الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مسرحية

بواسطة azzaman

قصة قصيرة جدآ

مسرحية

أحمد كاظم العامري

      

كان المسرح قد خلا تماماً إلا من بقايا دخان متصاعد وشيء من برودة ثقيلة تسللت إلى الزوايا فور انطفاء تلك الأضواء الصفراء الكاشفة التي طالما غمرت المكان بالدفء الزائف. انسحب الجمهور الذي ملأ القاعة بالتصفيق والتهليل، وسقطت الستارة الثقيلة لتعزل خشبة المسرح عن العالم، ومضى الممثلون يتهامسون خلف الكواليس وهم يخلعون أقنعة المساء ويستعيدون وجوههم العادية الباردة، بينما بقي جعفر وحده واقفاً في منتصف الخشبة، تشخص عيناه نحو الفراغ الممتد أمامه دون أن يتحرك منه شبر واحد.

​كانت الصدمة أثقل من أن تستوعبها عاطفة بشرية في لحظة واحدة؛ وظل يتنفس بصعوبة وهو ينظر إلى ذراعيه اللتين طالما امتدتا بالحب الصادق، وإلى الصفوف المتراصفة من الكراسي الخشبية الخالية في العتمة وكأنها شهود صامتون على مهزلة كبرى صُنعت بعناية فائقة. لم تكن القصة بالنسبة إلى جعفر مجرد نص يُقرأ أو حوارات تُردد أمام الناس، بل كانت نبض حياته الكامل وحقيقة ساطعة ظن في سذاجة قلبه أن نورها لن ينطفئ أبداً. عاش كل تفصيلة فيها بذات النقاء الذي حمله منذ طفولته البعيدة، ووضع روحه على كفه ليعطيها بغير حساب لمن اعتقد أنها نائبة قلبه وشريكة عمره التي تحميه من غدر الأيام.

​تلك هي ليليان، الاسم الذي كان بالنسبة إلى جعفر ترتيلة مقدسة وحصناً منيعاً ضد أوهام الحياة، حب طفولته الصادق الذي لم يتسرب إليه الشك يوماً. كان يرى في عينيها نبعاً من اليقين يدفعه إلى أن يغفر كل خطيئة ويمشي وسط الحريق دون أن يخشى الاحتراق، غير أن المشهد الأخير كشف الغطاء عن وجه الحقيقة العارية التي أكلت قلبه فور أن توقفت المكبرات وانقضى الحفل.

​لم تكن ليليان سوى ممثلة بارعة أتقنت دورها إلى حد الإعجاز والكمال، ولم يكن أولئك الذين أحيط بهم في تلك السنين سوى خدعة متقنة صُممت أدوارها بذكاء خبيث لتمثيلية طويلة، كان هو فيها الضحية الوحيدة والبطل المغفل الذي أخلص للوهم حتى النخاع. لقد اكتشف في النهاية أن كل كلمة دافئة وكل نظرة حانية من ليليان كانت محض أداء مسرحي مدفوع الأجر، وأن حب الطفولة لم يكن إلا فصلاً من رواية خيالية لم يؤمن بها أحد غيره. هكذا وقف جعفر في العتمة يتعثر بخيبته ويلمس حطام قلبه الذي تحول إلى ركام، مدركاً بكل وجع الأرض أن هذا الخراب كله وهذه النهاية المأساوية لم تكن سوى ما جناه جعفر على نفسه يوم صدق أن المشاعر يمكن أن تكون صادقة في عالم أتقن الجميع فيه فن التمثيل.

 


مشاهدات 41
الكاتب أحمد كاظم العامري
أضيف 2026/08/22 - 1:38 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 2:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 26008 الكلي 16115712
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير