الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يضعف القانون تتسع العصبيات

بواسطة azzaman

حين يضعف القانون تتسع العصبيات

عباس وليد محسن

 

ثمة سؤال لا نطرحه كثيراً، ربما لأن الإجابة عنه لا تبدو مريحة: لماذا يبدو الموت من أجل الفكرة، في أحيان كثيرة، أسهل من الحياة ليس المقصود هنا أن يتخلى الإنسان عن معتقده، أو أن يتنازل عن قناعته. فالأفكار جزء من تكوين الإنسان، وهي التي تمنحه تفسيره للعالم وموقفه من الحياة. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الفكرة  إلى هوية

مغلقة، ومن قناعة شخصية إلى معيار نحاكم به الآخرين، فنقرر على أساسها من يستحق القرب ومن يستحق النفور، ومن هو «منّا» ومن هو «الآخر».

في العراق، لا نتحدث عن خلاف نظري حول معنى الاختلاف. نحن بلد يعرف، أكثر من غيره، الكلفة التي يمكن أن يدفعها المجتمع حين تتحول الهويات والانتماءات إلى حدود فاصلة بين أبنائه. سنوات العنف تركت في الذاكرة العراقية ما يكفي من الشواهد على أن الخلاف، حين يفقد لغة الحوار، يتحول إلى خصومة، وأن الخصومة حين تُغذّى بالخوف والكراهية قد تنتهي إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد اختلاف في الرأي.

ومع ذلك، فإن التعصب لا يأتي دائماً في صورة صراع معلن أو سلاح مرفوع. أحياناً يبدأ بكلمة، أو بسخرية عابرة، أو بحكم مسبق على إنسان بسبب اسمه أو مذهبه أو قوميته أو منطقته. وقد يبدأ من شاشة هاتف، حيث يستطيع تعليق واحد أن يشعل خصومة، وتستطيع جملة مبتورة أن تمنح الكراهية جمهوراً واسعاً.

المشكلة أن التعصب لا يحتاج دائماً إلى سلاح؛ يكفي أن نفقد القدرة على الإصغاء.

نحن نحب أفكارنا حين تمنحنا اليقين، لكننا نضيق بها حين تطالبنا بالمراجعة. وربما لهذا يبدو الموت من أجل الفكرة أسهل أحياناً من النقاش حولها؛ فالموت يضع نهاية للأسئلة، بينما الحوار يفتحها. والحوار يحتاج إلى صبر، وإلى شجاعة حقيقية لسماع ما لا نحب، وربما إلى قدر أكبر من الشجاعة للاعتراف بأننا قد نكون مخطئين، ولو في جزء مما نعتقد.

وهنا تكتسب العبارة المنسوبة إلى الإمام علي بن ابي طالب: *«لو تكاشفتم ما تباغضتم»*، دلالة تتجاوز معناها المباشر. فنحن كثيراً ما نبغض الصورة التي رسمناها عن الآخر، لا الإنسان الذي يقف أمامنا. نعرف اسمه وانتماءه وموقفه، لكننا لا نعرف قصته، ولا ظروفه، ولا التجارب التي قادته إلى ما يؤمن به،ومن هنا يبدأ التعايش الحقيقي.

اتعايش ليس أن نتخلى عن اختلافاتنا، وليس أن نطلب من الجميع أن يكونوا نسخة واحدة. التعايش هو أن نعترف بأن الاختلاف حقيقة إنسانية لا يمكن إلغاؤها، وأن إدارة هذا الاختلاف مسؤولية مشتركة. أن يكون للإنسان حقه في معتقده ورأيه، وأن يكون للآخر الحق نفسه، من دون أن يتحول اختلافهما إلى خصومة، أو يتحول الانتماء إلى ذريعة للإقصاء،

قيمة أخلاقية

لكن التعايش لا يمكن أن يبقى مجرد قيمة أخلاقية نرددها في المناسبات. إنه يحتاج إلى دولة وقانون. يحتاج إلى قانون يحمي حرية الإنسان في معتقده ورأيه، ويضع حدوداً واضحة أمام التحريض والكراهية والعنف، ويجعل المواطنة أساساً للمساواة، لا الانتماء الضيق.

فحين يضعف القانون، تتسع مساحة العصبيات، ويصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى الاحتماء بهويته الفرعية. أما حين تكون سيادة القانون واضحة وعادلة، فإن اختلاف الناس يصبح أقل خطراً، لأن الجميع يعرف أن حقوقه لا تتوقف على الطائفة أو القومية أو المنطقة التي ينتمي إليها.

ومع ذلك، فإن القانون، على أهميته، لا يستطيع وحده أن يصنع مجتمعاً متسامحاً.

هناك مكان أكثر أهمية تبدأ منه المعركة الحقيقية ضد التعصب: *المدرسة*.

في المدرسة يتعلم الطفل، للمرة الأولى، كيف يرى الآخر المختلف عنه. هناك يمكن أن يتعلم أن المذهب والقومية والمنطقة ليست أسباباً للخصومة، وأن النقاش ليس معركة، وأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن احترام الآخر لا ينتقص من احترام الإنسان لنفسه.

وتعليم التعايش لا يعني بالضرورة إضافة درس جديد إلى جدول الحصص، بل بناء ثقافة كاملة داخل المدرسة: في طريقة تعامل المعلم مع طلابه، وفي مساحة السؤال والنقاش، وفي قدرة الطالب على التعبير عن رأيه من دون خوف، وفي تعلّمه أن مخالفة رأي زميله لا تمنحه الحق في إهانته أو إقصائه.

فالطفل الذي يتعلم أن المختلف عنه ليس عدواً، يكبر وهو أقل قابلية لأن يصنع عدواً من الاختلاف. نحن لا نستطيع أن نمنع الناس من الاختلاف، ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك. ما نستطيع فعله هو أن نمنع الاختلاف من التحول إلى كراهية، والكراهية من التحول إلى عنف. وربما تكون مهمتنا الحقيقية اليوم، في بلد أنهكته الانقسامات، أن نعيد تعريف القوة نفسها؛ فالقوة ليست في أن تفرض فكرتك على الآخرين، ولا في أن تنتصر عليهم بالصوت أو التخوين، وإنما في أن تمتلك من الثقة ما يكفي لتسمع الفكرة المخالفة من دون أن تشعر بأنها تهدد وجودك.

نحتاج إلى جيل لا يرى في المختلف عنه خطراً، وإلى دولة يكون فيها القانون أقوى من الانتماء، وإلى مدرسة تُعلّم أبناءها أن المواطنة لا تلغي التنوع، وأن الاختلاف لا يهدد وحدة المجتمع، بل يمكن أن يكون مصدر قوة له إذا أُدير بالحوار والعدل.

فالأفكار لا تحتاج إلى قبور كي تبقى حيّة؛ تحتاج إلى عقول قادرة على مناقشتها، وصدور قادرة على احتمال الاختلاف.

وربما آن لنا أن نتوقف عن السؤال: كيف ننتصر في خلافاتنا؟

ونسأل بدلاً من ذلك: *كيف نختلف من دون أن نخسر بعضنا؟*

عندها فقط يصبح التعايش أكثر من شعار، ويصبح القانون أكثر من نص، وتصبح المدرسة أكثر من مكان للتعليم؛ يصبح كل ذلك أساساً لحياة يتسع فيها الوطن للجميع، مهما اختلفت أفكارهم وانتماءاتهم. فليس المطلوب أن نتشابه كي نعيش معاً؛ المطلوب أن نتعلم كيف نختلف ونبقى معاً.

 

 


مشاهدات 62
الكاتب عباس وليد محسن
أضيف 2026/09/20 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 34946 الكلي 16567466
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير