الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الساعة الجدارية... شاهدٌ على الزمن


الساعة الجدارية... شاهدٌ على الزمن

 ثامر مراد

 

تعلّقت الساعة على الجدار، هادئةً في مكانها، لا تتحرك من موضعها، ومع ذلك كانت أكثر الأشياء حركةً في الغرفة. عقاربها تمضي بلا تردد، تدور حول وجهها الدائري، وكأنها تعرف سرًا لا يعرفه أحد: أن الزمن لا ينتظر أحدًا.

كانت ساعةً جدارية عادية في ظاهرها، لكن صمتها كان يخفي حكايات كثيرة. منذ أن علّقت هناك، أخذت تراقب كل شيء؛ وجوهًا جاءت ثم غابت، أصواتًا ارتفعت ثم خفتت، أبوابًا فُتحت وأخرى أُغلقت، وأيامًا مرت من أمامها دون أن تستأذن.

لم تكن الساعة تعدّ الدقائق فحسب، بل كانت تعدّ أعمارنا أيضًا.

كل دقة من دقاتها كانت تقول إن لحظةً مضت ولن تعود، وإن الحاضر الذي نعيشه الآن يتحول، في اللحظة نفسها، إلى ماضٍ. وبين دقة وأخرى، كان شيء ما فينا يتغير، وإن لم نلحظ ذلك.

كانت عقاربها تمضي إلى الأمام، بينما نحن كثيرًا ما كنا ننظر إلى الخلف.

نحن الذين نعيش الحاضر بأجسادنا، لكن أرواحنا تظل معلقةً بأيام بعيدة؛ بوجهٍ غاب، أو حلمٍ انكسر، أو كلمةٍ لم نقلها في وقتها، أو لحظةٍ كنا نتمنى لو نستطيع إعادتها. أما الساعة، فلم تكن تعرف معنى الندم. كانت تؤدي مهمتها الوحيدة بصرامةٍ وهدوء: أن تمضي.

وفي كل مرة كنت أرفع عيني إليها، أشعر أنها لا تخبرني بالوقت بقدر ما تذكّرني بحقيقة الوقت.

تقول لي بصمتها:

إن هذه اللحظة التي تعيشها الآن لن تبقى.

وإن ما تظنه حاضرًا، سرعان ما سيصبح ذكرى.

وإن الإنسان لا يخسر أيامه دفعةً واحدة، بل يخسرها دقيقةً بعد دقيقة، دون أن يشعر.

كانت الساعة شاهدًا على الزمن الحاضر، لكنها في الحقيقة كانت شاهدًا علينا نحن.

رأتنا ونحن نضحك، ورأتنا ونحن نحزن. شهدت بدايات كثيرة لم نكن نعرف أنها ستنتهي، ونهاياتٍ لم نكن مستعدين لها. رأت أحلامًا تولد في عيون أصحابها، ثم رأت بعضها يذبل قبل أن يبلغ مداه.

ولم تتدخل.

لم تقل لنا: تمهّلوا.

لم تقل لنا: لا تؤجلوا أحلامكم.

لم تقل لنا: أحبوا بعضكم أكثر، فالأيام أقصر مما تظنون.

كانت تكتفي بالدوران.

ربما كان صمتها أبلغ من الكلام.

فالزمن لا يحتاج إلى مَن يشرحه؛ يكفي أن يمر.

وفي لحظات السكون، حين تخفت الأصوات ويهدأ المكان، يصبح صوت الساعة أكثر وضوحًا. دقة... ثم دقة... ثم دقة. كأنها تطرق باب الوعي داخلنا، وتدعونا إلى الانتباه قبل أن تنتهي المسافة المتبقية من الطريق.

إنها لا تقول لنا كم بقي من العمر، بل تذكّرنا بأن العمر يمضي.

ولهذا تبدو الساعة الجدارية، رغم بساطتها، كأنها شاهدٌ عادل لا ينحاز لأحد. لا يهمها إن كان أمامها غني أو فقير، سعيد أو حزين، منتصر أو منكسر. الجميع أمامها متساوون؛ دقيقة تمر على الجميع، وساعة تنقضي على الجميع، ويوم يرحل ولا يعود.

تبقى الساعة في مكانها، بينما يتغير كل شيء حولها.

الجدران قد تشيخ، والأثاث قد يتبدل، والوجوه قد تختفي، والبيوت قد تفقد أصحابها، لكن عقارب الساعة تستمر في الدوران، حاملةً معها شهادةً صامتة على أن الحياة ليست سوى لحظات متتابعة، وأن الإنسان، مهما حاول الإمساك بها، لا يستطيع أن يمسك بالزمن.

وفي النهاية، ربما ليست الساعة هي التي تقيس الزمن.

ربما الزمن هو الذي يقيسنا نحن.

يقيس ما فعلناه، وما تركناه، وما أحببناه، وما خسرناه، وما كان يمكن أن نفعله ولم نفعل.

وتبقى الساعة معلقةً على الجدار، تدقّ في هدوء، وتراقب الحاضر وهو يتحول إلى ماضٍ، دقيقةً بعد دقيقة.

وكأنها تقول لكل من ينظر إليها:

لا تسأل كم مضى من الوقت...

اسأل ماذا فعلتَ بالوقت الذي مضى، وماذا ستفعل بالوقت الذي ما زال أمامك.

فالعقارب لا تعود إلى الوراء،

والزمن لا يكرر نفسه،

أما الإنسان... فما زال يملك شيئًا واحدًا فقط:

هذه اللحظة.

 


مشاهدات 113
الكاتب  ثامر مراد
أضيف 2026/09/19 - 2:21 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 11:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 831 الشهر 32079 الكلي 16564599
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير