الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أبواب الشك وحراس الرعب في قصيدة «فراشات الخريف»


أبواب الشك وحراس الرعب في قصيدة «فراشات الخريف»

أحمد اللعيبي

 

قصيدة "فراشات الخريف"للشاعر الحداثي سوران محمد تتأسس على بنية شعرية مركبة تتداخل فيها التجربة الوجودية مع البعد النفسي والسياسي، من خلال منظومة من الصور التي تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة: السفر، والنجمة، والفجر، والسراب، والشك، والعين، والريح، والهندباء، والطفولة، والعاصفة، والأطر، والأبواب، والأشباح، والسلاسل، والضباع. غير أن هذه العناصر لا تتجاور اعتباطًا، بل تنتظم في مسار دلالي واحد يقوم على سؤال جوهري: ماذا يحدث للإنسان حين لا تعود المشكلة في غياب الحقيقة، وإنما في فساد القدرة على رؤيتها؟

هذه هي في تقديري، الفكرة المركزية التي تمنح القصيدة خصوصيتها. فالنص لا يقول إن الفجر غائب، بل يقول شيئًا أكثر تعقيدًا: إن الفجر حاضر، غير أن العين التي تستقبله أصبحت مشوهة بفعل الشك. ومن هنا تتجاوز القصيدة ثنائية النور والظلام التقليدية إلى ثنائية أكثر عمقًا: الحقيقة والإدراك.

يحمل عنوان  فراشات الخريف  مفارقة جمالية ودلالية منذ البداية. فالقصيدة لا تتحدث عن فراشات بالمعنى الحرفي، وإنما عن زغب الهندباء الذي يتطاير في الهواء، والذي كان الطفل يسميه «فراشات الخريف». هذا الانتقال من التسمية الطفولية إلى الحقيقة النباتية لا يلغي الاسم الأول، بل يمنحه قيمة شعرية جديدة.

الطفل يرى الكائن الطائر بوصفه فراشة؛ أما الراشد فيعرف أنه زغب زهرة تحمله الريح. وبين الرؤيتين تقع المسافة التي تتحرك فيها القصيدة كلها: المسافة بين ما نرى وما هو موجود، وبين البراءة التي تمنح الأشياء أسماءها الخاصة، والمعرفة التي تكشف قسوة العالم.

ومن هنا يصبح العنوان أكثر من مجرد تسمية جميلة؛ إنه يلخص التحول المعرفي في النص. فـ«فراشات الخريف» هي الأشياء الهشة التي تبدو جميلة في لحظة الطفولة، ثم تكشف الحياة لاحقًا هشاشتها أمام القوى التي تتجاوزها.

يفتتح النص:

"على درب السفر،
لم تكن تدري..."

وهذا المطلع يضعنا مباشرة داخل حالة انتقال. لكن السفر هنا ليس انتقالًا مكانيًا فحسب. إنه انتقال من اليقين إلى الشك، ومن الطفولة إلى الوعي، ومن الرؤية البسيطة إلى الإدراك الملتبس.

النجمة التي «تبزغ في الليل» تؤدي وظيفة تقليدية للنجوم: الهداية. غير أنها هنا  نجمة كاذبة، وهذا التركيب يحمل مفارقة مركزية: ما يفترض أن يكون دليلًا يصبح مصدرًا للضلال.

واللافت أن اختيار «تبزغ» بدل «تطلع» يضيف بعدًا إيقاعيًا ودلاليًا. فالبزوغ يستدعي في الذاكرة اللغوية بزوغ الفجر والنور، الأمر الذي يجعل النجمة نفسها تنافس الفجر في وظيفته الرمزية. إنها لا تكذب لأنها غير موجودة، وإنما لأنها تظهر في صورة العلامة الصحيحة وهي تؤدي وظيفة خاطئة.

ثم يأتي:

"فتظن أن الفجر قد لاح،
بينما الليل ماضٍ في مسراه."

وهذه من الصور اللافتة في النص. فالليل هنا لا يُختزل في حالة سكون أو غياب، بل يتحرك ماضٍ في مسراه. بذلك يتحول الزمن إلى كائن يسير، بينما الإنسان هو الذي أخطأ في قراءة حركته. إن الخطأ ليس في الزمن، بل في تفسيره.

بعد النجمة الكاذبة تأتي صورة السراب:

" تلتفتُ حولك، ينهشُكَ الظمأ،
حتى أبرقَ بصرك،
وهناك، على مدِّ النظر،
لا ترى سوى سراب" .

العطش هنا ليس جسديًا فقط. إنه عطش إلى اليقين والمعنى والنجاة. أما «أبرق بصرك» فتشكل لحظة تكثيف للرؤية؛ كأن العين تبلغ أقصى قدرتها، لكنها لا تصل إلى الحقيقة. والمفارقة شديدة الأهمية: كلما ازداد البصر حدّة، ازداد انكشاف الوهم.

وهنا تصبح عبارة «على مد النظر» موفقة، لأنها تفتح الأفق بدل أن تحصره في «البصر». فالمشكلة ليست في قصر المسافة، بل في أن امتداد الرؤية نفسه لا يقود إلا إلى السراب.

ثم تأتي الجملة:

"وهكذا تغيّر عليك المكان
في لحظة غفوة"

وهذه الجملة تمثل انتقالًا من الخارج إلى الداخل. المكان لم يتغير بالضرورة؛ الذي تغير هو الإنسان في لحظة الغفلة. وبذلك تؤسس القصيدة لفكرتها الكبرى: قد يتغير العالم في أعيننا دون أن يتغير العالم نفسه.

ثم أعمق مقاطع القصيدة، في تقديري، يبدأ مع:

" تتسللُ ذرّةُ شكّ
إلى الجوف،
وتسري في أعماق الروح ".

اختيار «ذرة» شديد الذكاء؛ فالشك لا يأتي كعاصفة منذ البداية، وإنما كشيء صغير يكاد لا يُرى. لكنه يمتلك قدرة النمو،  ثم:

" كبرتْ،

 حتى تغدو ملكاً"

هنا تبلغ الصورة مستوى سياسيًا داخليًا بالغ القوة. فالشك لم يعد فكرة، ولا احتمالًا، ولا سؤالًا؛ أصبح مَلِكًا. أي أصبح صاحب سلطة على الوعي.

وهذه النقلة تجعل القصيدة تتجاوز التأمل النفسي البسيط. فالسلطة الخارجية يمكن أن تستبد بالإنسان، لكن النص يقترح أن أخطر أشكال السيطرة هو ذلك الذي يستولي على آلية الإدراك نفسها.

ومن هنا تأتي الصورة التالية:

"ثم تصبح العينين
منعكستين في الرأس"

العينان لا تُفقَدان؛ بل تنقلبان. وهذا أكثر رعبًا من العمى. فالعمى يعني غياب الرؤية، أما انقلاب العين فيعني وجود رؤية مشوهة. ثم تبلغ الصورة ذروتها:

"تريان نور الفجر
بوهج الشفق."

هذه العبارة هي، في رأيي، مفتاح القصيدة الفلسفي. الفجر لم يتحول إلى شفق؛ والعالم لم يتغير. الذي تغير هو العين. الشك لا يمحو الحقيقة، وإنما يجعل الحقيقة تُرى بلون آخر. وهذه فكرة تتصل مباشرة بآليات التضليل الأيديولوجي والنفسي: لا يحتاج النظام المسيطر دائمًا إلى اختراع عالم بديل؛ يكفيه أن يجعل الإنسان يعجز عن قراءة العالم القائم قراءة صحيحة.

 وهكذا تأتي الريح بعد انقلاب العين:

"ومع ذلك ما زلتَ ترى الريح
تهبُّ من الشرق و الغرب،
وتعبث بزغب الهندباء."

هذه العبارة ذات حمولة رمزية كبيرة، خصوصًا في ضوء المقابلة بين الشرق والغرب. فالقصيدة لا تمنح القارئ جهة واحدة بوصفها مصدر الشر، ولا تسقط في ثنائية سياسية مباشرة. الريح قد تأتي من هنا أو هناك، لكن أثرها على الكائن الهش واحد.

وهنا تكمن قوة الرمز: اختلاف الاتجاه لا يستلزم اختلاف النتيجة.

و«تلاعب» أفضل من «تعبث» في هذا الموضع؛ لأنها تستعيد براءة الطفولة، وتمنح المشهد في البداية مسحة من المرح. لكن هذه الملاعبة سرعان ما تنكشف بوصفها حركة تحمل في داخلها إمكانية التشتت.

يقول الشاعر:

"كنا نلهو معها في الطفولة،
ونسمّيها
فراشات الخريف..."

اختيار «نلهو» هنا بالغ الأهمية. «اللعب» أكثر مباشرة، أما «اللهو» فيحمل معنى زمن لم يكن الإنسان قد اكتشف فيه بعد ثقل العالم. ثم تأتي الجملة المفصلية:

"وحين كبرنا،
عرفنا
أي كارثة
هي الحياة..."

هذه ليست مجرد نظرة تشاؤمية إلى الحياة. إنها إعلان عن سقوط الوهم الطفولي. فالطفل يرى الطيران جمالًا، والراشد يرى فيه قوة عاصفة تحمل الكائن بعيدًا عن إرادته.

ومن هنا تتحول «فراشات الخريف» إلى رمز للإنسان الهش، وللأفراد والجماعات التي تتحرك داخل تيارات تاريخية وسياسية ونفسية لا تملك السيطرة عليها.

تصل القصيدة إلى ذروة سياسية دون أن تتحول إلى خطاب سياسي مباشر:

"ومع ذلك،
يهبُّون مع الريح

على فراشات الخريف،

ليزداد تشتتها،

حتى تتناثر

في مهاوي التيه."

وهذه من أكثر صور النص ذكاءً. فهؤلاء الحراس لا يصنعون الريح بالضرورة؛ إنهم ينفخون معها. أي أنهم يستغلون القوى القائمة، ويضيفون إليها فعلًا مقصودًا يزيد أثرها.

وهذا يفتح قراءة سياسية واسعة: قد يكون الظلم نظامًا قائمًا بذاته، وقد يكون أيضًا قدرة على استثمار الخوف والارتباك والتشتت الموجود أصلًا.

ومن اللافت أن القصيدة لا تسمي هؤلاء تسمية سياسية مباشرة. لا «بوليس»، ولا «سلطة»، ولا «نظام»؛ بل تتركهم في ضمير الغائب. وهذه استراتيجية شعرية موفقة لأنها تحافظ على تعدد التأويل.

ثم تدريجيا يتكثف في القسم الأخير معجم القيد:

" حطّم تلك الأطر

التي حبستِ الصورَ لسنواتٍ
من أن تتحرّر.

افتح تلك الأبواب
التي ضاعت مفاتيحها
في مستنقع الشك."

ثم:

" لقد وضعوا

سلسلة الوهم
طوقًا في عنق الحياة."

نلاحظ هنا انتقالًا من الصور الطبيعية إلى صور هندسية وسجنية: أطر، أبواب، مفاتيح، سلسلة، طوق. وهذا الانتقال ليس عرضيًا؛ إنه يوازي انتقال القصيدة من حالة الضلال إلى اكتشاف وجود قوة منظمة خلفه.

والصورة الأجمل في هذا القسم هي ضياع المفاتيح في «مستنقع الشك». فالمفتاح موجود من حيث المبدأ، لكن الوصول إليه أصبح متعذرًا بسبب بيئة ملوثة. مرة أخرى لا تُلغى إمكانية التحرر؛ بل تصبح الطريق إليها مغطاة بالشك.

يظهر في النهاية كائن حيواني أكثر قسوة:

" تسيرُ أمام أعينهم،
ضباعٌ ذاتُ أنيابٍ قانيةِ الحمرة "

الضبع هنا ليس مجرد رمز للوحشية؛ إنه كائن يرتبط بالافتراس والانتظار والانتهازية. ووجوده «أمام أعينهم» يعيدنا إلى موضوع الرؤية، وكأن الوحش أصبح جزءًا من المشهد الذي تطبعت العين على رؤيته.

أما:

"حرّاس الرعب"

فهي صورة تكثف وظيفة الخوف: إنه ليس شعورًا عابرًا، بل حارس على أبواب الوهم.

وهنا تكتمل دائرة القصيدة: في البداية كانت هناك نجمة كاذبة تهدي إلى الضلال؛ وفي النهاية هناك حرّاس يمنعون،

وفي الخاتمة تنتهي القصيدة بـ:

" يهبُّون مع الريح

على فراشات الخريف،

ليزداد تشتتها "

الخاتمة ناجحة لأنها تعيدنا إلى البداية دون تكرار لفظي مباشر. فالسفر الذي بدأ في «درب السفر» ينتهي بالتيه. النجمة التي كان يفترض أن تكون دليلًا قادت إلى السراب، والشك قلب العين، والريح بددت الفراشات، والسلطة استغلت الريح، فكان المصير النهائي هو التيه.

 غياهب التيه  أكثر فاعلية من «غياهب الوجود» لأنها محددة رمزيًا ومتصلة بالبنية كلها. فالتيه هنا ليس مجرد ضياع مكاني، بل فقدان القدرة على تحديد الاتجاه والمعنى.

ما يمنح القصيدة قيمتها الأساسية هو أنها لا تقدم فكرة واحدة في صورة واحدة، وإنما تبني شبكة من الاستعارات المتوالدة. النجمة تؤدي إلى الفجر، والفجر إلى الشفق، والشفق إلى العين، والعين إلى الشك، والشك إلى الريح، والريح إلى الهندباء، والهندباء إلى الطفولة، والطفولة إلى الخريف، والخريف إلى العاصفة، والعاصفة إلى التشتت، والتشتت إلى التيه.

هذه الشبكة تمنح القصيدة وحدة عضوية واضحة.

كما أن النص ينجح في الموازنة بين التجريد والتجسيد. فمفاهيم مجردة مثل الشك والخوف والوهم تتحول إلى أشياء ملموسة: ملك، عينان، مستنقع، أبواب، مفاتيح، سلسلة، طوق، ضباع. وهذه إحدى وسائل القصيدة في تحويل الفكر إلى صورة.

ومع ذلك، يمكن القول إن بعض الصور في القسم الأخير تقترب من التراكم، خصوصًا اجتماع الأشباح والحرّاس والسلسلة والطوق والضباع في مساحة قصيرة. لكن هذا التراكم يمكن الدفاع عنه فنيًا؛ لأنه يعكس تراكم أدوات القمع نفسها، كما أن التصعيد المتعمد يتناسب مع انتقال القصيدة من الشك الفردي إلى الرعب الجمعي.

في المحصلة "فراشات الخريف" قصيدة عن فساد البوصلة الداخلية قبل أن تكون قصيدة عن فساد العالم الخارجي. إنها تسأل، بطريقة غير مباشرة، ما إذا كان الإنسان يستطيع أن يتحرر من الخوف إذا كان الخوف قد أعاد تشكيل عينيه. وفي هذا تكمن قوتها الفكرية.

إن أهم ما تقوله القصيدة هو أن الحقيقة قد تبقى مضيئة، وأن الفجر قد يكون حاضرًا فعلًا، لكن المأساة تبدأ عندما تصبح العين نفسها مَلَكةً عليها الشكوك. عندئذ لا يحتاج الوهم إلى أن يهزم الحقيقة؛ يكفيه أن يغيّر الطريقة التي نراها بها.

ومن هنا تأتي صورة «نور الفجر بوهج الشفق» بوصفها ربما أكثر صور القصيدة كثافة: إنها تلخص مأساة الإنسان الذي لا يعيش في الظلام تمامًا، بل يعيش في نور مشوَّه؛ يرى الحقيقة، لكنه لا يستطيع التعرف إليها. وهذه، في النهاية، هي المأساة التي تجعل «فراشات الخريف» تتجاوز الحكاية الرمزية إلى سؤال إنساني وسياسي و وجودي أوسع: كيف يستعيد الإنسان عينيه بعد أن يصبح الشك مَلِكًا عليه؟


مشاهدات 30
الكاتب أحمد اللعيبي
أضيف 2026/09/23 - 1:44 AM
آخر تحديث 2026/09/23 - 2:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 197 الشهر 38618 الكلي 16571138
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير