ماذا كسبنا؟
الدولار بـ 1520 ديناراً .. متى تفرج؟
أسامة أبو شعير
تخفيض الدينار يشتري وقتاً للخزانة لكنه لا يشتري إصلاحاً… السؤال ليس كم ديناراً إضافياً حصلنا عليه، بل ماذا سنفعل بالوقت الذي اشتريناه؟
قبل أيام كتبت عن المثل العراقي: «اللي ما يعرف تدابيره، حنطته تأكل شعيره». ويبدو أن الحنطة والشعير وجدا طريقهما سريعاً إلى سوق الصرف! فحين تضيق حسابات الموازنة، يبدو تغيير سعر الدولار أسرع من تغيير الاقتصاد.
الدولار لا يعترض، والدينار لا يملك نقابة تحتج، ووزارة المالية تستيقظ في اليوم التالي فتجد أن الدولار النفطي الواحد صار يلد لها دنانير أكثر. أما المواطن فيستيقظ هو الآخر، ولكن ليكتشف أن راتبه لم يلد شيئاً. وهنا تبدأ الحكاية.
بحسب القرار المعلن أخيراً، أصبح سعر الدولار النقدي الرسمي 1,520 ديناراً. وللقرار منطقه المالي؛ فالعراق يحصل على معظم إيراداته النفطية بالدولار، بينما يدفع الرواتب وجزءاً كبيراً من نفقاته بالدينار. وكل دولار يدخل الخزانة أصبح يعطيها دنانير أكثر. في دفاتر المالية تبدو العملية مفهومة. لكن أم البيت لا تدير موازنتها بالدولار النفطي، والموظف لا يقبض راتبه بالبرميل. السؤال عندهما أبسط: ماذا سيبقى من الراتب بعد الطعام والدواء والنقل والسكن؟
توقف مؤقت
بدأت الأسواق تعيد حساباتها. بعض أسواق الجملة شهدت توقفاً مؤقتاً للبيع بانتظار اتضاح الأسعار، والتاجر يسأل: بأي سعر أبيع بضاعة اليوم إذا كنت سأشتري بديلها غداً بدولار أغلى؟ وليس كل ارتفاع استغلالاً، كما أنه ليس كل ارتفاع مبرراً. بين الاثنين كلفة الاستيراد والمخزون وسعر الدولار والمنافسة، ومعها شيء من الخوف وشيء من الطمع؛ والسوق، مثل بعض البشر، إذا خاف بالغ في الحذر، وإذا طمع بالغ في الحساب.
لكن انخفاض قيمة الدينار لا يعني أن الأسعار سترتفع بالنسبة نفسها. فانتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار عادة جزئي ويختلف بين السلع.
والتجربة العراقية السابقة مفيدة؛ فبعد تخفيض قيمة الدينار في 2020 ارتفعت الأسعار، لكن التضخم لم يساوِ نسبة التخفيض. لذلك لا يكفي أن نسأل: كم أصبح الدولار؟ بل أيضاً: هل يستطيع المستورد الحصول على الدولار الرسمي، وكم تبقى الفجوة بين الرسمي والموازي؟
ومن الخطأ تصوير القرار كأنه بلا فائدة للدولة. تخفيض قيمة الدينار يمنح الخزانة دنانير أكثر مقابل إيراداتها الدولارية، وقد يساعدها على مواجهة العجز وتمويل النفقات. لكن هذه ليست ثروة جديدة هبطت على العراق من السماء. النفط نفسه لم يزد، والإنتاجية لم ترتفع في الليلة نفسها، والمصنع المتوقف لم يبدأ العمل لأن رقماً تغير على شاشة البنك المركزي. الذي تغير هو طريقة تحويل الدولار إلى الدينار.
لكن النقاش لا يتوقف عند سعر الصرف. فهنا يظهر سؤال أكثر إزعاجاً: كم كان يمكن للعراق أن يوفر لو أغلق منافذ الهدر والفساد قبل أن يفتح جيب المواطن؟
فالفساد لا يملك، لحسن حظه، سعراً معلناً على شاشة البنك المركزي حتى نراقبه كل صباح؛ قد يختبئ في عقد، أو مشروع متضخم الكلفة، أو جباية لا تصل كاملة إلى الخزانة، أو منفذ لا يجبي للدولة ما ينبغي أن يجبيه. ولا نستطيع علمياً القول إن إنهاء الفساد كان سيغني العراق حسابياً عن تعديل سعر الصرف. لكن من المشروع أن نسأل: قبل أن نطلب من الدينار أن يتحمل عبء تصحيح المالية العامة، هل استنفدنا ما يمكن تحصيله من مكافحة الفساد والهدر وتحسين الجمارك والضرائب والجباية وضبط الإنفاق؟ فالفرق كبير بين دولة تقول لمواطنها: اضطررنا إلى القرار بعد أن أغلقنا أبواب الهدر، وبين أن نطلب منه شد الحزام بينما بعض ثقوب الخزان ما زالت مفتوحة.
ثم يأتي النفط. ارتفاع أسعاره يمنح العراق متنفساً مالياً، لكن الأزمة الأخيرة أعادت درساً قديماً: لا يكفي أن يرتفع سعر البرميل إذا كان البرميل لا يستطيع الوصول إلى المشتري. فالإيراد النفطي هو حاصل السعر × الكمية المصدرة. وأزمة هرمز كشفت هشاشة نعرفها منذ زمن: لدينا نفط كثير، لكن طريق خروجه يمكن أن يصبح قيداً على الدولة كلها.
لذلك فإن افتراض تصدير أربعة ملايين برميل يومياً في حسابات موازنة 2027 ينبغي التعامل معه باعتباره افتراضاً يحتاج إلى اختبار، لا إيراداً مضموناً. فهناك القدرة الإنتاجية، والتزامات أوبك+، ثم القدرة الفعلية على التصدير. والإدارة المالية الرشيدة لا تتشاءم عندما تختبر الموازنة عند ثلاثة ملايين أو مليونين أو أقل؛ إنها تسأل ببساطة: ماذا نفعل إذا انخفض الدخل؟
وأمامنا ثلاثة مسارات. المسار الأقرب، إذا استمر توفر الدولار ولم تتفاقم أزمة الصادرات، هو أن يستقر السوق بعد موجة إعادة التسعير، مع ارتفاع متفاوت في بعض الغذاء والدواء والمستوردات؛ فتتحسن حسابات الخزانة بينما تفقد الأسرة جزءاً من قوتها الشرائية. أما المسار المتفائل فهو تقلص الفجوة بين الرسمي والموازي، وهدوء الأسعار واستمرار تحسن الصادرات، فتستفيد الدولة مع أثر تضخمي محدود. والمسار الضاغط يبدأ إذا بقي الموازي مرتفعاً وتزامنت زيادة الأسعار مع ضعف الصادرات أو تراجع النفط؛ عندها يصبح الضغط على الخزانة والجيب معاً.
وهنا لا ينبغي ترك أم البيت وحدها مع الإصلاح. حماية الفئات الهشة لا تعني زيادة عامة ودائمة للرواتب تعيد المشكلة إلى الموازنة، بل دعماً مؤقتاً وموجهاً: تقوية البطاقة التموينية، وحماية الأدوية الأساسية، ومساندة الأسر الأكثر هشاشة وأصحاب الدخول الأدنى. فالإصلاح الذي يطلب من أضعف الناس أن يدفعوا أولاً، ثم يعدهم بأن ثماره ستصل لاحقاً، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة حساباته.
فمتى تفرج؟ العراق لا يعاني نقصاً في تشخيص مشكلاته: إنفاق جارٍ ثقيل، اعتماد على النفط، إيرادات غير نفطية محدودة، قطاع خاص ضعيف، مصارف تحتاج إلى إصلاح، واقتصاد يستورد كثيراً مما يستهلك. نعرف المشكلات، وتعرفها التقارير واللجان؛ وربما أصبحت المشكلة الوحيدة التي لا تحتاج إلى لجنة جديدة هي أننا نملك لجاناً تكفي لإثبات أننا نعرف المشكلة!
قطاع خاص
والمطلوب الآن أن يُستثمر المتنفس المالي في ضبط الإنفاق والهدر، وتحسين الضرائب والجمارك والتحصيل، ومواجهة الفساد، وإصلاح المصارف، ودعم الإنتاج والقطاع الخاص، وتنويع طرق تصدير النفط. وهنا نعود إلى سؤال العنوان: ماذا كسبنا؟ إذا كسبت الخزانة دنانير أكثر، وحافظ المواطن على قدر معقول من قوته الشرائية، واستُخدم المتنفس المالي لإصلاح الاختلالات التي أوصلتنا إلى هنا، يكون العراق قد كسب شيئاً أبقى من فرق سعر الصرف. أما إذا عادت الدنانير الإضافية إلى الإنفاق نفسه، وبقي الهدر نفسه والاعتماد نفسه وانتظار البرميل نفسه، فقد تغير الرقم ولم تتغير المشكلة.
ومتى تفرج؟ عندما لا ننتظر ارتفاع النفط لينقذ الموازنة، ولا تغيير سعر الدولار ليعالج العجز، ولا نطلب من جيب المواطن كلما ضاقت الخزانة أن يتبرع بحصته من الحل.
وعندها سيكفينا ذلك العراقي القديم الذي اختصر المشكلة قبلنا جميعاً:
«اللي ما يعرف تدابيره، حنطته تأكل شعيره».