إلى الباحث جواد الرميثي مع التقدير.. صدام يسرق نهراً أسهبت بالحديث عنه
صباح السوداني
طالعت في صحيفة الزمان الموقرة بالعدد 8606 الصادر يوم السبت 3 تشرين اول الحالي، مقالا للأستاذ الفاضل جواد الرميثي حمل عنوان (نهر الخر .. حكاية شريان مائي غيّبه الزمن).
وأود بداية ان ألفت نظر الأستاذ الرميثي الى أن تناول موضوع كهذا يشترط فيها الدقة والاعتماد على المصادر الموثوقة، لأنك بمقالك هذا قد قمت بما يشبه تشويه الحقائق، وستوقع القارئ في مطب معلومات مزيفة وغير دقيقة، وربما سيعتمده آخرون كحقائق “تاريخية”، خصوصا وأنهم لا يعلمون أنك لم تقم سوى جمع معلومات من هناك وهناك ورصها الى بعض وجعل منها مادة “تاريخية وأرشيفية”، مبنية على أخطاء تفتقد للدقة والمصداقية.
عرض حقائق
وأتمنى عليك الآن أستاذنا الكريم، أن تتابع معي بصبر وأناة ما سأعرضه هنا من أخطاء وقعت فيها مع ما يقابلها من حقائق:
1. قال جنابك: (تعود جذور نهر الخر الى العهد العباسي حين شهدت بغداد ومحيطها إنشاء قنوات ومجار مائية لتأمين المياه العذبة وري الأراضي والبساتين ...إلخ)! وأنت بهذا قد ثبتَّ أن هذا النهر من صنع البشر!، أي لا وجود له قبل العصر العباسي!، ولا أدري كيف توصلت الى هذا الإستنتاج، متناسيا أن نهر الخر إضافة الى أربعة روافد أخرى يمتد عمرها الى آلاف السنين كانت تصب مياهها في نهر دجلة. علما أن نهر دجلة منذ الأزل ولغاية الستينيات كان نهرا غنيا يفيض بالمياه لدرجة كانت يتسبب كل عام بغرق العاصمة ومساحات شاسعة من محيطها، وكان أولى بالدولة العباسية “إذا ما تبنينا زعمك” أن تنشأ مجرا مائيا يأخذ مياهه من دجلة لري الأراضي الزراعي وليس العكس.
2. تصحيحا لمعلوماتك: نكرر ثانية، كانت هناك خمس روافد في غرب بغداد “الآرامية” تصب مياهها في دجلة ويعود تاريخها الى آلاف السنين، لأن بغداد بطبيعتها الجغرافية تقع في قلب السهل الرسوبي العراقي المنخفض، وكأنها في وادٍ قياسا للمناطق الغربية المرتفعة، ما جعل مناسيب الأنهر التي تنبع مياهها من الغربية تتجه طبيعيا نحوه، أي نحو نهر دجلة.
3. كان آخر رافدين من تلك الروافد الخمسة هما نهر كرخايا (وسميت الكرخ نسبة إليه)، وقد إندثر قبل ما يقرب من خمسة قرون، أما نهر الخر فقد صمد لغاية سرقته في التسعينيات من قبل رئيس الدولة صدام حسين، وسنبيّن ذلك في فقرة لاحقة.
إضافة الى ما بيّناه لجنابك من أخطاء عقبنا عليها في النقاط الثلاثة أعلاه، فإن أغلب ما أوردته من معلومات في بقية المقال لا صحة لها إطلاقا، وربما إعتمد جنابك على معلومات حصلت عليها من بعض المنشورات التي (إبتلينا) بها في مواقع التواصل اللا إجتماعي!!، أو مما سمعته من العامة. سنحاول في أدناه إطلاعك وإفادتك بمعلومات يجهلها حضرتك وعامة القراء، بل إن واحدة منها يجهلها عموم العراقيين:
1. نهر الخر عمره عشرات الآلاف من السنين، حاله حال أي نهر طبيعي في كوكب الأرض.
2. تسمية (الخر) تسمية آرامية مثله كمثل مناطق كثيرة تعود الى الحقبة الآرامية مثل كرخايا وبراثا، بما فيها إسم العاصمة بغدايا (التي تحوّل لاحقا الى بغداد).
اطراف مدينة
3. تنبع مياه نهر الخر من أطراف مدينة الصقلاوية ويتشكل منها النهر ليمر في عدة قرى وقصبات ريفية وصولا الى بغداد.
4. لا علاقة لنهر الخر بالكاظمية ومحيط الكاظمية إطلاقا، والوهم الذي سقط فيه الكثيرون وحضرتك من ضمنهم، سببه أن مجلس الإعمار في أواخر العهد الملكي قد توصل الى فكرة تحمي فيها بغداد من الفيضانات الموسمية، وتقوم على شق قناتين مائيتين واحدة في الكرخ والثانية في الرصافة.
، تتفرعان من دجلة شمال بغداد وتصبان في جنوبها للتخفيف من ارتفاع مناسيب المياه في دجلة في موسم الأمطار وحماية العاصمة من الغرق.
5. بعد العام 1958 قام الجهد الهندسي التابع لوزارة الدفاع بتنفيذ المشروع، ولذلك سميت القناة في الرصافة بقناة الجيش، والتي تأخذ مياهها من شمال منطقة الصليخ لتصبها ثانية في نهر دجلة قرب جسر ديالى، أما في الكرخ فقد شقت قناة تأخذ مياهها من شمال الكاظمية لتصبها في نهر الخر (موضوع نقاشنا)!، الذي يصب بدوره في نهر دجلة جنوب بغداد.
صدام سرق نهر الخر التاريخي
عام 1989 قام صدام حسين بشق قناة تمتد من نهر الخر عند نقطة قريبة من عقرقوف ثم تتفرع بعد عدة كليومترات الى قناتين، تمران من تحت الشارع العام لأبي غريب، لتصل الأولى الى قصره الشمالي (الجامعة الأميركية الآن) ثم يخرج منه لتمر من تحت طريق المطار الدولي لتصل الى قصره الجنوبي في الجهة المقابلة، والقناة الثانية تمر بغرب المطار لتصل الى مزارعه في الرضوانية.
وفي العام 1996 أمر صدام بغلق نهر الخر بسدة ترابية عرضها يزيد على خمسين متر وتحويل مياهه بالكامل ومنذ ذلك التاريخ بإتجاه قصوره ومزارعه.
(بإمكان حضرتك، إما الذهاب الى عقرقوف لتتأكد من النقطة التي تحوّل عندها مجرى نهر الخر، أو أن تعتمد على خرائط غوغل إرث لتشاهد وتتبع مجرى النهر الذي سرقه صدام وغيَّر مساره)
فوائد نهر الخر والأضرار
فوائد نهر الخر كثيرة ولا مجال هنا لتفصيلها، لكننا سنذكر منها:
1. كان نهر الخر ومن خلال محطات ضخ نصبت عليه يزوّد شبكة السواقي المنتشرة في جميع الشوارع العامة والفرعية للأحياء الحديثة لري الأشجار التي تحيطها مثل حي دراغ المنصور الداودي المأمون اليرموك حطين إلخ.
2. أما في موسم المطار فتقوم ذات السواقي بإستيعاب المياه وإعادتها الى نهر الخر.
3. يزوّد نهر الخر جميع الدور في هذه الأحياء بالمياه لإرواء الحدائق المنزلية عبر شبكة أنابيب خاصة مقابل أجور تدفع فواتيرها شهريا، بمعنى كان هناك لكل منزل حصتان من المياه، الأولى هي ماء الإسالة الصالح للإستخدام البشري، والثانية ويطلق عليها الأهالي (ماء خابط) أي الخاص بسقي الحدائق المنزلية.
بعد أن تم سرقة النهر من قبل صدام كما أسلفنا، وتحويل مجراه التاريخي، تحوّل ما تبقى من وادي النهر الى مجمع للمياه الآسنة ومكب للنفايات، فإتخدت أمانة بغداد قرارها عام 2000 بطمر نهر الخر إبتداء من جنوب غرب منطقة الغزالية وإنتهاء بنقطة مصبه في دجلة، فنجم عن ذلك أضرارا ومعاناة لأغلب تلك الأحياء التي ذكرناها، حيث تعرضت للغرق ولأول مرة في تاريخها في أول موسم للأمطار مرَّ عليها بعد طمره، والصورة المرفقة مع مقالنا تعود لغرق أحياء أسكان غربي بغداد والزهور والمهندسين لأكثر من عشرة أيام، ليس شوارعها وحسب «كما هو واضح في الصورة» بل وغرقت جميع البيوت وتسببت بأضرار مادية كبيرة لحقت بأثاثهم.
نصيحة أخوية
هناك ما يعرف بالأمانة التاريخية والمعلوماتية، لذلك أتمنى على جنابك الكريم وعلـــــــــى جميع اخوتنا الكتاب ممن يتنــــــــــاولوا مـــــــثل هذه الموضوعات في مقالاتهم، ألا تقعوا في فخ المعلومات المضللة التي تعتمد على الروايات الشعبية، أو على ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة ومساحة لمن هب ودب، وإلا تنشروا مــــثل هذه المواد دون الإعتماد على الوثائق والمصادر الرصينة، إضافة الى البحث الميداني، لأنكم بـــــــهذا قد أطلقتم معلومات سيتعامل معها القارئ على أنها حقائق مسلم بها.
راجين تقبل نقدنا مع التقدير.