الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما خطبُكِ يا نينوى وما عيبُك ؟

بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

ما خطبُكِ يا نينوى وما عيبُك ؟

لويس إقليمس

 

يتحدثون عن نينوى وعظمة تاريخها وبأس رجالاتها وأهمية موقعها وجمال ربيعها وطيب خريفها وسلسبيل مياه نهرها الخالد «دجلة» الذي ضاق يائسًا من قلّة الأيادي في تنقيته وتهذيبه وتجميله بما يليق بسكان هذه المحافظة الاستراتيجية في كلّ شيء. كانت نينوى بيتًا زراعيًا متكاملاً بكفافٍ يوميّ زاخر بأفضل المنتجات الزراعية ومثلها في الصناعة لغاية سقوطها بأيادي ظالمة، غيرةً وحسدًا وكرهًا بأهلها. وعندما حانت ساعة السقوط الكبرى بتسهيل دخول عصابات داعش الإرهابية على أيدي الأوباش من ساسة الكراهية والحقد بالضدّ من سكانها حين تسهيل السيطرة على مقدراتها في مؤامرةٍ حُبكت حبائلُها بالطريقة التي كشفتها تحقيقات قانونية بأدواتٍ تشريعية ولجانٍ برلمانية لتشيرَ إلى مؤامرةٍ كبرى بحقها وحق أبنائها، عندها سقطت كلُّ الأقنعة وبات جميع المشتركين في تلك المؤامرة على المحك.

سقوط دراماتيكي

وماتزال هي وأبناؤُها يشربون من مرارة ذات الكأس ومن ذات الحنظل الممزوج في السياسة العامة للحكومات المتعاقبة الفاشلة منذ السقوط الدراماتيكي ولغاية اليوم، وآخرها أزمة كوبونات الوقود الأزلية التي لا تزال دوائرُها المحلية عاجزة عن معالجتها بسبب اشتراك أطرافٍ عديدة دخيلة على مكوّناتها الأصيلة في استمرارية إذاقة ابنائها الخلّ والمرارة في حياتهم اليومية. ومثلُها الفشل بل العجز في تشغيل مطارها بالرغم من الادّعاء كثيرًا بقرب تشغيله ليكون في خدمة أبنائها وأطراف مدينتها الخالدة. ولكن هل يمكن أن تدوم مثل هذه الوقائع الحقيرة التي أصبحت حقائق ملموسة لدى الجميع؟ أم آنَ لها ولأبنائها الانفجار بوجه ظالميها وكلّ مَن له يدٌ تخريبية وتدميرية أو يحمل السلاح بيدٍ كارهة ضدّ طموحات أبنائها ورفع غيرهم كلمةَ الرفض الماكرة بوجه إدارتها المحلية التي تسعى للارتقاء بها وبأهلها نحو الذرى بكلّ ما تستحقُه من رفاهة وبناء ونظافة وإدارة موصلّية قحّة لم تعجب ساسة الصدفة ولا رافعي السلاح المقاوم بوجه كلّ مَن يحب أن ترتقي هذه المحافظة ومدينتها الجميلة والبلدات التابعة لها ولاسيّما من ساكني مكوّنات أصيلة سُميت بالأقليات الدينية والعرقية.

نينوى التي احتضنت يومًا النبي يونان «يونس» عندما نجح في إقناع أهلها بالعودة إلى طريق الله والحق، ليست محافظةً على الهامش ولا مدينتُها وساكنوها من أراذل البشر الذين قيل في حقهم ظلمًا حاجتُهم لتعلّم الدروس من أراذل الساسة وأكثرهم طائفيةً وحقدًا عليها وعلى أهلها. بل هي مسكُ بلاد الرافدين وعطرُها الذي لا يخبو ولا يختفي نورُ شمسها وتاثيرُها بديمومة وجوده أهلها وناسها الطيبين المثابرين المنتمين للأرض والهواء والماء حتى الثمالة. كلّما زرتُ محافظتي هذه ومدينتها الموصل الحدباء قاصدًا بلدتي قره قوش مركز قضاء الحمدانية، تصيبني الكآبة ويعتريني الغمّ والحزن لغاية ذرف دموع الأسى والأسف لما آلت إليه بالرغم من مساعي الإعمار والتغيير والبناء الجارية على قدمٍ وساق، ومنها إعمارُ ما دمّرته عصابات داعش الإرهابية وبخاصة في مواقع الآثار والأبنية العامة والبنية التحتية ودور العبادة من جوامع وكنائس وما إلى ذلك من جسور وساحات وحدائق عامة وشوارع ومشاريع مجاري وغيرها. لكنّ الأسى يزداد حينما اشهد طوابير السيارات بعشرات الكيلومترات داخل المدينة وخارجها انتظارًا للبحث عن كمية محدودة من المحروقات لتزويد سياراتهم والتي لا تكفي لسدّ تشغيلها ربما يومًا واحدًا أو يومين في الداخل وفق كوبون أُعدَّ خصيصًا للتعبئة ولا يجوز استخدامُه إلاّ بعد 72 ساعة من آخر عملية للتعبئة بعد انتظار طويل ومهين تحت أشعة الشمس الحارقة صيفًا والبرد القارس شتاءً. بينما يضطر صاحب سيارة الأجرة للبحث عن وسائل أخرى ربما غير قانونية للحصول على حصّة غيره بشراء كوبون تعبئة بملغ إضافي غير مبرّر أساسًا.

مكاسب سياسية

والمؤسف، لم تستطع الإدارة المحلية في هذه المحافظة المظلومة من إيجاد حلّ لمعضلتها التي طالت تحت أية حجة أو لأيّ مبرّر، فيما الحالة طبيعية في العاصمة بغداد وسائر المحافظات إلاّ حينما تريد جهة معينة تطيين وتعفير الأجواء بخلق حالةٍ من عدم الاستقرار لأغراضٍ ومكاسب سياسية بحتة.

إلى متى معاناة الوقود والكوبونات

إنّ هذه المعاناة التي طالت المحافظة أكثر ممّا ينبغي، لا يمكن السكوت عنها بعد اليوم. ومن حقّ أهاليها معرفة مَن المسؤول عن اختلاقها واستمرارها وإدارتها بهذه الطريقة الفجّة الفاسدة وغير المبرّرة. كما من حقنا نحن أيضًا أن نعرف الطرف المستفيد من هذه الأزمة المستفحلة وإعادة النظر في سياسة التجهيز الحالية التي تتحكمُ بها مافيات دائرة توزيع المنتوجات النفطية التابعة لوزارة النفط في بغداد وهي الجهة المسؤولة المباشرة عن توزيع الحصة الوقودية على أساسٍ طائفي حالُها حال السطوة المحاصصاتية للأحزاب الرئيسية الحاكمة على وزارات شبه الدولة القائمة وهيئلاتها ومؤسساتها ودوائرها في عموم البلاد. كما ينبغي  الأخذ بنظر الاعتبار الزيادة المطّردة في أعداد المركبات المسجلة في المحافظة أصلاً والتحسب من المركبات التي يدخلها السوّاح والزوّار من باقي مدن العراق الذين يجدون صعوبة في التزوّد بالوقود من محطات التجهيز لعدم امتلاكهم كوبونات التوزيع كما هي الحال هذه الأيام. وكفى ما عاناه أهلُها من مرارةٍ وإهانةٍ وسرقةٍ لإرادتهم وإدارتهم في وضح النهار. وما على الإدارة المحلية إلاّ أن تجد الطريقة المثلى للنجاة من تأثير أيدي  الدخلاء في شؤونها الداخلية والإدارية والضغط على الحكومة المركزية والمؤسسات والدوائر المدنية المسؤولة في بغداد حصرًا لتسوية الأزمة وإنصاف أهلها بزيادة حصتها ليكون حالُهم حالَ أبناء سائر المحافظات الأخرى التي تُجهّزُ بما تحتاجُه من أنواع المحروقات ومنها النفط الأبيض للتدفئة والبانزين للمركبات التي سئمَ اصحابُها التلاعب بأعصابهم واضطرارهم.

 لانتظار مرير لا يليق بابنائها الذين تشهدُ لهم البلاد والعباد بوطنيتهم وغيرتهم على بلدتهم ووطنهم. أمّا تصويب الأسهم الظالمة على تأثير مَن يُسمّون ب «البحارة» من تجار ترويج الوقود باتجاه محافظات كردستان حصرًا، أو دخول أصحاب مركبات هذه المحافظات على خط التزوّد بالوقود من محطات نينوى، فهذا مبرّرٌ سفيه وضعيف يمكن إيجاد حلولٍ له بطرقٍ لوجستية وفنّية من تلك التي يمكن أن تضع حدًّا لاستغلال النفوس الضعيفة في إدارة محطات الوقود الذين امتهنوا عمل الترويج غير المشروع  على غرار فساد أغلبية القائمين في وظائف ودوائر الدولة العراقية الذي أصبح قاعدةً لا استثناءً. فيما يمكن فرض رقابة صارمة على المحطات ومنها تلك المتلكئة في توزيع ما تستلمه من حصصٍ كاملة عبر التلاعب بجزءٍ منها لأغراضٍ دنيئة لبيعها في السوق السوداء أو تهريبها عبر عملاء مجرّبين وخبراء. وبالتأكيد هناك مَن يتحايل على القانون والتعليمات ويجرؤ على اختراقها لتحقيق مكاسب شخصية سقيمة تضرّ بالأمن الوقودي الذي يُفترض أن يحفظ مصالح الجميع ضمن شكل هذه التعليمات الواضحة.

 كلّ ما تحتاجُه إدارة هذه المحافظة حسن التخطيط والتنفيذ والمتابعة بحرصٍ وعناية وطنيتين لا غبار عليهما بعد أن تعب الناس من صناعة الأزمات المتلاحقة واللعب في أعصابهم. فلم يعد مجالٌ لحلول ترقيعية هنا وهناك. فالأزمة تحتاج حلولاً جذرية للتعافي وخدمة الصالح العام. فالعيبُ ليس بالمدينة وأهلها، بل بإدارتها من صانعي سياستها من الدخلاء عليها والغرباء فيها ممّن اقتنصوها ودنّسوها بسموم طائفيتهم بعد السقوط ثلاث مرّاتٍ: مرةً بعد انهيار النظام السابق والتنافس على حكمها وإدارتها من أطرافٍ طامعة جلُّها دخيلة وغريبة عليها، والثانية بعد تسليمها فريسةً سهلة لعصابات داعش الإرهابية من قبل أطرافٍ حكومية طائفية للعبث بحالها وطبيعة مكوّناتها الأصيلة بغاية تشريدها وطردها واضطرارها للنزوح قسرًا، والثالثة بعد سطوة الميليشيات على مقدّراتها والتحكّم بمصالحها لتحقيق مكاسب ومغانم حصرية لأحزاب السلطة الرئيسة ومنها الاستيلاء على مئات آلاف الدونمات من الأراضي والمباني الحكومية بدون وجه حقّ ومنع استغلالها من قبل أصحابها الشرعيّين!

لذا، أتركوا نينوى وأهلَها يعيشون بسلام ويتولون زمام إدارة محافظتهم وتطويرها بعقليتهم الموصلّية المعروفة لتعود واحةً وارفة وبستانًا جميلاً دائمَ الخضرة بالكلمة والثقافة والوعي والبناء والفن والانتماء والتعايش السلمي ومحبة الوطن وأهله من شماله إلى جنوبه.

 

 


مشاهدات 63
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/09/20 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 34946 الكلي 16567466
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير