الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حكاية وطن إسمه العراق .. لم يمت لكنه لم يعش بعد

← بواسطة azzaman

حكاية وطن إسمه العراق .. لم يمت لكنه لم يعش بعد

محمد الجوراني

 

كان هناك وطن .. ليس وطناً عادياً كالذي تقرأ عنه في الكتب ، بل وطناً كان يمشي على الأرض بكامل أناقته ، وطن كانت له هيبة .. عندما كان العراقي يسافر في الستينات و السبعينات ، كان الموظف في مطار لندن يقف له إحتراماً ، لأن جوازه كان يعني طبيباً أو مهندساً أو شاعراً أو طالباً متفوقاً .. كان العراقي يعني شيئاً ..!!

أبي رحمه الله كان يحدثني ويقول : "يا بني ، كنا نترك باب البيت مفتوحاً وننام .

كان الجار يربي إبن جاره..كان المعلم إذا مر في السوق وقف له الجميع ..؟؟

كانت المدرسة تصنع رجلاً و المصنع يصنع حياة ، و الجيش يحمي حدوداً لا يحكم شعبا".

ذلك هو العراق الأول .. العراق الذي يسكن ذاكرتنا جميعا .. عراق أمي التي كانت تخبز و توزع نصف الخبز على الجيران قبل أن نأكل .. عراق أغنية "يا طيور الطايرة" التي كانت تخرج من كل راديو .

عراق الجامعة المستنصرية و جامعة بغداد التي كانت تقارع جامعات أوروبا .. ذلك العراق لم يمت ، لكنه غاب ، غاب في زحمة الحروب و الحصار و المقابر الجماعية و الإحتلال و الطائفية و الفساد ..؟؟

 غاب وتركنا نبحث عنه في وجوه بعضنا .. ثم جاء العراق الثاني و هلّ علينا في ولادة عشيرة ، عراق جديد ولد بعد 2003 .

 ولد مشوهاً متعباً  مثقلاً بالوعود .. قالوا لنا سيأتيكم وطن جديد ، وطن من حرية و ديمقراطية و رواتب و خير وفير ..!!

لكن شيئاً فشيئاً  إكتشفنا أننا لم نبنِ دولة ، بل بنينا شركات ، كل حزب حول وزارته إلى شركة خاصة .. و كل سياسي حول منصبه إلى مشروع إستثماري ..!!

أصبحت الدولة مقسمة مثل كعكة عيد ميلاد .. هذه القطعة لك و تلك لي ، و الشعب هو من ينفخ الشموع ..!!

سياسياً  لم نعد نسأل ماذا قدم الوزير..؟؟ أصبحنا نسأل من أي حزب هو..؟؟ لم نعد نسأل هل هذا المدير نزيه..؟؟ بل نسأل هل هو من جماعتنا..؟؟

و تحول الوطن من فكرة تجمعنا..إلى غنيمة نتقاتل عليها ..!!

أنا لا أتحدث عن طائفة أو قومية .. كلنا فعلنا نفس الشيء ، كلنا شاركنا في تقطيع الوطن بإسم حماية المكون ، حتى لم يبقَ من المكون شيء ولا من الوطن شيء ..!!

وهنا بدأت أكبر مأساة إجتماعية في تاريخنا المعاصر وهي إنقسام الروح العراقية إلى نصفين .

النصف الأول بقي في الداخل .. شاب أسمه علي ، خريج هندسة  معدله 92 ، يجلس في مقهى ببغداد أو البصرة أو الموصل منذ ثلاث سنوات بلا عمل .

 يرى إبن المسؤول الذي رسب في الإعدادية يركب سيارة آخر موديل و يصبح مديراً عاماً .

علي لا يكره وطنه .. بل يكره من سرق وطنه منه..علي يعيش في وطنه كأنه ضيف ثقيل ، يريد أن يبني بيتاً أن يتزوج ، و أن يكون له طفل يحمل إسمه ، لكن الوطن يقول له : أنتظر .. أنتظر حتى ننتهي من تقاسم المناصب ..؟؟

و النصف الثاني هاجر .. إسمه أحمد أو مصطفى أو شارة ، تعيش الآن في مالمو أو برلين أو ديترويت .

لديها جنسية أوروبية و لديها راتب محترم ، و أطفالها يذهبون إلى مدارس نظيفة ، و الكهرباء لا تنقطع عندها أبدا ..!!

لكنها في كل ليلة  عندما تضع رأسها على الوسادة ، تسمع صوت أمها في العراق عبر الهاتف تقول : "يمه الكهرباء طافية و الدنيا حارة".. فتبكي ، تبكي لأنها تعيش في جنة باردة ، و قلبها يحترق في جحيم بعيد .

العراقي في الخارج ليس خائناً كما يصوره البعض .. هو عراقي ناجح أثبت أن المشكلة ليست فيه ، بل في النظام الذي طرده ..؟؟

هو الدليل الحي أن العراقي إذا وجد قانوناً يحترمه و فرصة عادلة ، يصبح عالماً و طبيباً و رجل أعمال .

 

لماذا ينجح العراقي في كل مكان إلا في العراق..؟؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يخجل منه كل سياسي ..!!

 

إقتصاداً حكايتنا تصلح أن تكون نكتة يضحك عليها العالم و يبكي عليها العراقيون ..!!

نحن البلد الوحيد في العالم الذي يزداد فقره كلما إزدادت ثروته ، و كلما أرتفع سعر النفط  إزداد فقرنا .. كيف..؟؟

لأننا حولنا النفط من نعمة إلى مخدر .. نبيع النفط و نأخذ ثمنه ، و نوزعه رواتب ثم ننام  لا مصنع ، لا مزرعة ولا صناعة ..؟؟

في العراق اليوم إذا أردت أن تفتح مصنعاً لإنتاج الأحذية ، ستواجه مئة عقبة : إجازة رشوة كهرباء  ضريبة منافسة ، بضاعة مستوردة أرخص لأنها مدعومة من دول أخرى تريد قتل صناعتك .. لكن إذا أردت أن تفتح مولاً لبيع الأحذية المستوردة ، فكل الأبواب مفتوحة لك ..!!

لقد قتلنا الفلاح و المزارع و الصانع بيدنا .. كنا نملك 30 مليون نخلة ، و اليوم نستورد التمر من الخليج .. كنا نملك أجود أنواع القطن ، و اليوم نستورد الملابس من الصين ..؟؟

كنا نملك أهواراً تنتج أفضل الأسماك  و اليوم نستورد السمك المجمد من فيتنام ..!!

أي إقتصاد هذا.؟؟ إنه إقتصاد تسول بثياب الأغنياء .

أعرف أن هذا المقال موجع .. و أعرف أن الكثيرين سيقولون  لماذا كل هذا السواد..؟؟

سأقول لكم لماذا .. لأنني ما زلت أؤمن أن هذا الوطن لم يمت ..

الوطن الذي أنجب السياب و الجواهري و نازك الملائكة و زهىٰ حديد لا يموت ..!!

الوطن الذي فيه أم ما زالت تربي أولادها على الصدق رغم كل الفساد لا يموت ،

الوطن الذي فيه شاب يرفض الرشوة رغم أنه محتاج لا يموت ..؟؟

 

الوطن الذي فيه مغترب يرسل كل شهر نصف راتبه لأهله في العراق لا يموت .. العراق ليس الحكومة ، الحكومة مرحلة عابرة .. العراق ليس البرلمان .. و البرلمان دورة و تنتهي ..؟؟

العراق هو ذلك الحنين الذي يجمعنا .. هو تلك الغصة التي نشعر بها عندما نسمع النشيد الوطني في مباراة كرة قدم ، هو تلك الدمعة التي تنزل من عين رجل في الستين من عمره ، يعيش في أستراليا منذ ثلاثين سنة عندما يشم رائحة خبز التنور العراقي ..!!

هذا الوطن يحتاج منا أن نتصالح معه .. يحتاج أن يقول العراقي في الداخل للعراقي في الخارج : أنت منا و نحن منك  لا تتركنا ، و يحتاج أن يقول العراقي في الخارج للعراقي في الداخل : نحن معكم ، سنعود بعقولنا و أموالنا و خبرتنا عندما تجدون وطناً يحترمنا ..!!

العراق لا يحتاج إلى معجزة من السماء .. العراق يحتاج إلى لحظة صدق على الأرض .. لحظة نقول فيها جميعاً : كفى تقاسماً..كفى سرقة  و كفى ولاءات .. هذا الوطن لكل أبنائه ، من زاخو إلى الفاو ، و من بغداد إلى برلين ..!!

ولدنا عراقيين  و سنموت عراقيين ، و بين الميلاد و الموت  هناك وطن يستحق أن نحيا له بكرامة ..؟؟


مشاهدات 58
الكاتب محمد الجوراني
أضيف 2026/10/10 - 2:40 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 3:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 330 الشهر 16660 الكلي 16601829
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير