الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تسليع الإنسان

← بواسطة azzaman

تسليع الإنسان

عمر ربيع

 

استوقفني موضوع مهم وأنا أشاهد إحدى البرامج الإثرائية عن عادات الشعوب وثقافاتهم المتنوعة، وكيف تأثرت نظم المجتمعات بما يسمى بالحداثة، ووسائل الإعلام وبرامج التواصل الاجتماعي التي أفرغت الأفراد من مضمونه الحقيقي، وجعلتهم، في الحقيقة، في ما يشبه التيه الرقمي الذي لا بداية له ولا نهاية.

ومن ضمن هذا التيه العجيب، يوجد في اليابان تطبيق على الجوال يمكنك من خلاله استئجار أشخاص لمهمات لا يمكن لإنسان عاقل أن يستوعبها!  فيمكنك، على سبيل المثال، استئجار شخص لمرافقتك لنصف يوم أو أقل، حسب عدد الساعات والدفع المسبق!

أو استخدام شخص يصغي إليك وإلى مواضيعك، أو ما نسميه، بين قوسين، (فضفضتك)! أو تأجير شخص يجلس معك في المطعم! وغيرها من الأمور التي تكاد تكون ضربًا من الخيال...

فيمكنك استخدام شخص «يطبطب» عليك قبل النوم!

لهذه الدرجة وصل التسليع، حتى في أعمق الأمور الشخصية، فأصبح بالإمكان أن تستأجر حبيبًا أو حبيبة لبعض الوقت! أو تستأجر أشخاصًا يشاركونك احتفالك أو حزنك!

والأخطر من ذلك أن تتحول الوحدة نفسها إلى سوق، والحاجة إلى الأنس إلى خدمة مدفوعة، والصداقة إلى وقت يُحجز بالساعات. عندها لا يعود السؤال: من يحبني؟ بل يصبح: من أستطيع أن أدفع له كي لا أشعر بأنني وحيد؟

وهنا تكمن المفارقة؛ لقد قرّبتنا التكنولوجيا من بعضنا في المسافات، لكنها في أحيان كثيرة أبعدتنا في المشاعر. صار بإمكاننا أن نتحدث مع العالم كله، لكننا نعجز أحيانًا عن الحديث بصدق مع أقرب الناس إلينا.

حتى الذكريات لم تسلم من هذا التحول؛ صار البعض يعيش اللحظة من أجل تصويرها، لا من أجل عيشها، ويبحث عن الإعجاب قبل أن يبحث عن المعنى. وكأن اللحظة لا تصبح جميلة إلا بعد أن يراها الآخرون. بعد هذا كله، هل بقي من الحياة الحقيقية شيء يُذكر؟

إن الإنسان خُلق ومعه سيادته، وسُخِّر الكون لأجله، فكيف وصل به الحال إلى هذا المستوى من التسليع البشع، حتى في المشاعر؟ لا يمكن، بكل أموال الدنيا، أن تشتري مشاعر القلب، والإحساس، ومكنونات الأشخاص. وهنا نرجع إلى صلب الموضوع: هل هذه هي الحداثة؟

هل هذه هي المجتمعات المتطورة؟ بكل تأكيد وثقة: لا، وألف لا! بل هو الخراب بعينه. هل الحداثة تعني بيع المشاعر والأحاسيس؟ وهل المجتمعات المتحضرة تتاجر بأعمق لحظات الإنسان؟ أو تسليع المرأة وجعلها مجرد وجه إعلاني؟

أو تسليع التعليم وجعله واهيًا بلا أفكار بنّاءة؟

إن أخطر ما في التسليع أنه لا يكتفي بأن يجعل الأشياء سلعة، بل يحاول أن يقنع الإنسان نفسه بأنه سلعة أيضًا؛ له قيمة حين يكثر الطلب عليه، وينخفض حين يقل الاهتمام به. وهنا يفقد الإنسان أهم ما يملكه: إحساسه بذاته، بعيدًا عن رأي السوق ورقم المتابعين وحجم الإعجاب.

تأكد من حقيقة مطلقة: أي لحظة تعيشها بلا عفوية مطلقة، ليست حياتك، بل هي الحياة التي أُريد لك أن تعيشها.

إن تسليع أي شيء يفرغ الحياة من طبيعتها، ويعتريها الجمود، وتتصدر فيها المشاهد المصطنعة الخاوية..

الحياة ليست عقدًا تجاريًا، ولا ينبغي أن تكون كل علاقة فيها قابلة للبيع والشراء. هناك أشياء قيمتها في أنها لا تُشترى: حضن الأم، وفاء الصديق، دعاء الأب، ابتسامة طفل، ورفقة إنسان يبقى إلى جانبك حين لا يكون لديك ما تقدمه له.

لا تكن سلعة بأي شكل من الأشكال.

أي لقاء، أو أي أمر، عندما يُسلَّع، يصبح عاديًا، ويفقد معناه الحقيقي. أنت لست سلعة؛ أنت مخلوق لا تُقدَّر قيمته بثمن. ومن يُسلِّع بعضه، يُشترى كله.

الإنسان المُسَلَّع عبارة عن بضاعة، لا أكثر ولا أقل.

تحدث عن النعم، لا عن الأعباء، لكي لا تُسلَّع.


مشاهدات 48
الكاتب عمر ربيع
أضيف 2026/10/10 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 249 الشهر 16579 الكلي 16601748
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير