الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصيدة (رؤى بغداد) لحميد سعيد.. الإيحاءات الجمالية المرتبطة بالأماكن


قصيدة (رؤى بغداد) لحميد سعيد.. الإيحاءات الجمالية المرتبطة بالأماكن

عصام شرتح

 

الشعرية فن الاستثارة والجمال، وقيمة الشعرية تكمن في فنونها الجمالية، وفي لذتها في خلق الاستثارة، والبلاغة، والتأُثير؛ ولهذا يمكن القول: “إن النص -أي نص شعري مثير- ليس منغلقاً على نفسه، أو منعزلاً عن محيطه؛ بمعنى أنه ليس بعيداً عما يتاخمه، أو ما يقع في حيزه؛ والنصوص الغائبة لا تسجل حضورها إلا إذا كانت مشاركة وفاعلة خارج حدودها النصية الأولى، وتكون جزءاً من إنتاج جديد يؤديه النص الإبداعي الحاضر؛ وهذا يعني أنه ليس هناك حواجز بين النصوص؛ فجديدها يلتحم بقديمها ، أو يدخل معه في حوار مستمر؛ بل إن جديدها قد يدخل في حوار مع نصوص معاصرة بنوع من المثاقفة”(1). والواقع إن نشوة الشعرية لا تتحقق إلا من خلال تفعيل الأساليب الشعرية في تعزيز الرؤيا الشعرية، وإثارة إيقاعها الجمالي؛ والشاعر المبدع هو الذي يشكل نصه الشعري بأساليب جديدة، ورؤى فنية مبتكرة تجعل القارئ يتفاعل مع النص من خلال بناه التشكيلية، وعلائقه الفنية المثيرة. والمثير أن نشوة الأماكن الشعرية تظهر من خلال الإيحاءات الجمالية الشعورية المرتبطة بالأماكن، ولهذا، فإن شعرية الأماكن أو تجليات الشعرية في تشكيل الأماكن تظهر من خلال تفاعل المكان الشعري في الصورة أو المشهد الشعري، وبراعة الشاعر في تحويل المكان الفيزيائي إلى مكان شعري، فاعل في تحويل ماهو مادي إلى ماهو شاعري يفيض بالرؤى والدلالات والمعاني الجديدة، وهنا تظهر حنكة الشاعر ومهارته الأسلوبية في تشكيل الأماكن المتحولة أو الأماكن المثيرة التي ترتقي بالرؤية الشعرية وفضاء الشاعرية في الصور المكانية وتجلياتها الجمالية في النص الشعري.

ايقاع مؤثر

وقد يتساءل سائل هل ثمة نشوة للأماكن باستحضارها شعرياً في القصيدة؟ ومتى تحقق هذه الأماكن إيقاعها المؤثر في فضاء القصيدة وتحولاتها الشعرية؟ أي متى تكون الأماكن شعرية؟ ومتى تكون الأماكن غير شعرية؟ وماهي نقطة تحول الأماكن المفصلية من أماكن لا شعرية إلى أماكن شعرية؟لا شك في أن قيمة الأماكن، أو النشوة الجمالية للأماكن الشعرية تتحقق من خلال ارتباط الأماكن بالذاكرة الشعرية لدى الشاعر، ومدى ارتباط هذه الأماكن بالأحداث، والتجارب التي عاشها الشاعر في مرحلة من المراحل، أو فترة من الفترات، وكلما ارتبطت الأماكن بالذاكرة الشعرية لدى الشاعر حققت القصائد جمالها وإيقاعها الفني المثير في توظيف الأماكن بإيحاء شعري؛ فالأماكن لا ترتبط بالذاكرة الشعرية فحسب؛ وإنما ترتبط بالرؤيا الشعرية وتحولاتها ضمن القصيدة، أي من خلال ارتباط المكان في تحولات المعاني والرؤى الشعرية التي تثيرها القصيدة.

ومن يطلع على قصائد حميد سعيد في تحولاتها الجمالية وبناها النصية يدرك أن جوهر الشعرية الذي ترتكز عليه قصائده بوصفها [فضاءً رؤيوياً] يكمن  في  ذاكرتها الزمكانية لما تضمه من أحداث، وتجارب، ورؤى، وذكريات تركت مذاقها الجمالي في ذاكرته الشعرية؛ وهذا يعني أن الأماكن الشعرية في بناها النصية هي من مثيراتها التحفيزية التي تحقق المتعة، واللذة التشكيلية، وإنتاج الدلالات والمعاني الجديدة؛ فالمكان -إذا - نبض شعري حي في ثنايا القصيدة، وتحولاتها الدلالية عند حميد سعيد لا سيما الأماكن الشعبية والتراثية التي جمعت الذاكرة الماضية /بالذاكرة الحاضرة؛ ليعيش القارئ متعة تفاعل الأزمنة والتحام الرؤى للمقارنة والمكاشفة بين الزمنين الماضي والحاضر لدى الشاعر، وأثر الزمن وجراحاته وإفرازاته على عالمه ومشاعره وتطلعاته الوجودية.

أي إن تفاعل الأماكن شعرياً أو فضاء شعرياً في قصائد حميد سعيد يظهر من خلال التحام الأماكن بالمشاهد والذكريات التي تركت أثرها في مخيلة الشاعر، وجعلته يوظف المكان كبنية دلائلية مرجعية تجعل القارئ يعيش الإحساس المكاني وكأن الأماكن الشعرية هي خلجات نفسية ومشاعر ذاتية تنبع من تجربة المتلقي كما هي نابعة من تجربة الشاعر، وهذا ما يميز المكان الشعري عن المكان اللا شعري، فالمكان الشعري هو المتحول المكاني النفسي أو الشعوري  الذي يبث إحساس الشاعر ومشاعره وارتباطه بالمكان، من حيث فاعلية المكان وذاكرته  وإحساسه المرتبط به. ولهذا فإن خصوبة المكان الشعرية تظهر من خلال فاعلية ارتباط المكان بشخصية الشاعر وتجربته الوجدانية التي يعيشها أو عاشها في الزمن الماضي. ولو بحثنا – في مثيرات الشعرية وتحولاتها على مستوى البنى الشعرية المتحركة ودلالاتها ورؤاها الشعرية  لخلصنا إلى البنى الشعرية المتحركة التي تثيرها وفق ما يلي:

1 -شعرية التبئير الزمكاني:

هو مفهوم نقدي حديث يدمج بين المكان، والزمان، أي زاوية الرؤيةالتبئير الزمكاني

لفهم كيفية تشكيل الرواية، أو النص القصصي للعالم الذي تدور فيه الأحداث (الرؤية أو المنظور السردي بشكل مبسط، هذا المفهوم لا يدرس المكان، والزمان كخلفيات جامدة، بل يدرس كيف يرى السارد، أو الشخصية هذا المكان والزمان، وكيف يتفاعلان معاً لإنتاج المعنى”(2).

وبهذا التصور يعد (التبئير الزمكاني) محوراً مهماً في كشف البنى الدالة التي تربط  الأحداث والتجارب التي عاشها الشاعر في مرحلة من المراحل، وقيمة هذا الأحداث تكمن في ذاكرتها الشعرية الحية، وكيفية توظيفها شعرياً في نبض القصيدة الداخلي.

ويعد التبئر الزمكاني نقطة تمغصل المسميات المكانية لما لها من أثر بالغ في تحفيز الشعرية وإثارة إيقاعها الداخلي؛ ولهذا اعتمدت قصيدة( رؤى بغداد) على ما يسمى ب (التبئير الزمكاني)  في كشف مشاعر الاغتراب والحنين إلى بغداد، وتاريخها العريق، وأنس الشوارع، والأماكن التي تنبض بذكراها وتجلياتها الجمالية، كما في قوله:

“توقظه بغداد صباحاً..

يفتَحُ عينيهِ..

يَراها..

فَيُقَبِّلُ جبهتَها..

ويَشُمُّ عَرارَ جدائِلِها وقُرُنفُلَ ضحكتِها..

وأريجَ صِباها

يسمَعُ وَقعَ خُطاها”(3).

احساس شمولي

لا بد من الإشارة بداية إلى أن (التبئير الزمكاني) -في قصائد حميد سعيد- هو تبئير رؤيوي، وإحساس شمولي اغترابي للأماكن في صيرورتها الزمنية المتغيرة؛ وهذا يعني أن القيمة الجمالية التبئيرية للأماكن الشعرية،  تتعلق بما تثيره من دلالات ومعانٍ ورؤى ودلالات فنية ترتبط بالرؤى الدالة وفواعلها النصية المتحركة.

وهاهنا، يبئر الشاعر رؤيته الزمكانية لبغداد، فيراها الأنيس الروحي لذكرياته المشرقة التي تركت إيقاعها الجمالي المتخيل في ذاكرته الشعرية، وهنا، تندمج بغداد الحبيبة بالأنثى، والذكرى، والأحلام، والجمال في آن معاً:[  ويَشُمُّ عَرارَ جدائِلِها وقُرُنفُلَ ضحكتِها../وأريجَ صِباها/يسمَعُ وَقعَ خُطاها]؛ وهذا الاستشفاف الجمالي في ترسيم الصورة المثيرة يرفع درجة الحساسية والجمال في رسم معالم بغداد؛ لتكون الحبيبة والأنثى التي تتزين بكل مثيرات الجمال.

واللافت أن ( التبئير الزمكاني) يجعل الرؤية الاغترابية تبرز في سياقات الوصف، وترسيم المشاعر الصاخبة بإيقاعاتها وتجلياتها النصية، كما في قوله:

“في الروح.. من البابِ الشرقيِّ إلى الميدانْ

يا ما كانْ

رافقها من بستان الخسِّ إلى بستان الخاتونْ

ومن خِضرِ الياسِ إلى حَنّونْ

ما زالتْ تَفتَحُ بابَ الأحلامِ.. على الأحلامِ..

فَيغْمُرُها عِطرُ العودِ ورائحةُ الهيلْ

وحكاياتٌ..

يرويها عبودُ الكرخيُّ نهاراً

وتُغنِّيها ليلاً..

بمضيف أبو عبيد صديقةْ المُلايةْ

يتخيَّلُها امرأةً تجمعُ بين بداوةِ طلَّتِها..

وطراوة فتنتِها..

تَسْتَوقِفُها دجلةُ بينَ الضِفَتينْ”(4).

إن القارئ -هنا- يلحظ ذكر الأماكن الواقعية لما تتركه هذه الأماكن من ذاكرة حية في نفوس العراقيين؛ وهذه الأماكن اقترنت بمسمياتها من أشخاص، وذكريات مشبعة برائحة البداوة، والهيل، والمرويات القديمة على لسان( عبود الكرخي)؛ وهذا الأسلوب الترسيمي الوصفي الدقيق يضع القارئ في لعبة الشعرية، ورسم المشاهد والذكريات التي تركت إيقاعها في مخيلة الشاعر في اغتراباته الشعورية، وعالمه الوجودي الاغترابي المحموم.:[يرويها عبودُ الكرخي نهاراً/ وتُغنِّيها ليلاً.. بمضيف أبو عبيد صديقةْ المُلايةْ]؛ وهذا الرسم الترسيمي للشخصيات الواقعية والأماكن يحفز الشعرية بما يحقق للذاكرة الشعرية المكانية قيمتها في البعد النفسي الشعوري الاغترابي الذي يعيشه الشاعر في واقعه المرئي.

واللافت أن التبئير الزمكاني _في قصائد حميد سعيد -يرتكز على بلاغة التوظيف الرؤيوي الشاعري للأماكن الشعرية، وتحويلها إلى بؤر دلالية اغترابية ترتبط بجراح الذات ونبض الذكرى الحية وصخب المشاعر المرتبطة بها، كما في قوله:

تتجلّى في المَوجِ المُتَكبِّرِ..

ساحِرَةً..

تَسْتَبدِلُ ما كان بما سيكونْ

من مُعجَمِها خرجَ ابنُ الجَهمِ عليٌ

وعلى نَقراتِ خطاها

وَقَّعَ زريابُ العودَ..

وأخرجَ من فِتَنِ الأوتار.. الألحانْ”(5).

هنا، يستحضر الشاعر الأسماء التاريخية ليبئر الرؤية الشعرية الزمكانية على تاريخ العراق المشرق وشخصياته التراثية التاريخية، كشخصية الزرياب العازف الشهير في التاريخ، وشخصية ابن الجهم، ليعكس من خلالها الثقافة العريقة للعراق في التاريخ العربي المشرق، بشتى الأساطير والرؤى والتراث الشعبي الحافل بالمتغيرات والإشارات العريقة، وبهذا الاقتضاء الجمالي التشكيلي التركيبي على مستوى الأنساق الشعرية  يحقق النص الشعري عند حميد سعيد تحولاته الجمالية ورؤاه الدقيقة في تحفيز الشعرية من خلال الانفتاح على الإشارات التاريخية من أحداث وشخصيات وأماكن وتراث شعبي معيش، وهذا الأسلوب البانورامي المتحرك يثير الشعرية، ويرقى برتم الدلالات ورؤاها الشعرية.

2-جمالية الوصف المكاني المشهدي الدقيق:

الشعرية في أوج تفتحها الجمالي إحساس شاعري ترسيمي للمكان بكل مقتضياته ومثيراته الفنية؛ والشاعر المبدع هو الذي يطور منظوراته الوجودية التي ينظر من خلالها للمكان بكل تجلياته ورؤاه الوجودية، لاسيما عندما يرتبط المكان بمثيراته النفسية والوجدانية والمشاعر الجمة المرتبطة به، فالأماكن الشعرية الحية تختلف عن الأماكن الجغرافية في فضاء بصري تشكيلي شاعري عميق، أي إن مهارة الشاعر الإبداعية في توظيف المكان الشعري يختلف عن توظيف المكان في السياق الروائي، كما في قوله:

في ليلِ حدائِقِها..

تَتَفَتَّحُ أزهارُ قصائدِ شاعرها المنسيِّ..

فتملأُ أمداءَ العتمةِ .. عطراً وغناءْ

تتلقاها أولُّ عابرة من دفء الليل..

إلى الحمّامِ البغداديِّ..

أكانتْ تَعرِفُ أنَّ مفاتِنها.. توقظ حتى رغبات الجدرانْ»(6).

إن القارئ هنا أمام شعرية المكان، بكل تجلياته ورؤاه الفنية، وهذا يعني أن المكان يشكل قيمة علائقية بؤرية تحفز المشاهد والصور الشعرية، وهاهنا اعتمد الشاعر ترسيم الأماكن بأوصافها وإحساسها الجمالي ليأتي المكان بؤرة بنيوية في الدلالة على ذكريات الماضي، وأنس الذات الشعرية ومصاحباتها الشعورية المفعمة بالنشوة والعشق إثر ذكر الأماكن وذكرياتها: [ تتلقاها أول عابرةٍ من دفء الليل إلى الحمام البغدادي..]، ثم جاء التساؤل المنفتح:[ أكانتْ تَعرِفُ أنَّ مفاتِنها.. توقظ حتى رغبات الجدرانْ]،ليثير الذكرى بشجنها الرومانسي ورغباتها المشعة شوقاً وحنيناً إلى ما كان.

وهكذا، ينقلنا الشاعر نقلة نوعية في توظيف المكان بإحساس شاعري يفيض بالشجن، والحرقة، والتوق إلى تلك الأماكن التي تركها في بغداد، وخلفت في ذاكرته الكثير من الرؤى والمشاعر الاغترابية التي تبث مظاهر الشوق والحنين إلى استذكار تلك اللحظات، والعيش في اجوائها ورؤاها. وهذا دليل أن القصيدة تشكل بمنعرجها الشعوري حقل ترسيمها الجمالي المشهدي، وكأن الصور الشعرية المكانية هي البؤر التحولية الدالة في القصيدة، لتسمو وترتقي فنياً.

 

3-توظيف الأحداث والشخصيات التاريخية :

لقد أفادت الشعرية من تطورات القصيدة المعاصرة في الانفتاح على التراث، والأحداث، والرؤى، والشخصيات التاريخية؛ لتؤدي دورها الفني الاستثاري في تحفيز اللغة الشعرية، وخلق المزاوجات النصية بين الأحداث الماضوية والحاضرة لترتقي الشعرية، وترتقي مثيراتها الفنية، وهذا يعني أن توظيف الشخصيات التاريخية هو من مظاهر تبئير الدلالات، وتفعيلها بالشخصيات التاريخية التي ترتبط بالذاكرة الشعرية ومثيراتها النصية.كما في قوله:

 

أهيَ جنانْ؟

تَصبُّ الماءَ على الماءِ

وينسدِلُ الليلُ على العاجِ..

تُغنّي بين أصابعها الحِنّاءْ

.  .  .  .  .  .

.  .  .  .  .  .

تقترِبُ القافِلَةُ البصريَّةُ من باب السلطانْ

يُفارِقُها الجاحظُ في الميدانْ

ويدخُلُ سوقَ الوراقين..

يُحاوِرُ في بيتِ الحكمَةِ..

كتّابَ الهندِ .. فلاسِفةَ اليونان.. مقولات الصينْ

يعاتِبهُ البُخلاءُ..

ويَقرأُ عنه الناسُ روايات التبيينْ»(7).

لابد من الإشارة بداية إلى أن توظيف الشخصيات التاريخية من مثيرات الشعرية وتحولاتها النسقية في قصائد حميد سعيد لا سيما عندما يتم توظيف الشخصيات التاريخية، في تعزيز المشهد الشعري، أو الرؤية الشعرية التقديسية المشوقة  لبغداد وتاريخها المشرق، لتكون بؤراً حساسة في تحريك الدلالات الاغترابية والمشاعر المصاحبة لها، وهاهنا يفعِّل الشاعر الرؤى الشعرية الاغترابية بالشخصيات التاريخية التي تبث متغيراتها الموروثية وثقافتها المهمة في تاريخ العراق المزدهر، إذ يستحضر شخصية الجاحظ وجنان ليجمع في تاريخ العراق بين الفلسفة والبلاغة  والتاريخ والدين والمعارف الوجودية المختلفة.

واللافت أن الشاعر قد يتكلم على لسان الشخصية التاريخية أو يمارس القول الشعري عنها أو يتحدث عن  اثرها ورؤاها وتطلعاتها، وقد يدمج أقوالها  بأقواله الراهنة المعيشة، وذلك لدفع المتلقي إلى التفاعل مع الشخصيتين أو القولين( قول الشاعر) وقول ( الشخصية التاريخية)، وبهذا التلاحم والتفاعل تتنامى الدلالات والرؤى الشعرية، كما في قوله:  

«»دعيني في هذي الليلةِ وحدي..

ابتعدي..

ما عدتُ أراكِ كما كنتِ..

يُساوِرني قلقي.. وأشكُّ برؤياي..

أأنتِ ..

لماذا ما عُدتِ تجيئينَ إليَّ بطلعتكِ العباسيَّةْ

ولماذا فرَّطتِ بما أوصاكِ به المنصورُ

أَنْ احتفِظي بالعطر الأندلسيِّ..  وقمصان الشام..

وطلعتكِ المَكيّةْ

.  .  .  .  .  .

.  .  .  .  .  .

فدعيني في هذا الملكوت.. أُروِّضُ أحزاني..»(8).

إن القارئ هنا يلحظ تلاحم رؤى الشاعر وأقواله مع الشخصية التراثية المستدعاة ليبث من خلالها مظاهر اغترابه واحزانه وتطلعاته الوجودية،وهذا الأسلوب في توليف الإشارات والأقوال يحقق للقصيدة الشعرية عند حميد سعيد القها الجمالي التحولي، وغناها بالموروث التاريخي والرؤيوي الذي يغذي رؤاها ودلالاتها النصية.  

 

4-تجليات المشاهد والصور الواقعية المتحركة:

تعد المشاهد والصور الواقعية المتحركة من مثيرات الشعرية في تحولاتها الجمالية من رؤية إلى رؤية أخرى، ومن منظور رؤيوي مشهدي مكثف إلى مشهد رؤيوي اكثر تحفيزاً وشاعرية، وهذا يعني أن الانتقال بين المشاهد من مثيرات الصور الشعرية المتحركة الصاخبة برؤاها وتطلعاتها النصية، لا سيما عندما يعبر الشاعر عن مشاعره الاغترابية المحمومة، وتطلعاته الوجودية، كما في قوله:

وأُعلِّمُها .. كيف يكون الحزنُ أخاً

والحنظلُ عسَلاً.. والسُمُ دواءْ

انتظريني.. سأعودُ إليكِ..

معي..طينُ المشخابِ وعَنبرهُ..

والبَرحيُ البصريُ وخوخ ديالى المسكيُّ

انتظريني..

سَيُرافِقُني شطُّ الحلَّةِ.. يغسِلُ فَرعّكِ والقدمينْ

يُطَيِّبُ ثغرَكِ بالسِعْدِ..»(9).

هنا، تتجلى الرؤى المشهدية والصور التذكرية لبغداد، والعشق المكاني المشهدي، والتلذذ بذكر الأماكن العراقية كنوع من الانتماء الروحي والنفسي لتلك الأماكن، ليعيش معها متعة اللحظة الشعرية والأنس الروحي، وهذا الاحتفاء دليل علائقي بالغ على تمسك الشاعر بالأماكن وحنينه لها، لاسترجاع تلكم اللحظات والذكريات الماضوية التي حفرت أثرها في مخيلته الشعرية.

 

في مجلس بِشْرِ الحافي..»

تبدو بغداد مزنَّرةً بفُراتيها..

ومُعَوذةً بالرحمن.. بياسينْ

بأناشيد الصوفيينْ

يَحرسُها النخلُ ويمشي بين يديها بستان التينْ

.  .  .  .  .  .

.  .  .  .  .  .

توقِظهُ بغداد صباحاً..

يفتح عينيه..

وحيداً ..”(10).

هنا، يتلذذ الشاعر بذكر الأماكن وينتشي بها، باعتماد التشخيص، وهو ما يسمى بالنقد المعاصر ( المكان الشعري المؤنسن) أو المتحرك، إذ يكسب الأماكن نشوة صوفية باسترجاعها والوله الجمالي بها، كما في قوله:[ في مجلس بِشْرِ الحافي../ تبدو بغداد مزنرة بفراتيها/ ومُعَوذةً بالرحمن.. بياسينْ/بأناشيد الصوفيينْ/يَحرسُها النخلُ ويمشي بين يديها بستان التينْ]، هنا يكتسي المكان هالة قدسية لما للأماكن من نشوة وتلذذ بذكرها وتسجيل رؤاه الجمالية عنها، وهذا دليل علائقي على أن الأماكن في سياق قصائده متحركة برؤاه والمشاعر المصاحبة لها، وكأن نشوة تكرارها أو ذكرها تمنح روحه الاغترابية الأنس والسكينة والأمان. ولهذا احتفت القصيدة بنشوة جمالية خاصة في ترسيم الأماكن واسترجاعها، وكأنها شخوص حية تشاركه أحلامه وآماله من جهة، وتكسر جهامة اغترابه وقلقه الوجودي من جهة ثانية.

وتأتي القفلة النصية لتبين اغترابه وحنينه وتلاشي أحلامه وضياعها وأفول لحظاته الجميلة التي تعكس انكساره وحنينه إلى ما كان وهروب تلك اللحظات الجميلة وتلاشيها لكن ما زال أثرها عالقاً في خلجات روحه العاشقة لبغداد وأماكنها

لا وطنٌ .. لا .. لا..

هربت من صفحات الكتمانِ قصيدتُهُ..

ومضت حافيةً تتعثَّر بالظلِّ..

يحاولُ أن يدخلَ في الظلِّ ليوقفها..

هرب الظلُّ..

وغلَّقَت الأبوابْ”(11)

هنا يبحث الشاعر عن أمانيه عن وطن ضاعت فيه معالمه، ولم يعد يملك منه إلا مساحة الذكرى وبقايا لحظات جميلة عالقة في الأذهان، وهنا جاءت عبارته الشعرية:[ هرب الظل.. / وغلقت الأبواب] لتعكس مظاهر الحنين والشوق إلى ما كان ولا يجد من أجنحة العودة إلا الانكفاء على الذات، والعزف على أنات كلماته الشعرية الاغترابية المحمومة  وشجنها الدافئ. 

وصفوة القول: إن قصيدة ( رؤى بغداد) تسجل حضورها الإبداعي من خلال نشوة الترسيم المكاني، وبلاغة ما تثيره في النفس من متعة تفعيل المكان الشاعري الذي يختزن الكثير من الدلالات والمعاني الشعرية التي ترتبط بالذاكرة العراقية لبغداد، وما تحفل به من عراقة وتاريخ وثقافة وإبداع لتجمع الحاضر والماضي في بوتقة واحدة تجعل القارئ يتفاعل مع مثيراتها ورموزها التشكيلية المتنوعة.

نتائج أخيرة:

1-إن البنى الدالة – في ترسيم الأماكن وتوصيفها المشهدي وتسجيلها اللحظات الماضوية من مثيرات الرؤيا الشعرية وتحولاتها في القصيدة، وهذا يجعل الصور والمشاهد الماضوية حاضرة في الذاكرة الشعرية بقوة الرؤى وبلاغة الدلالات الشعرية ومثيراتها التي تدل على اللهفة والحنين إلى التقاط تلكم اللحظات والعيش معها شعرياً ضمن القصيدة.

2- إن دراما المشاهد المتحركة أو المتحولة من استحضار الأماكن وتوصيفها بدقة إلى دراما الشخصيات التاريخية من موسيقيين وحكام وشخصيات أدبية وشعرية إلى دراما الرؤى الشعرية ومداليلها من مثيرات الشعرية وتحولاتها في القصيدة، وهذا يدلنا على أن الشعرية قيم متحولة في تحفيز الشعرية واستثارتها النصية.

3- إن توظيف الأحداث والشخصيات التاريخية من اللعبة الدرامية التي تثير الشعرية وتحولاتها في هذه القصيدة، مما يجعل البنى الدالة في القصيدة بنى تحولية تستثير الشعرية وتخلق إيقاعها الفني. من خلال تناغم الأحداث الشعرية مع ما تحمله الشخصيات التاريخية من رؤى ودلالات عميقة في الذاكرة الشعرية.

4-إن الحنكة الترسيمية في الانتقال بين الشخصيات والرموز والأحداث والمشاهد الشعرية من المتحولات الجمالية التي تثيرها القصيدة؛ وهذا يجعل إيقاعها الجمالي من مكوناتها ومنظوراتها الفنية.

5- إن شعرية الأماكن المرتبطة بالاغتراب تجعل الدلالات النصية الدرامية منفتحة بإيقاعها الاغترابي ودلالاتها النصية المفتوحة؛ وهذا ما جعل الدلالات النصية المغتربة ذات حساسية في الرؤية وبلاغة مرجعية نصية تثير الشعرية من جذورها.

 

الحواشي:

(1)عبود، عبد الكاظم جبر،2023-قراءة في شعر ستار الزهيري، مجلة دواة، مج9، ع36،س9،ص475.

(2) الذكاء الصناعي.

(3)سعيد، حميد،2023-نجمة بعد حين، دار دجلة، ط1، ص37.

(4)المصدر نفسه، ص38.

(5)المصدر نفسه، ص39-40.

(6)المصدر نفسه، ص41.

(7) المصدر نفسه، ص42.

(8)المصدر نفسه، ص43.

(9)المصدر نفسه، ص44.

(10)المصدر نفسه، ص45.

(11) المصدر نفسه، ص46.


مشاهدات 42
الكاتب عصام شرتح
أضيف 2026/10/10 - 12:16 AM
آخر تحديث 2026/10/10 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 16443 الكلي 16601612
الوقت الآن
السبت 2026/10/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير