حكومة الإطاحة ببنيامين نتنياهو
ثائر العجيلي
أولاً: المنطلق الفـــــــــــــــــكري والأيديولوجي لمعسكر التغيير
تتأسس الفكرة الجوهرية لمعسكر المعارضة الإسرائيلية الحالية على مبدأ «الدفاع عن مؤسسات الدولة ومستقبلها الأمني والاقتصادي»، وهو المبدأ الذي يجمع أقطاباً متناقضة أيديولوجياً تحت راية واحدة.
الهدف الجامع: يرى هذا المعسكر أن استمرار بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة، وارتباطه العضوي باليمين المتطرف، يمثل تهديداً استراتيجياً لعلاقات إسرائيل الدولية ومكانتها الإقليمية، فضلاً عن تعميق الانقسام الداخلي.
عقد اجتماعي
الشرعية الصهيونية: ينطلق القادة الرئيسيون مثل غادي آيزنكوت، وأفيغدور ليبرمان، ونفتالي بينيت من أرضية «الصهيونية الليبرالية واليمينية المعتدلة». بالنسبة لهم، الإطاحة بنتنياهو ليست مجرد رغبة في السلطة، بل هي محاولة لإعادة صياغة «العقد الاجتماعي والسياسي» داخل إسرائيل، وإعادة الاعتبار لشرعية المؤسسة العسكرية والأمنية في صناعة القرار.
ثانياً: معضلة «الوزن العددي» مقابل «الشرعية السياسية»
تكمن الأزمة الكبرى التي تواجه صياغة هذه الحكومة في الفجوة العمياء بين ما تمنحه لغة الأرقام، وما تفرضه الأيديولوجيا الصهيونية:
1. معضلة المقاعد العربية (67 مقعداً النظري)
الحقيقة الرقمية: حسابياً، يمتلك يائير غولان الحق في أن المعارضة بأكملها مع الأحزاب العربية تتجاوز عتبة الـ 61 مقعداً.
الفيتو الأيديولوجي: بالنسبة للخط اليميني والوسطي في المعارضة (بينيت وليبرمان)، فإن بناء حكومة تعتمد على أحزاب غير صهيونية يُعد «انتحاراً سياسياً» ويفقد الحكومة شرعيتها الشعبية في الشارع الإسرائيلي، خاصة في قضايا الأمن القومي والعمليات العسكرية. لذلك، هذا المسار مغلق فكرياً وعملياً.
2. معضلة الكتلة الصهيونية الصافية (48 مقعداً الواقعي)
معطيات سابقة
دون الأحزاب العربية، يقف معسكر الإطاحة عند 48 مقعداً، وهو ما يجعله عاجزاً عن تشكيل حكومة بمفرده. هذا النقص الحاد يعني أن «حكومة الإطاحة» لا يمكن أن تولد من رحم المعارضة الحالية بشكلها الراهن، بل تحتاج قسراً إلى تفكيك المعسكر الآخر.
ثالثاً: المسارات الاستراتيجية الحتمية لولادة «حكومة الإطاحة»
بناءً على المعطيات السابقة، لا توجد سوى طريقتين عمليتين فقط لظهور هذه الحكومة إلى العلن:
المسار الأول: تفكيك حزب «الليكود» من الداخل «استراتيجية ليبرمان» الفكرة: الضغط على القيادات الوسطية والتاريخية في حزب الليكود لإقناعهم بأن نتنياهو بات يشكل عبئاً على الحزب والدولة، وأن استمرار التمسك به يعني الذهاب إلى انتخابات سادسة وسابعة قد تنهي قوة الحزب الشعبية.
الهدف: إحداث انشقاق لكتلة صغيرة من نواب الليكود تنضم إلى آيزنكوت وبينيت، لتشكل حكومة يمين-وسط واسعة، تستثني نتنياهو واليمين المتطرف، وتمنح الليكود دوراً رئيسياً في القيادة بدون رئيسه الحالي.
المسار الثاني: اختراق تحالف «الحريديم» «استراتيجية المناورة السياسية»
الفكرة: الأحزاب الدينية (شاس ويهودية التوراة) هي حليف براغماتي يبحث دائماً عن التمويل للمدارس الدينية والحفاظ على استقلالية مجتمعاتهم.
العقبة والاستراتيجية: العائق الأساسي هنا هو «قانون التجنيد» الذي يصر عليه آيزنكوت. نجاح حكومة الإطاحة عبر هذا المسار يتطلب تقديم «تنازلات إستراتيجية مؤلمة» من المعارضة في ملف التجنيد والميزانيات مقابل صعودهم إلى السلطة وإقصاء نتنياهو.
رابعاً: الخلاصة الفكرية
إن «حكومة الإطاحة ببنيامين نتنياهو» ليست مجرد تحالف سياسي عابر، بل هي مفهوم يبحث عن شرعية صهيونية مفقودة تحت سقف الأرقام.
المعركة الحقيقية الآن ليست في فرز الأصوات، بل في قدرة معسكر المعارضة الصهيونية على تقديم تنازلات أيديولوجية حادة (سواء للحريديم في ملف التجنيد، أو لليكود في تقاسم السلطة) لضمان تحقيق هدفهم الأسمى: إنهاء الحقبة السياسية لبنيامين نتنياهو. وبدون هذه التنازلات الجسيمة، ستبقى فكرة «حكومة الإطاحة» مشروعاً نظرياً يعطله الواقع المعقد.