رتبة دكتوراه بلا معركة... وانتصار للجهل
عباس التميمي
في مشهد أكاديمي عربي يئن تحت وطأة أزمة أخلاقية خانقة، باتت ظاهرة سرقة العقول والأفكار العلمية تشكل أخطر تهديد يطال مستقبل البحث العلمي والثقافة في وطننا، إنها ليست مجرد سرقة نصوص أو انتحال أفكار، بل هي سرقة للهوية العلمية، واغتصاب للجهود التي يبذلها طلاب وباحثون شرفاء، لتنسب بعد ذلك إلى طبقة من "الشياطين" الذين ولدوا في أحضان الغدر والعمالة، أولئك الذين يسرقون أقلام وعقول طلبتنا من أجل حفنة دنانير، لينتجوا لهم مشاريعهم العلمية التي لم يخطوا حرفاً واحداً فيها، إنها معركة وجودية بين العقول الأصيلة التي تنتج وتبدع، وبين العقول البالية التي لا تفقه شيئاً، لكنها وللأسف الشديد تتحكم بمصير الأولى وتنسب كل إبداع لها.
تُعرَّف السرقة العلمية بأنها عملية نقل أفكار أو نتائج بحث أو مصادر معرفية من مصدر إلى آخر دون إذن وتقدير للمصدر الأصلي، وهي جريمة أخلاقية قبل أن تكون جريمة قانونية، إذ تعكس انحطاطاً في القيم والأمانة العلمية التي يقوم عليها أي مجتمع معرفي، غير أن الأزمة اليوم تجاوزت الحدود الفردية لتصبح ظاهرة ممنهجة، حيث تحولت السرقة العلمية إلى "علامة مسجلة" في بعض الأوساط الأكاديمية العربية، ففي عالم البحث الأكاديمي التنافسي، يعمد الأساتذة المشرفون أحياناً إلى الاستيلاء على أعمال طلاب الدكتوراه أو الباحثين في بداية مشوارهم، وتشير إحصاءات عالمية إلى أن طالباً من كل خمسة طلاب دكتوراه واجه هذا الموقف بالفعل، بل إن دراسة استقصائية شملت أكثر من 11 ألفاً و500 طالب دكتوراه، أفاد 15% منهم بأنهم غير راضين عن الطريقة التي يضمن بها الأساتذة المشرفون حصول بحوثهم على التقدير الذي تستحقه.
تكشف الوقائع المؤلمة أن بعض الأساتذة لا يترددون في سرقة جهود طلابهم ونشرها بأسمائهم لتحقيق مكاسب شخصية، كالحصول على ترقيات أكاديمية، أو تحسين مكانتهم في المجتمع العلمي، أو حتى للحصول على جوائز ومكافآت مالية، وهذه الممارسات لا تقتصر على حالات فردية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى شبكات ممنهجة، تعمل على إنتاج وترويج أبحاث زائفة على نطاق واسع، مدفوعة بالمكاسب المادية من جهة، والضغوط الأكاديمية من الجهة الأخرى، وقد تجاوز الأمر حدود السرقة الفردية إلى ظهور ما يعرف بـ"مزارع الأوراق" - شركات تبيع أوراقاً علمية جاهزة للنشر للباحثين أو طلاب الدراسات العليا أو حتى أساتذة جامعيين يريدون تحقيق متطلبات الترقية الأكاديمية أو الشهرة، دون إجراء أبحاث حقيقية، هذه الأوراق البحثية عادة ما تكون معتمدة على اختلاق بيانات أو صور مخبرية مزوّرة أو مكررة، وهو ما يفاقم من أزمة الثقة في المخرجات العلمية العربية.
لم تعد هذه الظواهر شأناً داخلياً يقتصر على نقاشات النخب والأوساط الأكاديمية، بل تجاوزت الحدود وأصبحت مادة دسمة في الخارج، ففي عالم اليوم المترابط ، حيث تُقيَّم الشهادات والخبرات عبر منصات دولية، فإن كل فضيحة أكاديمية تسجل هي بمثابة طعنة في مصداقية آلاف الخريجين والباحثين الجادين، لقد تحولت الجامعة، التي يفترض أن تكون منارة للعلم والأخلاق ومشتلاً للكفاءات، في بعض أركانها إلى سوق سوداء تباع فيها الذمم وتشترى فيها الدرجات العلمية، والأخطر من ذلك أن الطالب الذي يحصل على هذه الدرجة المسروقة يخرج إلى المجتمع وهو فاقد للنظرة والعقل، ليكون حملة شهادات عليا (ماجستير ودكتوراه) لا يملكون من العلم سوى شهادة مزورة أو فكرة مسروقة، فيصبحون هم أنفسهم وبالاً على المجتمع حين يتولون مناصب قيادية أو تدريسية، فينقلون عدوى الجهل والفساد إلى الأجيال القادمة.
تعود أسباب انتشار هذا السرطان إلى عوامل متعددة، يأتي في مقدمتها غياب الرقابة الفاعلة، حيث تفتقر العديد من المؤسسات الأكاديمية العربية إلى آليات رقابية صارمة تكشف حالات السرقة العلمية وتعالجها، وحتى عندما تُكتشف حالات، نادراً ما تُتخذ عقوبات رادعة تصل إلى حد الفصل أو سحب الدرجة العلمية. ثانياً: ثقافة الترقية الأكاديمية التي ترتبط بعدد المنشورات دون النظر إلى جودتها أو أصالتها، مما يدفع البعض إلى السير في طريق السرقة والاحتيال. ثالثاً: غياب ثقافة النزاهة العلمية، إذ لم تُغرس قيم الأمانة العلمية بشكل كافٍ في الأوساط الأكاديمية، مما جعل بعض الباحثين والطلاب يجهلون حتى مفهوم السرقة العلمية وأشكالها المتعددة، من انتحال النصوص إلى سرقة الأفكار وحتى التزوير في النتائج. رابعاً: الضغوط المادية والمعنوية التي يعاني منها الباحثون الشباب وطلاب الدراسات العليا، والتي قد تدفع بعضهم إلى التنازل عن حقوقهم الفكرية خوفاً من تداعيات ذلك على حياتهم المهنية، أو لجوء البعض الآخر إلى شراء الأبحاث الجاهزة هروباً من عناء البحث الحقيقي .
ولمواجهة هذا المرض الخطير الذي يستشري في جسد البحث العلمي والثقافي، لا بد من مقاربة شاملة تتضمن عدة حلول جذرية. أولاً: تعزيز النزاهة الأكاديمية، عبر إرساء ثقافة الأمانة العلمية وتلقين أبجديات البحث العلمي السليم لدى جميع الطلبة والباحثين، بدءاً من المراحل الدراسية المبكرة، مع إدراج مقررات إلزامية حول أخلاقيات البحث العلمي وطرق التوثيق السليم. ثانياً: تشديد العقوبات، بتطبيق عقوبات رادعة بحق مرتكبي السرقة العلمية، تصل إلى حد الفصل من العمل وإلغاء الدرجات العلمية المسروقة والنشر الرسمي لأسماء المتورطين ليكونوا عبرة لغيرهم، كما حدث في بعض القضايا العالمية التي اهتزت لها الساحة الأكاديمية. ثالثاً: تفعيل آليات الكشف، باستخدام التقنيات الحديثة وأدوات كشف الانتحال العلمي مثل "Turnitin" وغيرها، مع ضرورة تطوير أنظمة عربية متخصصة لكشف السرقات العلمية تتكيف مع طبيعة البحث العربي وتستطيع التعرف على أنماط الاقتباس غير المشروع في اللغة العربية. رابعاً: إصلاح نظام الترقيات، بإعادة النظر في معايير الترقيات الأكاديمية بحيث تركز على الجودة والأصالة وليس الكم، مع تقييم دقيق للمساهمات الفعلية للباحثين في الأبحاث المنشورة، وإعطاء وزن أكبر للبحوث التطبيقية والمبتكرة بدلاً من الأبحاث الرقمية المجردة. خامساً: حماية حقوق الباحثين، بإنشاء آليات قانونية واضحة لحماية حقوق الباحثين الشباب وطلاب الدراسات العليا، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن حالات السرقة دون خوف من الانتقام أو التهديد، مع توفير مستشارين أكاديميين يدعمون الطلاب في حال تعرضهم للاستغلال. سادساً: تعزيز ثقافة المساءلة، عبر نشر ثقافة المساءلة والمحاسبة في المؤسسات الأكاديمية، مع تشجيع الفضح الإيجابي للسرقات العلمية، كما تفعل وسائل الإعلام والمنصات المستقلة التي تكشف هذه الممارسات وتسلط الضوء على الجناة ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه العبث بمستقبل الأمة.
إن أزمة السرقة العلمية ليست مجرد انتهاك أخلاقي، بل هي تهديد وجودي لمستقبل البحث العلمي والتنمية في وطننا. فعندما تسرق العقول وتنهب الأفكار، يُفقد المجتمع قدرته على الابتكار والإبداع، وتُهدر طاقات الشباب الذين يمثلون مستقبل الأمة، وإن استئصال هذا السرطان يتطلب إرادة جماعية من جميع الأطراف: المؤسسات الأكاديمية، الهيئات الرقابية، الإعلام، والمجتمع المدني، ولا بد من العودة إلى القيم الأصيلة التي تقوم عليها الرسالة العلمية: الأمانة، النزاهة، والصدق. فالعلم لا يُبنى على أكاذيب، ولا تنهض الأمم بسرقة عقول أبنائها، ولا يمكن لأمة أن تتقدم وهي تفتخر بشهادات مزورة وعقول مستباحة، حان الوقت لنقول بصوت عالٍ: لا للسرقة العلمية، لا للفساد الأكاديمي، نعم للعلم النزيه، نعم للمعرفة الأصيلة التي تبني الأوطان وتصنع المستقبل، وإلا فسوف نظل نغرق في بحر من التزييف والانتحال، يقودنا حتماً إلى التخلف والانحدار، وتحصد جامعاتنا كل يوم المزيد من العقول الشابة التي تئن تحت وطأة ظلم أكاديمي لا يرحم، بينما يتسيد السارقون المنابر ويتحكمون بالمصائر بأدمغة فارغة وشهادات مسروقة