تراتيل الفقد في ملكوت الجنوب
عمار عبد الواحد
لم يكن صوتا عاديا ذاك الذي انبثق من طين ميسان ووجع الناصرية بل كان قيامة من الشجن المتوارث خلف قضبان السنين حيث اجتمع عبد الواحد جمعة وجواد وادي ليعزفا على أوتار القلوب المحترقة لحنا يتجاوز حدود الحنجرة البشرية ليصبح هوية للأرض وعنوانا للانكسار العظيم في ذات المحبين الهائمين على وجوههم في دروب الغربة والنسيان. إن هذا الونين الذي ينسكب من حناجرهم ليس مجرد غناء بل هو استغاثة الروح العراقية وهي تواجه قدر الفراق المر حين تصرخ « اليوم مدة وكت وأخبارهم ما جن» لترسم لوحة سريالية للحزن الذي لا ينتهي وللانتظار الذي يأكل من جرف العمر بلا هوادة حيث تنهمر الكلمات بمداد من كبرياء الجنوب وصبره الأسطوري الذي يفتت الصخر ولا يلين أمام عوصف الزمان وما هذه « طشش عويله الطشسانه الخلف بالله «.؟ إلا تشظي للذات التي بعثرها الجفاء وتركتها وحيدة تصارع هواجس النسيان في متاهات الدرب البعيد الذي يبدو بلا نهاية ولا رجاء في عودة الغائبين الذين ظنوا أن البعد يمحي أثر الخطى في قلوب من أحبوهم بصدق وانكسار إنها أصوات تجاوزت قياسات الحناجر المعتادة لتصبح صدى لآهات الجنوب برمتها بل هي صوت الأرض حين تبكي أبناءها وعشاقها الذين احترقوا بنار الوجد وحريق المسافات الطويلة التي تفصل بين اللقاء والوداع فكانت هذه الأغنيات هي الخلود الذي لا تمسه يد التغيير وهي الخيال الذي يفوق حدود الواقع بجماله الموجع وحزنه المعتصم بحبل الصمت المطبق حيث تصبح الحنجرة هنا وطنا مسلوبا وأرضا من النحيب الذي لا يستكين حتى تقوم ساعة العراق الذي لا يزال يرزح تحت وطأة هذه الشجون السرمدية التي صاغها هؤلاء العمالقة بدموعهم قبل أصواتهم فغدوا هم الجنوب والجنوب هم في وحدة حال لا تنفصم عراها أبدا ومن هنا يدرك المرء أن هذا الوجع ليس عابرا بل هو قدر مكتوب بحبر الوفاء الذي لا يمحى. حيث يظل صوت جمعة ووادي هو الدليل الوحيد على أن هناك قلوبا لا تزال تنبض بالعشق رغم أنوف العواصف ورغم فداحة الخسارات التي توالت على هذه الأرض المعذبة بجمالها والمنكوبة بعشاقها الذين صاروا حكايات تروى في أماكن السهر الممزوج بالعلقم والدموع الساخنة التي تجري كما يجري الفرات في عروق العراقيين المتعبين من ثقل الذكريات ومن صمت الراحلين الذين استوطنوا الذاكرة. وأوصدوا خلفهم أبواب الرجوع ليبقى هذا الصوت هو الملاذ الأخير لكل منكسر خاطر ولكل من أعياه الدرب الطويل وظن أن أحبابه قد نسوه في زحمة الرحيل المر لتكون الخاتمة هي أن الجنوب يبقى سيد الحزن وبوصلة العشاق وموطن الآهات التي لن تنطفئ جذوتها ما دام هناك قلب عراقي يئن تحت وطأة هذا الفراق العظيم الذي لا يشفيه سوى هذا الونين الخالد.