نقطة ضوء
التعليم وحكاية كل عام
محمد صاحب سلطان
مدة قليلة تفصلنا عن بدء العام الدراسي الجديد 2026-2027، وها هي العوائل بدأت مبكرا بتهيئة متطلبات وإحتياجات أبنائها لمستلزماته، وبفضلها تحولت أعداد كبيرة من دكاكين المدن إلى مكتبات مؤقتة لبيع الملازم والأقلام والدفاتر والحقائب والزي المدرسي، كونه موسم منعش للباعة ومستلب لجيب رب الأسرة!، وجراء ذلك إزدادت وتيرة إرتفاع الأسعار لتلك البضائع بطريقة غير منصفة وبعيدة عن الربح الحلال، وتحولت موادها إلى بضاعة (محرمة)يصعب على العوائل الفقيرة الحصول عليها أو الإقتراب منها!، ونشطت تجارة (الربا المبطن).. عموماً، الأسر ومن يعيلها، ملزمون بتوفير تلك المتطلبات مهما كلف الثمن، كي يظهر أبناؤها بما يليق حتى لو إستدانت، لإن الإنسان لا يفكر بعقله المجرد، بل يفكر بعقل مجتمعه وينظر للأمور بعين مجتمعه ومحيطه، ويميز ما بين القبح والحسن حسب ما يوحي به مجتمعه، فالمرء نتاج ظروفه الإجتماعية أكثر مما هو نسبه أو وراثته الطبيعية كما يقول عالم الإجتماع علي الوردي رحمه الله، فبعض المجتمعات صعبة المراس مثل (بودقة) تحتاج إلى نار شديدة اللهب كي تنصهر!، بل تبقي على تقاليدها حتى ولو كان في بعضها شيئا لا يتوافق ومتطلبات الحياة الجديدة التي تعيشها، لذا يقع بلاؤها على من يعترض أو يقول (لا)، إذا ما أراد نصحهم أو لفت نظرهم إلى شئ ،الإستمرار فيه مضرة والإبتعاد عنه مسرة، فالكل محجم على ما هو عليه، ولا يريد أن ينزل عن بغلته!، كما يقول المثل الدارج، والظاهر إن هذا المثل لا يزال صحيحاً في كثير من البلاد حتى يومنا هذا! وكان الله في عون الفقير..
أما على الضفة الأخرى، وأقصد بها الجهات المسؤولة عن قطاع التربية والتعليم، فهي ما زالت تراوح في مكانها بشأن المتطلبات، كل الثقل وحمله تدفعه بإتجاه العوائل، فيما هي تعجز عن المعالجة الحقيقية لمشاكل التعليم، وأولها الحد من تغول التعليم الأهلي (رياض أطفال ومدارس وجامعات)، وكذلك حل مشكلة الأبنية المتهالكة المفتقرة للتدفئة والتكييف والمياه الصالحة للشرب والمختبرات، والدوام المزدوج والثلاثي مما أدى إلى زمن تقليص الحصة الدراسية، وتكدس الطلبة في صفوف فاقدة لشرعية الإستمرار ، ناهيك عن مشاكل التدريس وأدواته المعتادة على إسلوب التلقين بدلاً من تنمية التفكير النقدي والتحليل والمهارات العملية،فضلاً عن إن بعض المسؤولين لا يفهمون هذا ولا يستسيغون الحديث عنه، بيد إنهم لا زالوا يعيشون في إطار عقلية قديمة عنيت بالحفظ والتلقين أكثر من الفهم والإستيعاب، حتى بتنا نشهد (فعاليات) مبهرجة ومؤتمرات وندوات وحلقات نقاشية يميل منظموها إلى التحذلق والتظاهر بالحرص بخلاف ما يضمرون!؟، المهم لديهم تحقيق (أرقام)فعل من دون نتيجة، متناسين إن التعليم فيه من العراقة ما يمتد إلى آلاف السنين، حيث يمتلك العراق أحد أقدم التواريخ التعليمية في العالم، وتعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد مع إختراع الكتابة المسمارية فيه، وإمتلاكه لواحدة من أوائل الجامعات المتكاملة في التاريخ (المستنصرية)، وصولا إلى النظام الحديث بتأسيس وزارة المعارف عام1921م.. بقي أن أذكر جزءا مما توصل إليه الخبراء والمختصون من حلول مقترحة لإصلاح نظام التعليم على وفق رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة، وهي ليست خافية على ذوي الشأن والمسؤولين والتي تتطلب سد العجز القائم عبر الإستثمار لبناء وتأهيل المدارس، مع ضرورة التحول الرقمي و الاهتمام الخاص بتحديث المناهج وربط التعليم بسوق العمل لتسهيل إنتقال الخريجين من الدراسة إلى العمل، وكذلك رفع حصة التعليم في موازنة الدولة لتصل إلى المعدلات الدولية لتغطية البنى التحتية، مع المعالجة والحد من التسرب ورعاية الطفولة المبكرة، وأذكركم ونفسي بالمثل القائل (من فتح باب مدرسة، أغلق باب سجن) و(الذي لا يتعلم صغيراً لا يتقدم كبيرا)، فالتعليم هو السلاح الحقيقي للإنسان في مواجهة الحياة وإنارة عقله وهدايته.. والسلام!..