تطق هناء كتماناً أكثر، فانفجرت صارخة بدموع حارقة:
لا يا أمي! خالتي هي من كسرت قلبي!
ارتمت في حضن أمها وهي تبكي بحرقة وتقول: "قلبي يرتجف يا أمي.. أشعر بأني لستُ على ما يرام". احتضنتها الأم بقوة، وفي تلك اللحظة، حكت لها هناء كل ما جرى بينها وبين أحمد في الماضي، وكيف رفضت خالتها ارتباطهما.
بكت الأم مع ابنتها مواسية، ثم مسحت دموعها وقالت باعتزاز:
لا تبالي بهم يا ابنتي الحبيبة.. هم من خسروا أجمل وأذكى فتاة في الرمادي، وخسروني أنا أيضاً! لن أذهب إلى هذا العرس، ولن أسندها اليوم كما كنت أفعل دائماً. دعينا من كل هذا، ولنجهز لحفلة تخرجكِ يا جميلتي.
تبسمت هناء من بين دموعها، واحتضنت والدتها بقوة.
جاء يوم التخرج، وتفوقت هناء بدرجة امتياز وكانت الأولى على دفعتها. كانت حفلتها مميزة جداً، حيث اختيرت لتكون عريفة الحفل. قدمت زميلاتها بعبارات عذبة اتسمت بالجمال تارة، وبالمزاح والهزل تارة أخرى. تعالت الضحكات وغمر الفرح القاعة، وجذبت هناء بصوتها الحنون وثقتها العالية وابتسامتها الدائمة التي تثلج الصدور إعجاب كل من تواجد في الحفل.
وقبل الختام، حدثت مفاجأة لم تتوقعها؛ قامت صديقتها المقربة "سمر" بالطلب من أخيها الشاب "عمر" أن يصعد ويقدم هناء للجمهور تكريماً لتميزها. صعد عمر وقدمها بكلمات راقية، وبعد انتهاء الحفل، تقدمت هناء لتشكره، وتعرفت عليه عن قرب.
دارت الأيام.. وكان عمر (الذي أصبح طبيباً) يتردد دائماً على محل أحمد للحلاقة في المدينة، فقد كان أحمد حلاقه المفضل.
دخل دكتور عمر إلى المحل مبتسماً، وفاتحاً ذراعيه:
أهلاً بالصديق أحمد!
أخذه أحمد بالأحضان مستقبلاً إياه بترحاب:
أهلاً دكتور عمر! أين أنت يا رجل منذ فترة طويلة لم تأتِ؟ هل وجدت حلاقاً أفضل مني؟
ضحك عمر وقهقه قائلاً:
نعم.. فقد وجدت فتاة أحلامي! واليوم خطبتي، وستذهب معي لقراءة الفاتحة بعد أن تحلق لي.
تعجب أحمد وقال:
كيف حصل ذلك؟ هل نزلت من السماء؟ لقد كنت ترفض فكرة الارتباط تماماً!
نعم يا أحمد، كنت أرفض سابقاً.. لكن عندما رأيت هذه البنت اختلف كل شيء. لقد نبض لها قلبي من أول نظرة.. إنها ملاك، بل حورية سحرتني! عيناها بحر عميق من الجمال، وأسرني ذكاؤها ولباقتها في الحديث، وثقتها العالية بنفسها، فضلاً عن وجهها البشوش وبراءتها التي لا توصف.
سال الفضول في عروق أحمد فسأل:
من أين هذه البنت؟ وكيف تعرفت عليها؟
إنها صديقة أختي سمر في الكلية، تعرفت عليها في حفلة تخرجهما ومنذ ذلك الوقت والصورة لا تفارق خيالي. ابنة "جابر منصور"، ووالدها صاحب معرض سيارات المنصور المعروف.
جمد الدم في عروق أحمد، وشعر بغصة حادة تخنق أنفاسه. دُهش وسأل بصوت مرتعش:
ما.. ما اسمها؟
أجاب عمر بابتسامة فخورة:
اسمها هناء.
انصدم أحمد صدمة عمره. تداخلت الصور في ذهنه؛ شارع عشرين، العناد، صراخه في وجهها، والشهادة التي رفضتها أمه. كان يحمل بيده مقصاً ومشطاً.. رماهما بقلة حيلة على رف الحلاقة، ثم نظر إلى عمر وقال بنبرة مكسورة يملؤها الندم:
هذه ابنة خالتي.. فعلاً أنت محظوظ يا عمر!