الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مراقبة وتسجيل المحادثات الهاتفية .. دراسة تحليلية

← بواسطة azzaman

إصدارات قانونية حديثة

مراقبة وتسجيل المحادثات الهاتفية .. دراسة تحليلية

عصمت عبد المجيد بكر

 

أولا - مراقبة وتسجيل المحادثات التلفونية (دراسة تحليلية مقارنة في التشريع والقضاء الجنائي)

الأصل أن للحياة الخاصة للإنسان حرمة، وينبغي أن تكون في مأمن من التدخلات، لذلك حرّمت القوانين انتهاك هذه الحرمة، خاصة أن التقدم العلمي أفرز أنواعًا من الأجهزة ووسائل الاتصال التي تتيح للشخص أن يتدخل في حياة الناس الشخصية، إضافة إلى استغلال هذه الأجهزة والوسائل من أشخاص ذوي الميول الإجرامية والنيات السيئة للوصول إلى مآربهم غير المشروعة، ومن ثم أصبح لزامًا على المشرع معالجة النتائج الخطيرة المترتبة على الاستخدام غير المشروع لتلك الوسائل.

وحسنًا فعل الدكتور عماد يوسف خورشيد في تكريس جهده العلمي لدراسة هذا الموضوع تحت عنوان (مراقبة وتسجيل المحادثات التلفونية / دراسة تحليلية مقارنة في التشريع والقضاء الجنائي، دراسة مقارنة لقوانين الشرعية والمشروعية، بعض الدول العربية والأجنبية)، وذلك في كتاب صدر عن دار الأهرام للإصدارات القانونية/مصر/المنصورة/ عام 2025، ويقع في (132) صفحة.

مكالمات تلفونية

وبعد تعريف بالمشروعية الإجرائية الجنائية، وأهمية التمييز بين الشرعية والمشروعية، بحث المؤلف في أهمية المكالمات التلفونية في الوقت الحاضر، وقد تتضمن هذه المكالمات جوانب من الأسرار الشخصية والعائلية، وتشكل مراقبة هذه المكالمات خطورة على الحياة الخاصة للأفراد، وقد عُرفت هذه المكالمات أو المحادثات بأنها (إجراء من إجراءات التحقيق يباشر خلسة يتضمن التنصت على حديث بين شخصين أو أكثر يتم عبر إحدى وسائل الاتصال السلكية أو اللاسلكية وتسجيله على أجهزة التسجيل الصوتي من أجل الحصول على دليل قولي يفيد في كشف الحقيقة في شأن جريمة وقعت بالفعل).

وقد أكدت الاتفاقيات الدولية ودساتير معظم دول العالم على صون حرمة الحياة الخاصة، من خلال وضع ضمانات لمواجهة تعسف السلطة العامة وإساءة استخدامها لما لديها من إمكانيات في اختراق حواجز الحياة الخاصة. فالشرعية التي يقوم عليها نظام الدولة تتطلب حماية الحقوق والحريات في مواجهة الدولة، وتطرق البحث إلى موقف المحادثات التلفونية في التشريعين الأمريكي والإنجليزي، وأن قانون التنصت على المكالمات التلفونية في أمريكا بل مر بمخاض عسير، وعُرضت قضايا عدة على القضاء الأمريكي، وفي عام 1934 صدر قانون حظر التنصت على المكالمات، وصدرت عدة تعديلات على هذا القانون، وأخيرًا استقر القضاء على أن الدليل الناتج عن التنصت غير المشروع غير مقبول كدليل إدانة. وفي إنجلترا حدث تغيير في التشريع الإنجليزي تحت ضغط المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي ألزم المملكة المتحدة ودول المجلس الأوروبي بوضع قواعد قانونية ثابتة في التشريع الداخلي للدول تكون متاحة للأفراد والاطلاع عليها لتعريف الأفراد ما يقيد حرياتهم وصولًا إلى محاكمة عادلة.

وقد أطر التشريع الإيطالي الموضوع محل الدراسة، وفق شروط ثابتة في القانون، وفسرتها المحكمة الدستورية، من خلال منع استخدام الدليل المتحصل بالمخالفة للحقوق الفردية المصانة، وأرست محكمة النقض الإيطالية مبادئها في عدم جواز اختراق سور الخصوصية، إلا بموجب القانون ولضرورات قدرها المشرع لمكافحة الجريمة، وبهذا الوضع فإن التشريع الإيطالي يتوافق مع توجه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وساير المشرع الإسباني مبادئ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تضمن عدم خرق سياج الخصوصية، والتنصت غير المشروع، إلا وفق ضرورات يقدرها المشرع مسبقًا لمنع تعسف السلطة بحق الأفراد.

وقام المشرع الهولندي بتأطير الموضوع وفق المشروعية الإجرائية التي تضمن الحقوق والحريات الأساسية للأفراد دون إعطاء المجال لرجال السلطة العامة في التعسف من خلال ذكر السبب الحقيقي للتعسف، واختراق سياج الخصوصية دون الشروط القانونية التي قدرها المشرع. ولم يستبعد المشرع التركي الدليل المتحصل بطريق غير مشروع إلا في حالة الاعتراف القسري، وكان ذلك مقصورًا على الجانب النظري غالبًا، ولكن تأثر القانون بشكل كبير بالمبادئ التي أقرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في سوابقها القضائية، والإدانات التي تعرضت لها، إذ كيف وضعها وفق ضمانات حماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والمتوافقة مع مواد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والتي ظهرت كل ذلك في قانون الإجراءات الجنائية الحديثة ومبادئها القانونية التي أقرتها محكمة التمييز التركية. ونظم المشرع البلجيكي وضعه القانوني بشأن حماية الحقوق الأساسية للأفراد، ومنها حق الخصوصية وعدم جواز اختراقها إلا وفق المشروعية الإجرائية الجنائية، وإضافة إلى ذلك فإن المعايير التي وضعها الدستور والمشرع الإجرائي تتفق مع المبادئ التي وضعتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ووضع المشرع السويسري ضمانات حق الخصوصية وعدم خرقها إلا وفق إجراءات مشروعة، وإلا تعرض الإجراء للاستبعاد لتلوثه بعدم المشروعية، وهذه الضمانات متفقة مع المبادئ التي أقرتها المحكمة الأوروبية في حماية حقوق وحريات الأفراد بشكل عام وحق الخصوصية بشكل خاص. ومر القانون الفرنسي بمراحل عديدة في هذا المجال، بحيث باتت مراقبة المحادثات التلفونية ذات نطاق مشروع، ولن يلجأ الفقه والقضاء الجنائي إلى البحث في نصوص قانون الإجراءات الجنائية أو في قانون آخر، سندًا لمشروعية إجراء التنصت، وقضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بمطابقة القانون الفرنسي الحديث لمتطلبات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وفي مصر استقرت التطبيقات القضائية على ضرورة الحصول على إذن من السلطة القضائية، وعدم جواز امتداد الإذن إلى أشخاص آخرين، وشكلية تنفيذ المراقبة موكلة إلى من صدر الإذن منه، ومشروعية مراقبة وتسجيل المحادثات، وأن يتضمن تقرير الخبير الصوتي كامل التفاصيل، وحجية تسجيل المحادثات ومراقبتها، وحق المجني عليه في تسجيل المحادثات التلفونية الماس بشخصه، وتجريم خرق البريد الإلكتروني بموجب قانون مكافحة تقنية المعلومات.

وفيما يتعلق بالوضع في القانون العراقي، فيمكن ذكر القواعد الآتية: قاعدة تجريم انتهاك حرمة المكالمات والرسائل من رجال السلطة العامة أو من قبل آحاد الناس، وقاعدة تجريم فعل إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية.

وينتهي هذا الكتاب باقتراح إصدار تشريع يكون واضحًا بما فيه الكفاية في شروط لإعطاء المواطنين مؤشرًا مناسبًا للظروف، مع تمكين السلطات من اللجوء إلى الإجراء لاستقاء الدليل، وفق مبدأ المشروعية الإجرائية في القانون الجنائي، وذلك بسبب خطورة إساءة الاستخدام المتأصل في نظام المراقبة السرية، وخاصة في ظروف تزايد التعقيد في التكنولوجيا، وإعطاء الصياغة القانونية وضوحًا تامًا، مع فسح المجال للتفسير القضائي، وخاصة فيما يتعلق بالنصوص المشكوك فيها مع تجنب إساءة استخدام السلطة، مع تحديد الجرائم على سبيل الحصر والتحديد والتي تتطلب الإذن للمراقبة بشأنها، واشتراط الحصول على إذن القاضي مع التسبيب، وتحديد مدة المراقبة وتأمين التسجيلات الناتجة من التنصت، وضرورة إبلاغ الأشخاص الذين شملتهم المراقبة بعد انتهاء التنصت. واعتمد المؤلف في إعداد هذا الكتاب على مجموعة من المصادر باللغتين العربية والإنجليزية.

ثانيًا - مهام أعضاء الضبط القضائي في ضوء مبدأ المشروعية الإجرائية الجنائية. دراسة مقارنة.

تتجه التشريعات والقضاء والفقه الجنائي في الدول العربية والأجنبية نحو جعل (مبدأ المشروعية الإجرائية) نبراسًا للمحاكمات، لما يحمله في مكنونه من حصانة للحقوق والحريات التي التزمت بها الإنسانية جمعاء، والتي يلاحظ تجليها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ودساتير الدول الديمقراطية، والقوانين الجنائية ومبادئ الإثبات الجنائي، وأن كل ما تقدم يلزم الشخص القائم بالإجراء بأن يجعل الإجراء موسومًا بالمشروعية الإجرائية في كافة مراحل إجراءات الدعوى الجزائية.

وفي حال عدم مراعاة ما تقدم، فإن الإجراء قد يخرج عن الثوابت أعلاه، بمعنى الشطط عن الموازين التي كان المفترض أن يضعها القائم بالإجراء والمحكمة نصب أعينهم: أنه لا يضير العدالة تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها إدانة بريء. وتعد العدالة قيمة قانونية عليا تتجلى في مجمل الإجراءات التي يتخذها المكلفون بإنفاذ القانون في مكافحة الجريمة، وذلك حماية لحقوق جميع من تشملهم إجراءات الدعوى الجزائية.

فالعدالة ترافق كل مرحلة من مراحل الدعوى، بدءًا من التبليغ والاستقدام وأمر القبض وسماع الشهود، مرورًا بإجراءات انتداب الخبراء وقبول تقاريرهم واعتراف المتهم ووزن الأدلة من قبل المحكمة، وانتهاء بإصدار الحكم وتنفيذه. ثم إن حماية قيمة العدالة تمثل صونًا لمبدأ قرينة البراءة التي جبل عليها الإنسان، وهو المبدأ الذي تؤكده الاتفاقيات الدولية ودساتير الدول الديمقراطية والضــــــمير الإنساني. فالخطأ في معاقبة البريء أشد مساسًا بالعدالة من الخطأ في تبرئة المذنب، وهو ما يجد أساسه في قول سيدنا محمد، نبي الرحمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «... فإن الإمام إذا أخطأ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».

وتتجلى قيمة العدالة في الواقع من خلال جملة من الضمانات، من أبرزها: إحاطة المتهم بالتهمة الموجهة إليه، وتمكينه من العلم بالأدلة المقدمة ضده، ومنحه الحق في دحضها بأدلة أخرى، والاستعانة بمحامٍ، والالتزام بتطبيق مبادئ الإثبات الجنائي وفي مقدمتها قرينة البراءة واحترام مقتضياتها، واحترام حق المتهم في الصمت، وتفسير الشك لمصلحته، وكفالة حقه في محاكمة علنية منصفة، وحقه في استجواب الشهود..

قيمة عليا

فالعدالة تعد ميدانًا لحماية الحقوق والحريات، وهي قيمة عليا في المجتمع، ومن ثم لا يضيرها أن يبرأ مذنب لعدم الحصول على الدليل بطريق مشروع، أو لقيام الشك في الأدلة المقدمة أمام القضاء. غير أن العدالة تتأذى عندما تتخذ إجراءات باسم القانون، وهي في حقيقتها مخالفة للقيم الإنسانية، بما يؤدي إلى اتهام وإدانة شخص بريء.

ويؤكد التوجه الحديث على أهمية العدالة الإجرائية الجنائية بقدر أهمية العدالة الموضوعية الجنائية، ويظهر ذلك من خلال استبعاد الدليل المتحصل عليه بطريق غير مشروع، باعتبار أن القانون يقوم بحماية القيم ويتجلى ذلك في الأشخاص الذين يطبقون القانون، وبالتالي لا يتم قبول الدليل الناتج عنهم إذا كان مخالفًا للقانون والقيم والأخلاق الفاضلة. ويكون تطبيق ذلك من خلال إفساح المجال أمام السادة المحامين لتقديم دفوعهم والطعن في الإجراءات التي يثبت مخالفتها للقانون والقيم الإنسانية، فضلًا عن ذلك، ضرورة تحــــرك المحكمة من تلقاء نفسها للحكم بعدم قبول الإجراء المتحصل عليه بطريق غير مشروع.

فالإحساس بانتهاك العدالة يؤذي ضمير المجتمع الإنساني، ويتجلى بوضوح في تجربة الفرد الذي خضع لمحاكمة غير عادلة. ويقوض هذا الأمر ثقة الجمهور في نزاهة القضاء الجنائي ويهز صورته، وقد يدفع الأفراد المتنازعين إلى استيفاء حقوقهم بأنفسهم متجاوزين سلطة القضاء، مما يفضي إلى حالة من الفوضى المجتمعية؛ فالإساءة إلى العدالة تمثل مساسًا بكرامة الإنسان. ولدرء هذه التداعيات السلبية، يتعين حماية حق المتهم في الطعن بالأحكام أمام المحاكم المختصة، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية بكفاءة عالية. فالعدالة الجنائية تتأثر سلبًا متى تم الحصول على الأدلة بإجراءات تنتهك كرامة الإنسان أو حريته الشخصية أو حقه في الخصوصية.

فضلًا عن ذلك، فإن تعارض إجراءات الحصول على الأدلة مع القيم الاجتماعية الراسخة في المجتمع، أو تجاهل قواعد الإثبات الجنائي في مختلف مراحل الدعوى والمحاكمة، يعد إخلالًا جسيمًا بقيمة العدالة، الأمر الذي يقتضي حمايتها من قبل السلطة القضائية بوصفها الحصن الأساس لحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

وحسنًا فعل الأستاذ الدكتور عماد يوسف خورشيد بتأليف هذا الكتاب القيم، وتسليط الأضواء على مبدأ المشروعية الإجرائية الجنائية، ونثني على الجهود الصادقة المبذولة في إعداده. وانتهى الكتاب بمجموعة من المقترحات الجادة لتدعيم المشروعية الإجرائية الجنائية، واعتمد المؤلف في إعداد هذا الكتاب على مجموعة من المصادر القيمة باللغتين العربية والإنجليزية، وصدر عن دار هاتريك للطباعة والنشر في أربيل.

□ رئيس مجلس شورى الدولة العراق / سابقًا.

 

 


مشاهدات 45
الكاتب عصمت عبد المجيد بكر
أضيف 2026/10/10 - 1:42 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 249 الشهر 16579 الكلي 16601748
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير