الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحيل مخرج معركة شيلي باتريسيو كوزمان: بلد بلا سينما وثائقية كعائلة بلا ألبوم صور

بواسطة azzaman

رحيل مخرج معركة شيلي باتريسيو كوزمانبلد بلا سينما وثائقية كعائلة بلا ألبوم صور

سمير حنا خمورو

 

جعل باتريسيو كوزمان من شيلي جوهر سينماه، فمزج بين السياسة والتاريخ والجغرافيا وعلم الفلك، وتأمل في التفاعل بين الماضي والحاضر. أرتبطت أفلامه ارتباطًا وثيقًا بشيلي؛ بالناس والبيئة، وبالمناظر الصحراوية واتساع الفضاء. سينما حالمة، كونية، وفلسفية، واجهت أبطالها باستمرار بصورتهم الذاتية، وشكّلت مع مرور الوقت مجموعة أعمال رفضت طمس الذاكرة الثورية لبلاده.

توفي كوزمان مخرج الأفلام الوثائقية، مخرج الفيلم الضخم «معركة تشيلي»، في 15 أيلول/ سبتمبر/الثلاثاء  في باريس، عن عمر يناهز 85 عامًا. لقد كان المخرج الشيلي بمثابة أهم أرشيفي لتاريخ بلاده، ولا سيما فترة حكم أليندي والانقلاب العسكري عام 1973. وقد أرست هذه التحفة الفنية أسس مسيرته السينمائية، ولا تزال تُعتبر من أعظم الأفلام الوثائقية السياسية في التاريخ.

برز أسم المخرج وكاتب السيناريو والمونتير  والمنظر السينمائي باتريسيو كوزمان لأول مرة عام 1975 مع فيلم «معركة تشيلي»، وهو ثلاثية من خمس ساعات تتناول حكومة الوحدة الشعبية برئاسة الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي، الذي حكم سانتياغو من عام 1970 إلى عام 1973. أليندي، المنتخب ديمقراطياً، الذي ألهم اليسار الغربي بأكمله وأصبح رمزاً للأمل في اميركا الجنوبية . إلا أن فترة حكمه انتهت بإراقة الدماء مع الانقلاب الذي نفذه الجنرال أوغستو بينوشيه، بدعم من الولايات المتحدة، في 11 أيلول / سبتمبر 1973.

تكمن عظمة أعمال باتريسيو كوزمان في الطبيعة الدائمة لسؤالٍ مُلحّ: ماذا نفعل بذاكرتنا؟ بالنسبة له، الذاكرة ليست ثابتة أبدًا. حتى في فيلمه الأخير، استمر في رصد تشيلي في الحاضر. وكأن الذاكرة لم تكن بالنسبة له وسيلة للهروب من الحاضر، بل وسيلة لتحليل ومعرفة رؤيته بوضوح أكبر. لقد تطورت سينماه عبر الزمن، لكن هذا السؤال لم يفارقه أبدًا.

وُلد باتريسيو كوزمان في 11 آب/ أغسطس 1941 في سانتياغو، وبعد ان اخرج عدد من الافلام القصيرة ومنها فيلم «عاشت الحرية عام 1965، سافر الى مدريد للدراسة في المدرسة الرسمية للفنون السينمائية عام 1966 وحتى  1969، بعد عودته اخرج ثلاثة افلام وثائقية طويلة «شيلي، الانتخابات البلدية عام 1971، «رد فعل أكتوبر» عام1972، «السنة الأولى» عام 1973 ولكن بعد انقلاب بينوشيه، اعتُقل وتعرض لإعدامات صورية، واستطاع مغادر شيلي عام 1973 إلى المنفى في كوبا، ثم إسبانيا، واستقر في فرنسا. ولحسن الحظ تمكن المخرج ومدير التصوير وكاتب السيناريو الفرنسي كريس ماركر ، الذي اكتشف فيلم «السنة الأولى»، الذي كان كوزمان قد أخرجه للتوّ عن الأشهر الأولى من حكم أليندي. من أخذ الفيلم معه، وساعد في نشره، ووزّعه في أوروبا. بعد بضعة أشهر، جمع ماركر التمويل وأرسل إليه الفيلم الذي مكّن كوزمان العودة الى تصوير مشاهد إضافية لما حدث في بلده والتي ستُشكّل فيما بعد فيلم «معركة شيلي» ، والعنوان الأصلي للـفيلم «معركة شيلي: نضال شعب أعزل». الذي كتب له السيناريو المخرج مع خوسيه بارتولومي، بيدرو تشاسكيل، فيديريكو إلتون، خوليو كارسيا إسبينوزا. يُعدّ هذا الفيلم علامة فارقة في سينما السبعينيات النضالية، ويُصنّف بحق ضمن أعظم عشرة أفلام سياسية في تاريخ السينما.

ظروف خطرة

ينقسم الفيلم الوثائقي، الذي يستمر لمدة خمس ساعات وتم تصويره في ظروف بالغة الخطورة، بمساهمة من كريس ماركر ومعهد الفيلم الكوبي، الذي عمل على منتجة هذا الفيلم الملحمي إلى ثلاثة أجزاء: «معركة شيلي: انتفاضة البرجوازية»  عام (1975)، «معركة شيلي: الانقلاب» عام (1977)، «معركة شيلي: القوة الشعبية» عام (1979). يُعد هذا الفيلم الوثائقي علامة فارقة في سينما المناضلة في  سبعينيات القرن العشرين، إذ يتتبع تاريخ شيلي في عهد الرئيس أليندي، قبل أيام قليلة من انقلاب 11 أيلول 1973، غصّت شوارع سانتياغو بحشود غفيرة. سار ثمانمائة ألف شخص، يغنون ويطلقون أبواق سياراتهم، عازمين على دعم حكومة قدمت الكثير للطبقة العاملة. وتتردد أصداء الطاقة والبهجة الملموسة لتلك الساعات الحاسمة، مُوثّقاً حملة التخريب المتواصلة التي شنّها اليمين التشيلي ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية لسنوات، والتي بلغت ذروتها في أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر. ولكن الأهم من ذلك، أنه يكشف عن الجانب الآخر المثير للاهتمام لهذه القصة: كيف أن كل محاولة لزعزعة الاستقرار، من الفوضى الاقتصادية إلى العنف الإرهابي، وكل مخطط خبيث دُبّر عن بُعد ضد حكومة الوحدة الشعبية، وجدت ردود فعل متزايدة الحزم والسرعة بين صفوف الشعب الداعم لأليندي. تلك التوترات التي كانت تعصف بالبلاد، والتي بلغت ذروتها في الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال بينوشيه. ساهم في انتاج الفيلم فنزويلا، فرنسا، وكوبا.

كرّس باتريسيو كوزمان جزءًا كبيرًا من مسيرته السينمائية لدراسة تاريخ بلاده الحديث. وكان شديد التعلق بتاريخ بلده الأصلي، فقد قام بإخراج العديد من الأفلام الوثائقية عن الاضطرابات الكبرى التي شهدتها شيلي في نهاية القرن العشرين: «باسم الله» عام 1985 عن نضال الكنيسة الكاثوليكية من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان في شيلي، و»شيلي: الذاكرة العنيدة» عام (1997) عن الذاكرة التاريخية لبلاده، يعود كوزمان، إلى مسقط رأسه بعد 25 عاماً من المنفى، يعود إلى الناس والأماكن والذكريات والصمت الذي خلفته سبعة عشر عامًا من الديكتاتورية. يتساءل كيف يستمر التاريخ في الوجود في الحاضر، حتى عندما يرغب البعض في إبعاده أو نسيانه. مدة الفيلم 52 دقيقة . و»قضية بينوشيه» Le Cas Pinochet عام  (2001) عن اعتقال الديكتاتور الشيلي الشهير، في يوم الثلاثاء الموافق 22 أيلول/ سبتمبر 1998، سافر الجنرال أوغستو بينوشيه إلى لندن في رحلة خاصة. هناك، استراح لبضعة أيام وتناول الشاي مع ماركريت تاتشر. كان ينوي السفر إلى باريس، لكن ألمًا مفاجئًا في ظهره أجبره على الخضوع لعملية جراحية في إحدى عيادات لندن. وعند استيقاظه، ولدهشة الجميع، وجد نفسه رهن الاعتقال. مدة الفيلم ساعة و 54 دقيقة أو «سلفادور أليندي» عام (2004) بعد خمس سنوات من الصمت، عاد إلى شيلي بفيلم وثائقي غير مألوف بعنوان «الحنين إلى النور» مدته ساعة و30 عام 2010 . يستكشف الفيلم الكون في قلب صحراء أتاكاما، في شيلي، على ارتفاع ثلاثة آلاف متر، يتجمع علماء الفلك من شتى أنحاء العالم في صحراء أتاكاما لمراقبة النجوم. صفاء السماء يسمح لهم برؤية أطراف الكون. كما أنها مكانٌ تحفظ فيه التربة القاحلة رفات بشرية سليمة: رفات مومياوات ومستكشفين وعمال مناجم، بالإضافة إلى عظام سجناء سياسيين من عهد الديكتاتورية. وبينما يمسح علماء الفلك أبعد المجرات بحثًا عن حياة خارج كوكب الأرض، عند سفح المراصد، تنقب النساء بين الحجارة بحثًا عن أقاربهن المفقودين... وصرح عندما تم اختيار فيلمه «الحنين إلى النور» في مهرجان كان السينمائي «إن الدول التي تدفن جرائمها الماضية تتخلف عن الركب».

وهذا الربط بين الفضاء والإبادة الجماعية، هو الموضوع الرئيسي لفيلمه «زر اللؤلؤ» عام 2015، هذه المرة في منطقة باتاغونيا الرطبة. قصةٌ عن الماء والكون وعنّ الناس. تبدأ القصة باكتشاف زرّين غامضين في قاع المحيط الهادئ، قرب الساحل الشيلي، وسط مناظر طبيعية خلابة من البراكين والجبال والأنهار الجليدية. من خلال قصتهما، نسمع أصوات السكان الأصليين لباتاغونيا، والملاحين الإنجليز الأوائل، والسجناء السياسيين. يقول البعض إن للماء ذاكرة، وهذا الفيلم يُظهر أن له صوتًا أيضًا. وقد فاز الفيلم الوثائقي بجائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي الدولي. مدته ساعة و 22 دقيقة.

في عام 2019، أخرج فيلمًا وثائقيًا مؤثرًا بعنوان «سلسلة جبال الأحلام». ، يمزج بين المناظر الطبيعية والتأملات السياسية وذكريات الطفولة. في شيلي، عندما تشرق الشمس، عليها أن تتسلق التلال والمنحدرات والقمم قبل أن تصل إلى آخر صخرة في جبال الأنديز. «في بلدي، تمتد سلسلة الجبال في كل مكان، لكنها بالنسبة للتشيليين أرض مجهولة. بعد رحلتي شمالًا لتصوير فيلم «الحنين إلى النور» وجنوبًا لتصوير فيلم «زر اللؤلؤ»، أردتُ تصوير هذه السلسلة الجبلية الشاسعة عن قرب لأكشف أسرارها، وأكشف النقاب عن حقائق مؤثرة من ماضي تشيلي وتاريخها الحديث. « حاز على جائزة العين الذهبية في مهرجان كان السينمائي لأفضل فيلم وثائقي، مدته ساعة و 25 دقيقة.

سيظل كوزمان وفياً لتاريخ بلاده الحافل بالأحداث والتقلبات حتى النهاية، حيث قدم في عام 2022 عمله الأخير، الفيلم الوثائقي «بلدي الخيالي» ، الذي عُرض في جلسة خاصة في مهرجان كان السينمائي، والذي يعيد النظر في الأحداث التي وقعت في أكتوبر 2019 في شيلي. صرح باتريسيو كوزمان «أكتوبر 2019، ثورة غير متوقعة، انفجار اجتماعي. تظاهر مليون ونصف المليون شخص في شوارع سانتياغو مطالبين بمزيد من الديمقراطية، وحياة كريمة، وتعليم أفضل، ونظام رعاية صحية أفضل، ودستور جديد. لقد استعادت شيلي ذاكرتها. الحدث الذي كنت أنتظره منذ نضالي الطلابي عام 1973 قد تحقق أخيرًا.» مدته ساعة و 23 دقيقة.

كان كوزمان من بين أبرز الأسماء في صناعة الأفلام الوثائقية. وقد كتبت عنه العديد من الصحف والمواقع الشيلية؛ على موقع «القرن إل سيغلو» ، الموقع الإخباري للحزب الشيوعي التشيلي، يقدم الصحفي إيراسمو لوبيز أفيلا إشادة مؤثرة لباتريسيو كوزمان، الذي يصفه بأنه «استثنائي» وقبل كل شيء، «صاحب رؤية»...»شكرًا لك يا كوزمان! لقد أثبت لنا أن شيلي أخرى ممكنة تمامًا، مدفوعة بالوعي الطبقي للمهمشين وبروح الواجب المدني التي تحليت بها.» كما كتب الصحفي ليوناردو بويتراغو في صحيفة «المواطن» ، وهي وسيلة إعلامية تشيلية يسارية أخرى «كرس حياته المهنية بأكملها في صناعة الأفلام من أجل «تسجيل التاريخ السياسي لشيلي، والتساؤل عنه، وإعادة بنائه».

في أعمال كوزمان، الذاكرة ليست جامدة أبدًا، بل هي كيان حيّ، يتلاعب بمقاييس المكان والزمان. وهذا ما يلامس بعمق في أعماله هذا اليقين بأن الفيلم الوثائقي لا يقتصر على سرد ما مضى - مع أنه قادر على ذلك - بل يجب أن يُمعن النظر باستمرار في الآثار المتبقية في الحاضر. يقول: «إنه نوع سينمائي رائع، امتداد لأصوات الناس».


مشاهدات 49
الكاتب سمير حنا خمورو
أضيف 2026/09/20 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 34946 الكلي 16567466
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير