الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بغداد ودمشق.. أما آنَ للشقيقتين أن تتعانقا؟

← بواسطة azzaman

بغداد ودمشق.. أما آنَ للشقيقتين أن تتعانقا؟

محمد خضير الانباري

 

ليستْ بغدادُ ودمشقُ مجردَ عاصمتينِ عربيتينِ تفصلُ بينهما حدودٌ جغرافية، بلْ هما شقيقتانِ تجمعهما وشائجُ التاريخِ والجغرافيةِ والدمِ واللغةِ والمصالحِ المشتركة، فهلْ آنَ للزمانِ أنْ يفتحَ ذراعيهِ لهما، لتتعانقا منْ جديد، وتطويانِ صفحاتِ الماضي بما حملتهُ منْ خلافاتٍ وجراح، وتشرعانِ في كتابةِ فصلٍ جديدٍ منْ الأخوةِ والتعاون؟ قالَ الله- سبحانهُ وتعالى- في محكمِ كتابهِ الكريم: (إنما المؤمنونَ إخوة فأصلحوا بينَ أخويكم) (الحجرات: 10 ) .

أعادتْ زيارةْ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ العراقيِ الأخيرة  السيد (عليّ الزيدي) إلى دمشق، واستقبالِ الرئيسِ السوريِ السيد (أحمدِ الشرع) له، الأنظار إلى طبيعةِ العلاقاتِ بينَ البلدين، وإلى ما يمكنُ أنْ تحملهُ المرحلةُ المقبلةُ منْ فرصٍ لإعادةِ بناءِ الثقةِ وتجاوزِ رواسبِ الماضي.

تعدُ هذه الزيارة، فرصةً تستحقُ أنْ نتوقفَ عندها، لا بمنطقِ المجاملةِ السياسيةِ العابرة، بلْ برؤيةٍ واقعيةٍ تستندُ إلى إرادةِ الشعبينِ ومصالحهما العليا، وأنا أتابعُ آراءَ العراقيينَ والسوريين، وحتى العربيةِ وتعليقاتهمْ ومقالاتهم، ألمسُ لدى كثيرٍ منهمْ رغبةً واضحةً في تجاوزِ ما مضى، وتركَ لغةَ الاتهاماتِ والأحقادِ والمؤامراتِ جانبا، وفتح صفحةٍ جديدةٍ أساسها الاحترام المتبادل وحسن الجوارِ والتعاون.

خلافات السياسةِ

إنَ هذهِ الأصواتَ تستحقُ أنْ تسمع، لأنها تعبرُ عنْ حقيقةٍ مهمة: إنَ الشعوبَ تتطلعُ إلى الاستقرارِ والحياةِ الكريمة، ولا تريدُ أنْ تبقى أسيرة خلافات السياسةِ وصراعاتها، فلماذا لا نمنحُ المستقبلَ فرصة، ما دامتْ إرادةْ التقاربِ متاحة ومصالح الشعبينِ تلتقي في أكثرَ منْ ميدان؟

إنَ العراقَ وسوريا تجمعهما روابطُ أعمقُ منْ أنْ تمحوها سنواتُ الخلاف، فقدْ عاشَ أبناءُ البلدينِ قرونا في فضاءٍ جغرافيٍ واجتماعيٍ متداخل، وتجاورتْ القبائلُ على امتدادِ الحدود، فتوزعتْ العائلاتُ بينَ ضفتيها، وتداخلتْ الأنسابُ والمصاهرات، وتشابكتْ الأراضي والمصالحُ التجارية. وكانَ منْ المألوفِ أنْ يكونَ الأخُ في هذا الجانبِ منْ الحدود، وأخيهِ في الجانبِ الآخر، منْ دونِ أنْ يشعرَ أيّ منهما بأنهُ غريبٌ عنْ الآخر.

لقدْ عاشَ الشقيقان، في مراحلَ تاريخيةٍ طويلة، ضمنَ إطارِ الدولةِ العثمانية، ثمَ سلك كلّ منهما طريقه في بناءِ دولتهِ الحديثة، غير أنَ الحدودَ السياسية، مهما بلغتْ أهميتها، لمْ تستطعْ أنْ تلغيَ حقيقةْ الروابطِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ التي ظلتْ قائمةً بينَ الشعبين.

منْ هنا، فإنَ إعادةَ التقارب، ليستْ اختراعا لعلاقةٍ جديدة، بلْ هيَ محاولةٌ لاستعادةِ علاقةٍ أصيلة، وتطويرها بما ينسجمُ معَ متطلباتِ العصرِ ومصالحِ الدولتين.

يعدُ الاقتصاد والشباب. . . بوابةُ المصالحةِ الحقيقيةِ لا يكفي أنْ تتبادلَ الحكومتانِ الزياراتِ والتصريحاتِ الإيجابية، ما لمْ تنعكسْ نتائجُ التقاربِ على حياةِ المواطنين، فالمصالحةُ الحقيقيةُ تبدأُ حينَ يشعرُ العراقيّ والسوريّ بأنَ العلاقةَ الجديدةَ تفتحُ أمامهُ أبواب العملِ والاستثمارِ والسياحةِ والتجارة، وتمنحهُ أملاً بمستقبلٍ أفضل.

مواقعِ تاريخية

يحملُ العراقيونَ ذكرياتٍ جميلةً عنْ زياراتهمْ إلى سوريا، وما عرفوهُ فيها منْ كرمِ الضيافةِ وجمالِ المدنِ والأسواقِ والمواقعِ التاريخية، منْ شأنِ عودةِ السياحةِ العراقيةِ إلى سوريا، أنْ تنعشَ قطاعات الفنادقِ والمطاعمِ والنقلِ والأسواق، وتسهمَ في تحريكِ عجلةِ الاقتصادِ السوري، متى توافرتْ الظروفُ الأمنيةُ والتسهيلاتُ المناسبة.

في المقابل، يمتلكُ السوريونَ خبراتٍ واسعةً في مجالاتِ الصناعةِ والتجارةِ والحرفِ والمهنِ وإعادةِ الإعمار، ويمكنُ لهذهِ الخبراتِ أنْ تسهمَ في دعمِ التنميةِ في العراق، منْ خلالِ فرصٍ استثماريةٍ وشراكات منتجة تعودُ بالنفعِ على الطرفين.

أنَ التعاونَ بينَ البلدينِ يمكنُ أنْ يتسع؛ ليشملَ النقل والطاقة والزراعة والصناعات التحويلية والتبادل التجاري، فضلاً عنْ تبادلِ الخبراتِ الجامعيةِ والعلمية، وفتح مجالاتٍ أوسعَ أمامَ الشبابِ ورجالِ الأعمالِ وأصحابِ الكفاءات.

إننا بحاجةٍ إلى تحويلِ الأخوةِ منْ كلماتٍ تقالُ في المناسباتِ إلى مشروعاتٍ تنفذُ على أرضِ الواقع، وإلى اتفاقياتٍ تفتحُ الأسواق، وتسهلُ تنقلَ المواطنين، وتحمي المستثمرين، وتخلقُ فرص العمل، وتعيدُ الثقة بينَ المؤسساتِ والمجتمعات. نفتحُ الأبواب. . . ولا نغلقُ العيونَ إنَ الدعوةَ إلى المصالحةِ لا تعني نسيان الدروسِ التي علمنا إياها الماضي، ولا التغاضي عنْ المخاطرِ التي قدْ تهددُ أمنَ البلدين، فحسنَ النيةَ لا يتعارضُ معَ اليقظة، والانفتاحِ لا يعني التفريطَ بالسيادة، والثقةِ لا تعني التخليَ عنْ المصالحِ الوطنية. علينا أنْ نفتحَ الأبوابَ أمامَ الأشقاء، معَ إبقاءِ العيونِ مفتوحة على كلِ منْ يريدُ العبث بأمنِ العراقِ أوْ سوريا، أوْ استغلالِ التقاربِ لإشعالِ الفتنِ وإعادةِ الصراعات.

هناكَ منْ قدْ يجدُ في خلافِ البلدينِ فرصةً لتوسيعِ نفوذهِ وتحقيقِ مصالحهِ على حسابِ الشعبين. ولذلك، فإنَ نجاحَ هذهِ العلاقةِ يتطلبُ وضوحا في المواقف، واحتراما متبادلاً للسيادة، وعدمِ التدخلِ في الشؤونِ الداخلية، والتزاما عمليا بمكافحةِ الإرهابِ والجريمةِ المنظمةِ والتهريب، وحمايةْ الحدودِ منْ كلِ ما يهددُ أمن المواطنين.

لا نريدُ علاقةً تقومُ على العاطفةِ وحدها، بلْ على الأخوةِ الواعيةِ والمصلحةِ المشتركةِ والاحترامِ المتبادل. كلمةٌ أخيرةٌ يا أبناءَ بغدادَ ودمشق، إنَ التاريخَ لا يطلبُ منا أنْ نعيشَ في الماضي، بلْ إنَ نتعلمُ منه. ولا ينبغي أنْ نورثَ أبناءنا أحقادا لمْ يصنعوها، أوْ نجعلهمْ أسرى خلافات لمْ يختاروها.

إنَ ما يجمعُ الشعبينِ أكبر مما يفرقهما، وما ينتظرهما منْ تحدياتٍ يستدعي التعاون لا التناحر، والتفاهم لا الاتهام، والبناء لا الهدم، فلنجعلْ منْ هذهِ المرحلةِ بدايةَ عهدٍ جديد، تتقدمُ فيهِ لغةْ الحوارِ على لغةِ التخوين، والتجارةِ على القطيعة، والمصالحِ المشتركةِ على الحساباتِ الضيقة، ولتكنْ أبواب بغدادَ ودمشقَ مفتوحة أمامَ الطلبةِ والتجارِ والسياحِ والمستثمرين، وأمامَ كلِ منْ يريدُ خيرا للبلدين. لنتذكر أنَ الأخوةَ ليستْ شعارا نرفعهُ عندما تتفقُ الحكومات، ثمَ نتخلى عنهُ عندما تختلف؛ إنها مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وتاريخيةٌ تتطلبُ منا أنْ نختلفَ دونَ أنْ نتعادى، وأنْ نحفظَ حقوقنا دونَ أنْ نهدمَ جسورنا. بغدادُ ودمشقُ شقيقتان، لا غريبتان، قدْ تختلفُ السياسة، لكنْ لا ينبغي أنْ تضيعَ الأخوة.

  هلْ آنَ للشقيقتينِ أنْ تتعانقا، وأنْ تتركا للمستقبلِ مساحة أوسع منْ الماضي، وللأملِ صوتا أعلى منْ أصواتِ الكراهية؟ إنها دعوةٌ صادقةٌ إلى المصالحةِ والتكامل، وإلى عراق، وسوريا قويينِ بأبنائهما، متعاونينَ في مصالحهما، متيقظينَ لحمايةِ أمنهما، ومتمسكينَ بعمقهما العربيِ والإنساني.

لعلَ الآيةَ الكريمةَ تبقى خيرا ما نختمُ بهِ هذهِ الدعوة: (إنما المؤمنونَ إخوة فأصلحوا بينَ خويكم ) ، فلتكونَ الأخوةُ بدايةَ الطريق، وليكنْ السلامُ عنوانَ المستقبل.


مشاهدات 79
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/10/30 - 11:41 PM
آخر تحديث 2026/10/31 - 12:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 63013 الكلي 16648182
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير