الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يشيخ الحلم قبل أن يولد

← بواسطة azzaman

حين يشيخ الحلم قبل أن يولد

مصعب البياتي

 

أن السنوات ليست بأرقام تمر على صفحات التقويم بل هي أعمار تُستنزف وأحلام تتآكل بصمت ، وطاقات تنتظر نافذة تفضي إلى الحياة ، وبين ذاك يقف مواليد الأعوام « 1988 إلى 1992 « في العراق على تخوم الانتظار الطويل ، لا لأنها افتقرت إلى الكفاءة ولا لأنها اختارت البطالة طريقا بل لأن الظروف المتراكمة والأزمات المتعاقبة جعلت الزمن يسبقها ، فيما بقيت فرص الاستقرار الوظيفي تتراجع عاما بعد آخر ، فالمسألة هنا لا تتعلق بالتعيين بوصفه راتبا شهريا بمعناه الفعلي بل بما يمثله من كرامة اجتماعية وشعور بالاستقرار وإحساس بأن الإنسان شريك في بناء وطنه لا متفرجا على تحولات الحياة من بعيد ، فحين يتأخر الإنصاف لا يخسر الفرد وحده بل تخسر الدولة أيضا خبرات تراكمت ، وشبابا بلغوا مرحلة النضج وأصبح كثير منهم يحمل مسؤوليات أسرية لا تحتمل المزيد من التأجيل

إن الدول دائما ماتقاس بقدرتها على ترميم الفجوات التي صنعتها الظروف بين الأجيال ، لا بترميم الجسور وتعبيد الطرقات ، لذلك فإن معالجة قضية المتضررين من تأخر التعيين للأعوام « 1988 إلى 1992 « لا ينبغي أن تكون استجابة ظرفية أو موسمية بل مشروعا وطنيا قائما على العدالة والواقعية ،

حيث تبدأ الحلول من الأمور الصغيرة قبل الكبيرة ، فليس من الحكمة انتظار معالجات شاملة دفعة واحدة بينما يمكن البدء بخطوات تدريجية ملموسة ، منها : تخصيص نسبة سنوية ثابتة من الدرجات الوظيفية لهذه الفئة ، بما يضمن معالجة تراكمية عادلة بعيدا عن الحلول المؤقتة ، كما يمكن اعتماد نظام الأولوية بحسب العمر وسنوات الانتظار، لأن العدالة لا تعني المساواة المجردة بين من تخرج بالأمس ومن أمضى سنوات طويلة في الانتظار بل تعني إعطاء كل ذي حق حقه وفق ظروفه ومعاناته ، بالاضافة الى إطلاق برامج تشغيل خاصة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص ، بحيث تتحمل الدولة جزءا من الرواتب في السنوات الأولى ، مما يفتح أبواب العمل دون إثقال الموازنة العامة  وقد نجحت دول عديدة في مثل هذه السياسات ، إذ استطاعت « ألمانيا « بعد إعادة توحيدها أن تستوعب أعدادا كبيرة من العاطلين عبر برامج التدريب والتشغيل التدريجي ، فيما اعتمدت « كوريا الجنوبية « سياسة دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتقليل الضغط على الوظيفة الحكومية ، وفي « العراق « يمكن أن تكون المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية فرصة حقيقية لهذه الشريحة ، مع منح قروض ميسرة وتسهيلات ضريبية ، فليس الإنصاف بوظيفة حكومية بين سجلات الوزارة ، وإنما الإنصاف الحقيقي هو توفير حياة كريمة وفرص مستقرة ، كما أن من الضروري إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للمتضررين من هذه الأعوام ، لأن الإدارة الرشيدة تبدأ بمعرفة الواقع كما هو لا كما يُتصور ،  فالرقم الواضح والخطة الواضحة نصف الحل ، أما الغموض فإنه يضاعف المشكلة ويحولها إلى مادة للجدل أكثر من كونها قضية قابلة للمعالجة

ولعل الأهم من كل ذلك هو النظر إلى هذه الفئة بوصفها جزءا من رأس المال البشري للعراق ، لا باعتبارها عبئا إضافيا ، فالأوطان التي تهمش أبناءها تخسر مرتين ، مرة حين تترك الطاقات معطلة ومرة حين تسمح للإحباط أن يتحول إلى شعور دائم بالخذلان ، فالعراق الذي تجاوز الحروب والأزمات قادر على تجاوز أزمة الانتظار أيضا إذا ما توفرت الإرادة والرؤية ، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القرارات الكبيرة وحدها بل من الالتفات إلى الإنسان الذي تأخر عن دوره في الحياة ، ومن الإيمان بأن العدالة ليست هبة تمنح بل حق يجب أن يصل إلى أصحابه ، فربما لا يكون السؤال الحقيقي : كم سنة تأخر التعيين؟ بل السؤال الأعمق هو : كيف يمكن لوطن يريد النهوض أن يترك جيلا كاملا معلقا بين الأمل والتأجيل؟ ، فعندما ستجد هذه الشريحة مكانها المستحق في دورة الحياة والعمل ، لن يكون ذلك انتصارا لها وحدها بل انتصارا لفكرة الدولة التي لا تنسى أبناءها ، وللوطن الذي يدرك أن أعظم استثماراته ليست في النفط بل في الإنسان ...

 

 


مشاهدات 47
الكاتب مصعب البياتي
أضيف 2026/10/10 - 1:46 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 249 الشهر 16579 الكلي 16601748
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير