الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كوفند شيرواني .. ومرارة الفقد

← بواسطة azzaman

كوفند شيرواني .. ومرارة الفقد

قصي منذر

 

تلقيت عبر تطبيق الماسنجر رسالة من زميلي الصحفي القدير فريد حسن، استهلها بعبارة (تحياتي لكم)، وهي تحية مألوفة أعتدت إن أقرأها في مراسلاته، فظننت أن وراءها أمراً يتعلق بموضوع صحفي، أو شأناً من شؤون العمل التي نتبادل الحديث بشأنها بين الحين والآخر، غير أنني ما إن مضيت في قراءة سطورها حتى وجدت نفسي أمام خبر لم أكن أتوقعه، وقد ترك في نفسي وقعاً أليماً، وأثار في داخلي من الحزن والأسى ما تعجز الكلمات عن وصفه، فقد أبلغني إن الخبير النفطي البارز (كوفند شيرواني) قد رحل عن دنيانا، ومضى إلى جوار ربه، عندها استبدت بي مشاعر الذهول، وأخذت ابحث في الصفحات والمواقع وكأنني أفتش عن خبر ينفي حقيقة هذا الرحيل، أو يبدد شيئاً من وقع الصدمة التي ألمت بي، ثم عدت إلى زميلي أسأله عن سبب الوفاة، فأجابني قائلاً إن (الراحل كان يسافر بين الحين والآخر إلى خارج القطر لتلقي العلاج من مرض البروستاتا)، وأضاف كما أنه كان يذكرك بالخير ويثني على تعاونك معه، فكان لهذه الكلمات وقع آخر في نفسي وأضفت على حزني حزناً.. وأنا استعيد آخر تواصل بيننا، ولم أكن أعلم إنه كان يخوض معاناة المرض بعيداً عن أنظارنا.

ولعل ما ضاعف وقع المصاب في نفسي، أنني كنت قد تواصلت معه  قبل أيام قلائل بشأن موضوع يتعلق بترقية علمية لاحد الأصدقاء، إذ طلبت منه بحكم علاقاته الواسعة وصلاته بالأوساط العلمية والاكاديمية، المساعدة في ترشيح أحد الاكاديميين ممن يمكن الاستعانة بهم في مجال النفط، فما كان منه على عادته التي عرفته بها إلا أن أبدى استعداداً طيباً للتعاون، وأظهر من الاهتمام والحرص ما يعكس كرم طباعه وسلامة معدنه، وهي خصال لم تكن غريبة عليه خلال سنوات معرفتي به، فوجدت فيه إنساناً دمث الخلق، واسع المعرفة، لا يتردد في تقديم ما يستطيع من عون ولا يتوانى عن مد يد المساعدة متى وجد إلى ذلك سبيلا.

ولا أخفيكم سراً أن الراحل كان حريصاً على مشاركتي نشاطاته الإعلامية ومداخلاته في القنوات التلفزيونية، وما يدلي به من آراء وتحليلات تتعلق بالشأن النفطي، فضلاً عن مقالاته، وكنت أتابع ما يطرحه باهتمام بالغ لما لمسته فيه من دقة التشخيص وحسن الإحاطة بتفاصيل الصناعة النفطية وتعقيداتها من جهة والملفات العالقة بين بغداد وأربيل الخاصة بأنبوب تصدير الخام من جهة أخرى، وقد جمع إلى هذه المكانة المهنية أدباً جميلاً وتواضعاً حتى أضحت رسائله جزءاً مألوفاً من تواصلنا.

لقد كان شيرواني من الشخصيات التي أعتز بمعرفتها واحتفظ لها في نفسي بمكانة خاصة، وأذكر إنه عرض عليّ ذات مرة إذا ما قادتني الظروف إلى أربيل، إن أكون ضيفاً عليه، وألح في دعوتي إلى زيارته، وصحيح أنني لم أحظى بشرف لقائه شخصياً، إلا أن المسافات لم تكن يوماً حائلاً دون توثيق عرى المودة، حتى بقيت هذه الدعوة معلقة على أمل أن يأتي يوماً تتهيأ فيه الظروف لتلبيتها، غير إن الأقدار سبقت الأماني، وامتدت يد المنون لتغيبه عن دنيانا، تاركة في القلب غصة الفراق وفي النفس لوعة الفقد وفي الذاكرة ما يعز على النسيان.

فسلام على روحك الطاهرة في عليائها ورحمة من الله تغشاك بقدر ما اخلصت في عطائك وأحسنت في مسعاك وأثريت العقول بمعرفتك.... نعم، فلقد تركت من جميل الأثر ما يبقى بعد انقضاء العمر ومن طيب الذكر ما يخفف مرارة الغياب، وإن بقي لنا من وجع هذا الرحيل الفقد وعبرة المصير، فما أضعف الانسان أمام سلطان الأجل وما أقصر الحياة مهما امتدت أيامها واتسعت آمالها، وتلك سنة الله في خلقه، فكل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربنا ذي الجلال والإكرام، ولا يسعنا أمام مشيئة المولى عز وجل إلا التسليم والرضا بقضائه ... وإنا لله وإنا إليه رجعون.

 

 

 


مشاهدات 51
الكاتب قصي منذر
أضيف 2026/10/31 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/11/01 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 96 الكلي 16650630
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير