العلكة السوداء
كنعان بليج
في القرية التي كانت تنام فوق بحرٍ من النفط، لم يكن أحدٌ يعرف لماذا يمرّ النفط تحت أقدامهم ولا يمرّ الخير.
كانت أنابيب النفط تعبر القرية مثل أفعى سوداء طويلة، تمتد من مكان لا يعرفه الأطفال إلى مكان أبعد لا يعرفه الفقراء. وكان أهل القرية يسمعون هديرها في الليل، فيظنون أن الأرض تتنفس.
كان هناك ثلاثة أطفال: آزاد، دلشاد، وشيرين.
كانوا يذهبون إلى المدرسة كل صباح سيرًا فوق الأنبوب الطويل الذي يشق القرية. لم يكن الطريق خطرًا بالنسبة إليهم؛ فقد اعتادوا عليه كما اعتادوا الحقول اليابسة، والبيوت الطينية، ووجوه الكبار التي لا تبتسم كثيرًا.
كانوا فقراء إلى درجة أن العلكة كانت بالنسبة إليهم ترفًا لا يصلح لأطفال قريتهم.
وفي أحد الأيام، وجد آزاد قطعة صغيرة من النفط الخام قرب الأنبوب.
رفعها إلى الضوء، وقلبها بين أصابعه.
قال دلشاد:
— هل هذه علكة؟
ضحكت شيرين وقالت:
— إذا كانت علكة، فلماذا رائحتها مثل أبي؟
لم يفهموا يومها معنى كلامها.
اقتطعوا ثلاث قطع صغيرة، وغسلوها بالماء، ثم وضع كل واحد منهم قطعة في فمه.
كان طعمها مرًّا، ثقيلًا، لاذعًا.
لكنهم ضحكوا.
ومنذ ذلك اليوم صار النفط الخام علكتهم السوداء.
كانوا يمضغونه في طريقهم إلى المدرسة، يتبارون في معرفة من يستطيع الاحتفاظ به في فمه أطول مدة، ومن يستطيع أن يصنع منه كرة أكبر.
وحين يصلون إلى المدرسة، كان المعلم يقف عند الباب.
ينظر إلى أفواههم.
ثم يقول:
— أخرجوا العلكة!
فيضع الأطفال قطعهم السوداء على حافة النافذة.
وكان المعلم، قبل أن يبدأ الدرس، يقف أمام السبورة ويكتب بخط كبير:
«نفط العرب للعرب»
ثم يلتفت إليهم.
كان الأطفال الثلاثة ينظرون إلى العبارة، ثم ينظرون إلى قطع النفط الموضوعة على النافذة.
لم يسأل أحدٌ يومها:
إذا كان النفط للعرب، فلماذا كانت علكتنا منه؟
وإذا كانت الأرض أرضنا، فلماذا كنا نمضغ النفط بدل الخبز؟
وإذا كان النفط ثروة، فلماذا كان الفقر يسكن معنا في البيت نفسه؟
كانوا أطفالًا.
والأطفال لا يعرفون أن بعض الأسئلة تحتاج إلى أن يكبروا كثيرًا قبل أن يجرؤوا على طرحها.
⸻
مرت السنوات.
كبر آزاد وصار بعيدًا عن القرية.
ودلشاد سافر إلى مدينة لا يعرف أهلها شيئًا عن الأنبوب الذي كان يمشي عليه طفلًا.
أما شيرين، فحملت حقيبتها وغادرت القرية ذات صباح، ولم تعد إلا بعد سنوات طويلة.
تفرقت بهم البلاد، وتفرقت بهم اللغات والمدن والمطارات والمنافي.
لكن شيئًا واحدًا بقي يجمعهم.
طعم العلكة السوداء.
كان آزاد، كلما شم رائحة النفط في محطة وقود، يعود فجأة إلى القرية.
يرى الأنبوب الطويل.
ويرى قدميه الصغيرتين تمشيان فوقه.
ويرى دلشاد يضحك.
ويرى شيرين وهي تقول:
— لماذا رائحتها مثل أبي؟
أما دلشاد، فكان يقول إن رائحة النفط تذكره بالمدرسة.
لم يكن يتذكر درس التاريخ، ولا الجغرافيا، ولا جدول الضرب.
كان يتذكر فقط المعلم وهو يشير إلى العلكة الموضوعة على النافذة ويقول:
— اتركوها هنا.
ثم يكتب على السبورة:
«نفط العرب للعرب».
وكان يضحك كلما تذكر المفارقة.
أما شيرين، فكانت أكثرهم صمتًا.
كانت تقول:
— لم نكن نمضغ النفط لأننا أحببناه. كنا نمضغه لأننا لم نكن نملك ثمن العلكة.
ثم تسكت قليلًا وتضيف:
— لكنهم أقنعونا ونحن أطفال أن المشكلة في أفواهنا، لا في الفقر الذي وضع النفط فيها.
⸻
بعد عقود، عاد الثلاثة إلى القرية.
لم يتعرفوا إليها في البداية.
البيوت تغيرت.
المدرسة تغيرت.
والأنبوب ما زال هناك.
أسود.
طويلًا.
باردًا.
وقفوا أمامه كما يقف ثلاثة كبار أمام طفولتهم.
قال آزاد:
— أتذكرون؟
ابتسم دلشاد.
وقالت شيرين:
— كيف يمكن أن أنسى؟
انحنى آزاد وأخذ قطعة صغيرة من النفط الخام.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— هل تتذكران طعمها؟
ضحك دلشاد.
أما شيرين فلم تضحك.
قالت:
— الطعم لم يبقَ في أفواهنا فقط.
نظرا إليها.
فأكملت:
— بقي في ذاكرتنا.
ساد الصمت.
ومن بعيد، كان هدير النفط يمر تحت القرية.
نفس الصوت.
نفس الأنبوب.
لكن الأطفال الذين كانوا يمشون فوقه لم يعودوا هناك.
حلّ محلهم رجال ونساء يحملون في أفواههم شيئًا أسود لا يُرى.
شيئًا يشبه العلكة.
ويشبه المرارة.
ويشبه سؤالًا لم يجد جوابًا منذ الطفولة:
كيف يمكن أن يعيش الإنسان فوق النفط، ثم يكبر وهو لا يزال جائعًا؟
رفع آزاد عينيه نحو السماء.
وتذكر المعلم.
وتذكر السبورة.
وتذكر الشعار.
ثم قال:
— يبدو أنهم أخطأوا في الشعار.
سأله دلشاد:
— كيف؟
قال آزاد:
— كان ينبغي أن يقولوا:
«نفطٌ تحت أقدامنا… وفقرٌ في أفواهنا».
ابتسمت شيرين ابتسامة حزينة.
ثم مضغت شفتيها كأنها تبحث عن طعم قديم.
كان الطعم ما يزال هناك.
طعم العلكة السوداء.
طعم الطفولة.
طعم الفقر.
وطعم وطنٍ كان يملك النفط، لكنه لم يملك يومًا حق اختيار ما يمضغه أطفاله