الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق وتحدّيات ما بعد 30 أيلول

بواسطة azzaman

العراق وتحدّيات ما بعد 30 أيلول

رائد العزاوي

 

يشهد الشرق الأوسط تحولاً أعمق من الحرب. السلاح ما زال يغيّر الخرائط، لكنه لم يعد يصنع المكانة. دخل ميزان القوة عناصر جديدة: الممرات والطاقة، امتصاص الصدمات، شبكات المصالح، استقلال القرار، ومرونة التحالفات. من يملكها يبقى، ومن يفتقدها يبقى رهينة الأحداث.

من هرمز إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى شرق المتوسط، لم تعد الحسابات واحدة. لكل دولة مصالحها وأدواتها. لكن الاتجاه العام لا لبس فيه: القوى الإقليمية لم تعد تقبل أن تكون مجرد متلقٍ لنتائج الحرب. تريد المشاركة في كتابة ما بعدها. المعادلة المقبلة لن تُحسم بالترسانة الأكبر، بل بتحويل النفوذ إلى قواعد. من يكتفي بأوراق القوة يخرج من الطاولة. ومن يصوغ النظام يحدد شكل المنطقة لسنوات. هنا الفارق بين من يتأثر بالنظام الجديد ومن يبنيه.

موقف استثنائي

في قلب هذه الخارطة يقف العراق موقفاً استثنائياً. هو ليس على هامش الجغرافيا، بل عند تقاطعها. يطل على الخليج، ويقترب من هرمز، ويربط البرّ بين إيران وتركيا وسوريا والجزيرة العربية، ويملك طاقة وماء وطرق عبور يمكن أن تحوّله من ساحة صراع إلى عقدة مصالح. لكن موقعه هذا ظل لعقود أقرب إلى الاختبار منه إلى الاستثمار. القوة فيه توزعت بين الدولة والفصائل والقواعد الأجنبية والحسابات الإقليمية. لذلك فإن ما يجري فيه اليوم ليس شأناً داخلياً فقط، بل مقياساً لقدرة الدولة على الانتقال من موقع المتأثر إلى موقع المشارك في صياغة القواعد.

يوم 30 أيلول/سبتمبر 2026 يختصر هذا الاختبار في موعدين متلازمين. الأول هو إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واستكمال خروج قواته بعد وجود بدأ عام 2003، ثم عاد بصيغة مكافحة «داعش» منذ 2014. بغداد وواشنطن ثبّتتا التاريخ موعداً نهائياً، والانسحاب جارٍ من المواقع المتبقية في الشمال، بما فيها منظومات الدفاع الجوي، تمهيداً لمرحلة تعاون أمني ثنائي لا وجود عسكرياً ميدانياً فيها. الثاني هو ملف حصر السلاح بيد الدولة، بعد أن ربطت الحكومة بين زوال المبرر الخارجي وضرورة أن لا يبقى سلاح خارج المؤسسات الرسمية.

قوات اجنبية

المعنى السياسي للانسحاب أكبر من عدد الجنود. خروج القوات الأجنبية يزيل حجة طالما استُخدمت لتبرير بقاء تشكيلات مسلحة مستقلة القرار. وهو في الوقت نفسه يضع على الدولة وحدها مسؤولية السماء والحدود ومكافحة الإرهاب وحماية المنشآت. أي أن السيادة الشكلية تتحول إلى استحقاق عملي: من يدير الأمن؟ ومن يقرر استخدام القوة؟ ومن يمنع تحويل الأرض العراقية إلى منصة لتصفية حسابات إقليمية؟ إذا نجحت بغداد في ملء الفراغ بأجهزة رسمية واحدة القرار، ارتفع هامش استقلالها. وإذا بقي السلاح موزعاً، بقي العراق حلقة في شبكات الآخرين لا صاحب شبكة خاصة.

حصر السلاح ليس إجراءً إدارياً، بل إعادة تعريف للدولة. الدولة التي لا تحتكر السلاح الشرعي لا تملك كامل هامش القرار، مهما امتلكت النفط أو الموانئ أو الخطابات السيادية. بعض الفصائل أبدت استعداداً لتنظيم ارتباطها بالمؤسسات، وبعضها يرفض التسليم الكامل ويفضّل صيغ «التنظيم» التي تُبقي القدرة خارج السيطرة الفعلية. هذا الانقسام يكشف جوهر المرحلة: هل يتحول النفوذ إلى قواعد داخل الدولة، أم يبقى ورقة قوة موازية لها؟ التجارب الإقليمية تقول إن ازدواج السلاح يضعف القدرة على بناء الشراكات، لأن الحليف والمستثمر والجوار يتعاملون مع مركز قرار واحد، لا مع مراكز متعددة.

موقع العراق في المتغيرات الإقليمية يُقاس من هنا. الخليج يعيد ترتيب أمنه واقتصاده. إيران تواجه ضغطاً استراتيجياً يدفعها إلى البحث عن عمق وأوراق. تركيا تدير معادلات الشمال والممرات. شرق المتوسط يعيد رسم خطوط الطاقة. والعراق، إذا حسم سيادة السلاح وحوّل خروجه من معادلة القواعد الأجنبية إلى معادلة دولة قادرة، يستطيع أن يقدّم نفسه ممراً لا ساحة: طاقة، تجارة، ربط إقليمي، وتوازن يمنع استخدام أراضيه ضد جيرانه.

أما إذا بقي القرار الأمني منقسماً، فسيستمر الآخرون في الكتابة عنه لا معه.

لذلك فإن 30 أيلول ليس نهاية قصة عسكرية فقط، بل بداية امتحان سياسي.

الانسحاب الأميركي يمنح بغداد فرصة نادرة لإعادة تعريف مكانتها. وحصر السلاح يقرر إن كانت هذه الفرصة ستُترجم إلى دولة قادرة على امتصاص الصدمات وبناء الشراكات، أو إلى فراغ يعيد إنتاج منطق القوة القديمة.

في النظام الإقليمي الجديد، المكانة لا تُمنح لمن يملك السلاح وحده، بل لمن يملك قرار استخدامه.

العراق اليوم بين الخيارين: أن يبقى متأثراً بما يُكتب حوله، أو أن يجلس حيث تُصاغ القواعد.


مشاهدات 60
الكاتب رائد العزاوي
أضيف 2026/09/20 - 3:34 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 34946 الكلي 16567466
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير