الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجلّيات المكان في الرّوايات القصيرة جدّا لحميد الحريزي


تجلّيات المكان في الرّوايات القصيرة جدّا لحميد الحريزي

بين الرّمزيّة والواقعيّة من خلال لعبة الثّنائيّات:

 

سمير بية

 المقدّمة: 

يعتبر المكان في الرّواية من أهمّ المقوّمات والرّكائز الفنيّة لبناء العالم الرّوائيّ، فهو فضاء/حيز تتحرّك فيه الشّخصيات، وتدور في حدوده الأحداث، وتتبادل فيه الحوارات، لذلك تتنوّع الفضاءات بين الاتّساع والضّيّق والانفتاح والانغلاق، أو بين الدّاخل والخارج، أو بين المجرّد والمحسوس. فهي ثنائيّات تحكم معالم الأمكنة، فنرى الرّوائيّ يتفنّن في رسم حدودها وتحديد ملامحها التي تتحدّد من خلال ملامح الشّخصيّات الرّوائيّة، وكلّ ذلك يجري نحو دلالات بعيْنها على القارئ الاجتهاد للوقوف عليْها. فالمكان أو الأمكنة وخاصّة في الرّواية القصيرة جدّا ليست مجرّد وعاء فنيّ أو فضاء يؤدّي دور الاحتواء، بل هو يتجاوز سطح معنى وصولا إلى عمق الدّلالة في ارتباطه-أي المكان- بخصائص التّكثيف والاختزال والتّلميح دون التّصريح في الرّواية القصيرة جدّا. وهو ما حدا بنا إلى تتبّع خصائص المكان في الرّوايات القصيرة جدّا للكاتب العراقي حميد الحريزي. فكيف وظّف الرّوائيّ المكان في رواياته القصيرة جدّا؟ وما الدّلالات التي نقف عليْها من خلال تنوّع الأمكنة وعبر خصائصها؟  وما مدى استجابة عنصر المكان لشروط كتابة الرّواية القصيرة جدّا؟

1- ثنائيّة الإجمال والتّفصيل في بناء المكان:

إنّ الملاحظ في بناء المكان في روايات الكاتب العراقي حميد الحريزي القصيرة جدّا وهي"أحلام عروس البحر"، و"أصوات في الشّبك" و"خيّاط الخزف الصّيني" و"مذكّرات كلب" و"هذيان محموم" تحكمه ثنائيّة أساسيّة قد تساعدنا على دراسة عنصر المكان في قراءة أولى تفتح المجال للوقوف على مميزات الخطاب الرّوائيّ القصير جدّا. وأولى هذه الثنائيّات ثنائيّة الإجمال والتّفصيل، نجد الكاتب في جلّ رواياته القصيرة جدّا لا يتوسّع في ذكر تفاصيل المكان إلاّ قليلاً، يقول الكاتب في رواية" أحلام عروس البحر" ص34: يعيش في قرية تضطجع على شكل قيثارة بغنج على منحدر جبلي يمتدّ إلى ساحل البحر." فالمكان لم يعد ذاك الحيز الجغرافيّ بل هو فضاء يرتبط بالشخصيّة البطلة "مهدي" وكأنّ هذا الفضاء يناسب جدّا ما تعيشه هذه الشّخصيّة المكافحة من حيث احترافه مهنة الصّيد وإيمانه بفكرة الكسب من كدّ الجبين والسّاعد وتعلّقّه بالبحر كفضاء مفتوح وغير محدود. يقول الكاتب في نفس الرّواية في الصفحة48:"أثناء جلسة تحت ظلال حديثات نخيل البرحي المتراصّة لمسافات طويلة على حافة الهور" وفي الصفحة 56 يقول: عند باب قصر منيف على السّاحل(...) ممرّ مرمريّ بألوان زاهية يتوسّط حديقة غنّاء تضمّ أنواع الزّهور والطّيور الملوّنة" إنّ خطاب الوصف المتعلّق بالمكان يتغيّر بين فضاء وآخر فيتراوح بين الإجمال والتفصيل، لكنّ التّفاصيل تظلّ عامّة دون تدقيق وتوسّع. ففي ذكر نخيل البرحي على حافة الهور تذكير بالبيئة العراقيّة، أمّا وصف القصر المنيف بدا عامّا رغم بعض التّفاصيل وهو ما يترك للقارئ فرصة بناء تصوّر لهذه الأماكن. يتواصل هذا التّعميم في رواية"أصوات في شبك" يقول الكاتب في الصفحة74: مصحّة محكمة الأسوار في وسط سلسلة جبليّة وغابات لا حدود لها". فالرّوائيّ حميد الحريزي يترك للقارئ تخيّل بقيّة التّفاصيل الخاصّة بهذا المكان فتنشط مخيّلته على عكس الرّواية الكلاسيكيّة لدى الرّوائيّين الكلاسيكيين حيث يجد القارئ نفسه غارقا في التّفاصيل، و"من أجل ذلك لا يجد القارئ شيئا ممّا كان يريد معرفته إلاّ عرّفه إيّاه صاحب النّصّ فيكسل فكره ويتلبّد ذهنه فلا ينطق خياله".

يقول الكاتب في ختام رواية "أصوات في الشّبك" ص80:في حين صار قبر مسكون ضريحا وشاهدا بارزا يؤمّه الحكماء والعلماء والمتنوّرون والمجدّدون في كلّ أنحاء العالم". هنا يصف هذا المكان وصفا عامّا دون تفصيل، فالوصف ورد مُجمَلاً وهو ما يحوّل المكان إلى رمز للاعتراف بمكانة الشخصيّة"مسكون" وأهميّة أفكاره بالنّسبة للآخرين ومدى تأثّرهم بها. فيتحوّل القبر من مكان الدّفن والنّهاية المحتومة نحو الفناء إلى مركز لبداية جديدة نحو الخلود.

2 - ثنائيّة المدينة وأطرافها:

يبدو المكان من خلال هذه الثّنائيّة مقسّما بين المركز أي المدينة والأحواز أي أطرافها فالمدينة هي مركز الأضواء والرّفاهيّة وهي مكان جذّاب، بينما الأطراف يرتع فيها البؤس والفقر، فالمركز مكان عيش الأغنياء والأطراف مكان منفّر طاردٌ يعيش فيه الفقراء موتهم المؤجّل، كأنّما الكاتب أراد أن يبيّن هذه الطّبقيّة المقيتة والرّأسماليّة المتوحّشة التي تحكم هذا العالم، يقول الكاتب في رواية"مذكّرات كلب"ص121:"حيث تطوّق المدن عادة بمثل هذه الأحياء البائسة المخصّصة لسكن الفقراء والمنبوذين والمهمّشين." فحيّ الفقراء يصوّره الكاتب من خلال فعل "يطوّق" كأنّه سجن يسجن المدينة أو هكذا يعتقد سكّانها الأثرياء، وفي ذلك إشارة خفيّة لاتّساع الهوّة بين العالميْن عالم المدينة/المركز وعالم الأطراف/الهامش. فالكاتب يسلّط الأضواء على العالم المظلم الذي تعيش فيه هذه الطّبقة الدّنيا. يقول الكاتب في نفس الرّواية:"أودّع القصور والفلل الفارهة أودّع الأضواء البرّاقة والحدائق والنّافورات، أودّع الشّوارع المعبّدة النّظيفة والسّيّارات الفارهة."ص121، هذه الصّورة المشرقة تقابلها صورة الحيّ الشّعبيّ المظلمة. يقول في الصفحة 122 من نفس الرّواية:"داخل الحيّ عبر أزقّته الضّيّقة المأيسنة وبيوت التّنك المتشابهة." رغم أنّ الوصف كان بشكل برقيّ للمكانيْن إلاّ أنّ الكاتب تمكّن من إبراز الهوّة العميقة بينهما وإبلاغ موقفه من هذا التّفاوت المشطّ بين عالم المدينة أطرافها.

3 – ثنائيّة الانغلاق والانفتاح:

نرى أنّ الرّوائيّ حميد الحريزي وظّف هذه الثّنائيّة في بناء حيزه الرّوائيّ في العديد من رواياته القصيرة جدّا وسنحاول الوقوف على الغاية التي سعى إليها من خلال هذا التّوظيف. يقول الكاتب في رواية "خيّاط الخزف الصّيني": قرية صغيرة متناثرة البيوت ترقد على ضفاف نهر صغير، استقرّ بعائلتي الحال في مقدّمة
بستان على جرف النّهر" ص82. ويقول في ينفس الرّواية في الصّفحة 90:"كيف تستطيع العيش مسجونة بين جدران أربعة في المدينة وتفارق هذا الفضاء القرويّ الفسيح؟". فالفرق واضح بين الفضاءيْن، فالقرية فضاء مفتوح فسيح ممتدّ حدّ التّناثر بينما السّكن في المدينة-رغم اتّساعه- يبدو مغلقا كالسّجن لأنّ الرّوائيّ قصد ذلك قصدا، فهو يحمل موقفا محدّدا من المدينة فضاء الضّياع والتّيه في مقابل القرية فضاء الذّكريات الجميلة والسّعادة والاستقرار.يقول الكاتب في رواية"هذيان محموم": هرع أفراد عائلته صوب غرفته".ص139 حوّل الكاتب الغرفة ذاك الفضاء المغلق إلى فضاء لأسئلة وجوديّة حول الموت والحياة والإنسان رغم أنّ حامد الشّخصية الرّئيسيّة تحتضر. لينقل الكاتب هذه الأسئلة الوجوديّة إلى فضاء أرحب هو المقبرة. يقول في نفس الرواية ص150:"لا تخفْ يا جاري العزيز فأنا جارك في المقبرة." وفي الصّفحة 151 يقول:" استمع إليه حامد وزال عجبه حينما سمع صوت أبيقور والمعرّي والخيّام..." فكان الحوار أعمق بتنوّع الشّخصيات التي استدعاها الكاتب لمحاورة حامد. فهذا الفضاء/المقبرة المفتوح صار مسرحا لطرح قضايا فكريّة ووجوديّة تهمّ الإنسان في مختلف العصور. كذلك ذكر الكاتب فضاء آخر لتمرير موقفه من العادات البالية التي تحدث بعد موت أحدهم وهو فضاء الجامع، يقول ص148:"اكتظّ الجامع بالحضور.واكتظّت القاعة المجاورة بصواني التّمن المكلّلة بأكوام من اللّحوم العرق والفواكه والألبان والمشروبات الغازيّة."

يقول الكاتب في رواية"أحلام عروس البحر" ص35 على لسان البطل "مهدي":إنّ من علّمني موج البحر فسطحه مستو مفتوحٌ بلا حدود ولا قيود." فالبحر هذا الحيّز المفتوح يتجاوز الحدود التي على وجه الأرض فيتحوّل إلى رمز للانطلاق والحريّة، وتجاوز الانغلاق والقيود، فرمزيّة البحر كفضاء ممتد جاءت لكسر واقعيّة الانغلاق التي يعيشها البشر على البسيطة.

على سبيل الخاتمة:

خلاصة القول من خلال متابعتنا لحضور المكان في الرّوايات القصيرة جدّا للكاتب العراقي حميد الحريزي اخترنا مدخل الثّنائيات وهو اختيار إجرائيّ لوقوف على خصائصه ومدى استجابته لكتابة الرّواية القصيرة جدّا، فهذه الثنائيّات بيّنت أنّ الرّوائيّ يتنقّل بالمكان بين الواقعيّة البائسة والرّمزيّة الحالمة ليمرّر أفكاره ومواقفه من عدّة قضايا تهمّ الإنسان كالطّبقيّة المتوحّشة والعبوديّة المذلّة والإقطاعيّة الظّالمة. كما أنّ عنصر المكان بدا مستجيبا لشروط بناء الرّواية القصيرة جدّا فهو مكثّف ومختزل دون تفاصيل مملّة في وصفه. "فإنّ جماليّة الكتابة الرّوائيّة بعامّة وجماليّة الكتابة الوصفيّة للحيّز بخاصّة تمثل في الإيحاء والتّكثيف دون الإطناب والتّفصيل.فكأنّها تتكفّل بقول نصف ما تريد قوله وتترك النّصف الآخر للمتلقّي فيكتمل العمل وتتشكّل الجماليّة ويتمّ التّضافر بين المرسل والمتقبّل أو بين الكاتب والقارئ."

المصادر : كتاب 5روايات قصيرة جدّا،دار رؤى للطّباعة والنشر/كركوك-العراق، ط1، 2026

المراجع: في نظريّة الرّواية، عبد الملك مرتاض، سلسلة عالم المعرفة، ديسمبر 1998

 

 


مشاهدات 38
الكاتب سمير بية
أضيف 2026/09/20 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 104 الشهر 34946 الكلي 16567466
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير