مصير الميراث الرقمي العالق.. جمود القوانين وهيمنة الخوارزميات
أحمد فاتح محمد
حين صاغ فلاسفة التنوير نظرية العقد الاجتماعي، كان الافتراض الأساسي أن الدولة هي الحارس الأوحد لحقوق المواطن وخصوصيته وممتلكاته. لم يكن في حسبان أولئك الفلاسفة، ولا واضعي الدساتير الأولى، أن تنشأ سلطة موازية عابرة للحدود تسحب من الدولة هيبتها التنظيمية في أدق تفاصيل الحياة والموت. إن صمت القانون الوضعي اليوم عن تنظيم الميراث الرقمي يمثل تراجعاً غير معلن للسيادة الوطنية لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى، التي باتت ترث أفكار الإنسان وبياناته لمجرد غياب النص التشريعي الذي يجرؤ على مواجهتها.
حسابات مصرفية
لقد اعتاد فلاسفة القانون وفي مقدمتهم إيمانويل كانط في ميتافيزيقا الأخلاق، أن ينظروا إلى الملكية بوصفها تجسيداً لإرادة الإنسان الحرة الممتدة في العالم المادي الخارجي. نرحل فنترك خلفنا بيوتا تورث، ومقاعد خشبية يعلوها الغبار، وحسابات مصرفية ينظم القانون انتقالها بصرامة بالغة. ولكن في هذا العصر الذي تداخلت فيه الخطوط، طرأ تحول فلسفي عميق على مفهوم الوجود الإنساني. لم نعد كائنات مادية فحسب بل أصبح لكل منا شخصية رقمية تمتلك قيمة مالية ومعنوية، وأحياناً حقوقاً فكرية تفوق ممتلكاتنا المادية الملموسة.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والقانوني المؤرق: حين يصعد الروح إلى بارئها، من يملك حق السيطرة على هذا «الأثير الرقمي»؟ من يرث الكلمات، والصور، والمحافظ الإلكترونية، والذكريات المخزنة في خوادم عابرة للقارات؟ لعلك نتسأل: ما الذي يهمنا من صفحة افتراضية أو حساب إلكتروني لرجل غادرنا إلى الأبد؟ والجواب هو أن الأمر يتعلق بجوهر الكرامة الإنسانية وحق الخصوصية وامتداد الشخصية بعد الفناء الفعلي. المشكلة تكمن في أن العقل التشريعي الوضعي لدينا ما زال يعيش في القرون الخالية، يظن أن الملكية مجرد عقار أو منقول مادي يمكن لمسه باليد. إن المنهجية القانونية الرصينة تخبرنا بأن القانون ليس نصوصاً جامدة تحفظ في الأوراق الرسمية، بل هو كائن حي ينمو بنمو المجتمع وحركته. وحين يتقاعس المشرع عن ملاحقة تفاصيل الروح العصرية للحياة المشتركة، فإنه يحكم على نصوصه بالموت الإكلينيكي والجمود الذي لا يخدم العدالة. إن غياب إطار تشريعي ينظم الميراث الرقمي يمثل فراغاً سيادياً وفلسفياً خطيراً. نحن أمام تناقض صارخ فالقانون التقليدي يربط الأهلية والشخصية القانونية بحياة الإنسان المادي وموته. وبموت الإنسان تزول شخصيته القانونية، لكن شخصيته الرقمية تظل حية تائهة، تتحكم بها شروط الاستخدام التعسفية لشركات التكنولوجيا الكبرى في سيليكون فالي.
عدالة طبيعية
إن هذا يمثل انتهاكا لجوهر نظرية الحق؛إذ كيف يسمح لشركات تجارية غامضة أن ترث أسرار الإنسان وأفكاره وأمواله الافتراضية لمجرد أنه وقع في لحظة غفلة على شروط استخدام مبهمة؟ إن فلسفة القانون تقوم على مبدأ محوري: لا وجود لحق بلا حماية، ولا حماية بلا تشريع يتسق مع العدالة الطبيعية. إن ورثة المتوفى ليسوا فقط ورثة لقطع أثاثه وسيارته، بل هم ورثة لذكراه، وفكره، ومنجزاته الافتراضية التي قد تحمل قيمة اقتصادية أو عاطفية كبرى. المنهج القانوني السليم يتطلب إعادة صياغة مفهوم التركة لتتجاوز جدران البيوت المادية إلى سحابات البيانات الافتراضية. ترى كم من الموتى اليوم تحولوا إلى أشباح رقمية تدور في فلك خوادم لا ترحم، بينما يقف ذووهم عاجزين خلف جدران كلمات المرور المفقودة، والقوانين البليدة التي لا ترى في الإنسان سوى جسد ميت، وفي الملكية سوى تراب ملموس؟ إنها ليست مجرد معضلة تقنية، بل هي سخرية القدر من عجز المشرع العراقي والعربي الذي يصر على قياس شروق الشمس بمسطرة من خشب، تاركاً إنسان العصر الحديث بلا حماية تليق بوجوده المزدوج المادي والافتراضي.