الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الابعاد الراديكالية في مسرحية (الرصيف) للكاتب العراقي محمد عبدالخضر الحسيناوي


الابعاد الراديكالية في مسرحية (الرصيف) للكاتب العراقي محمد عبدالخضر الحسيناوي

رواء محمد خالد

 

تعد مسرحية (الرصيف  الصادرة عن دار المتن للنشر 2020) للكاتب المسرحي العراقي (محمد عبدالخضر الحسيناوي) من المسرحيات المعاصرة التي ترصد حراك التغيير والاحتجاج ومحاولات الإصلاح من خلال ثورة الفقراء والمعوزين وذلك نتيجة الظلم الذي تلاقيه هذه الطبقة ونتيجة استشراء الفساد الإداري والمالي والكاتب يتصف بالجرأة في هذا النص المسرحي كونه يدخل في توصيفات دقيقة تكون سبباً في نكسة هذا الشعب ويعني الشعب العراقي وبالتالي يقدم نقداً اجتماعياً للواقع السياسي المتناقض وما انتجه من أفكار ورؤى كانت سلبية وسوداوية على بنى المجتمع العراقي سواء عبر المجال السياسي او حتى الاجتماعي والاقتصادي وهنا يرصد الكاتب تمظهرات العوز الاجتماعي عبر شرائح عمالية او أناس بسطاء يعملون اعمال شاقة بسيطة لا تغنيهم من قساوة هذه الحياة وصعوبتها لتصل ردة الفعل الراديكالية بمجمل الوعي الجماعي لهذا المجتمع الذي يعاني الى ثورة الاحتجاج والمطالبة بتغيير الأوضاع وإصلاح ما يمكن إصلاحه في منظومة السياسية العراقية وهي من المسرحيات المعاصرة القلائل التي امتازت بالطرح المباشر للراديكالية عبر تشخيص مسببات البيروقراطية السياسة والفساد الإداري المستشري وحصر الثروات بيد ارباب السلطة وقادتها المتنفذين : وعبر الكم الانتقادي الهائل في هذه المسرحية وهو الخطوة الأولى في بسط مفاهيم الراديكالية عبر بيان مثبطات الإصلاح والتغيير من خلال عكس قضية الإصلاح والتغيير بمسببات الازمة التي يمر بها الشعب العراقي وهذا ما دار في بداية المسرحية ما بين الام واحد القادة القادمين من خلف الحدود لادارة دفة الحكم والتسلط على مقدرات الشعب: ((الام : اي جنس انتم . رجل 1: جنس يبحث عن حياة))((رجل 1: الى اين كنا هناك واتينا لكم نخلصكم ونخلص عليكم .الام : جئتم وزادت احمالنا )) ما بين رؤية التخليص والخلاص ثمة جدلية تتمظهر بسلوك القيادة الإدارية لمقدرات البلد وكيف استاء الشعب برمته من هذا الأداء الحكومي الذي كانوا ينتظرونه بصورة افضل مما جعلهم يقدمون رؤية ناقمة على هذا الأداء السياسي والذي يصحب معه كل الويلات في المناحي والمجالات الأخرى المختلفة ، اذ يتماشى الهدف الراديكالي بإحلال تغيرات جديدة او نظام جديدة يتغاير من حيث الشكل والهدف مع النظام السابقة وهذا احدى المسارات التي اعتمدها المصلح التغييري الأول في الإطاحة بنظام دكتاتور جائر واذاق العراقيين الويلات ومنها الحصار الاقتصادي الى نقلة نوعية بمفاهيم الديمقراطية وحكم الأغلبية ومنح الحرية للشعب : ((الام : بالامس كنتم عراة تبحثون عن مأوى اين وعودكم . رجل 1 : نحن المخلصين ازحنا عنكم لعنة الامس الا نستحق القمة .

الام : الامس من اتى بكم وعربات تجرها الفئرات سحقا لكم فرقت الجمع وزرعتم الدم بكل الطرقات وامرتم غربان الشر تكتب السواد لتعلقه في كل بيت لولا سوادنا لم كنتم ))وعبر حوار الام (رمز الحنان والرقية والشجاعة والصراحة) والتي تظهر ردات فعل ناقمة على النظام الجديد الحاكم ولا تراه الا تمظهر دكتاتوري اخر لا (اصلاح) كما يدعي رجاله ، وبالتالي يجر نفس الويلات على الشعب العراقي ولم يتكشف ذلك للمواطنين الا عبر التجربة وحاكمية الأغلبية التي أطاحت بامال وطموحات الشعب الذي كان ينتظر اصلاحاً من نوع اخر : ((الطفل : اتركونا لم نعد شيئا ينفعكم . الام : اتركونا وارحلوا عنا ماعادت اجسادنا تتحمل . رجل 2: ارحل ارحل ارحل كلمات اسمعها منكم يا ناكري الجميل، كنتم هنا وكنا هناك نفترش الارض بالصحراء .الام : تاكلون وتشربون وتلعبون .

رجل 2: نلعب، من قال لك هذا تلك كانت اجتماعاتنا لاجلكم رحلنا)) ((طفل 3: كان يحلم كثيراً بوطن بوطن لا يبكي فيه الاطفال )) اتركونا ، ارحلوا هذه أولى مراحل الإصلاح بعد تشخيص دقيق لما يجب إصلاحه في النظام ككل اذ يظهر من خلال مسار المسرحية ان الكاتب المسرحي وابطاله في المتن المسرحي كانوا بدقة عالية من التشخيص الراديكالية لظاهرة انعدام الخدمات والحياة بالنسبة للمواطنين وكانوا يرون ان المعالجة تكمن في تغيير هذا النظام برمته وإصلاح ما يمكن إصلاحه من التشريعات والقوانين التي ممكن ان تعيد للمواطنين حياتهم الكريمة التي كانوا يحلمون بها على الأقل فهم مابين نظامين يعانون من ضياع حقيقي لفرص الإصلاح والتغيير بما يحقق طموحاتهم وادركوا ان ما عليهم سوى التحرك الجاد والاحتجاج الشعبي من اجل احداث هذا الأثر الراديكالي المتمثل بقوة الاحتجاج وبقوة صوت الشباب الناهض من اجل الإصلاح وتبديل الأحوال الى الأفضل وهذا ما كانت تركز عليه شخصية (المراة) في هذا النص المسرحي بجدلها المستمر مع الرجال الذين يمثلون الطبقة الحاكمة في هذا النص المسرحي : هذه الطبقة هي من أحدثت معطيات التغيير والإصلاح عبر ما انتجته من كم المعاناة للشعب العراقي بحيث باتت تعيش العديد من الشرائح تحت طائل خط الفقر والعوز بخاصة في ظل ضياع الحريات وتلاشيها وتحول بعض الجهات الحاكمة الى سلطان تنفيذي يقتص من المواطنين بصورة مباشرة دون الاكتراث للقوانين النافذة في البلاد وهذا تشخيص واقعي من الكاتب لما جرى في العراق وبخاصة مع موجة الاحتجاجات المتفاوتة على النظام القائمة : ((الام : طردونا لأننا لا نملك دفع الايجار .طفل3: كنت معه قبل ان يذهب اخر مرة اعطاء البقال المال . الام : اقترضها ليذهب بها الى الموت. رجل2: لا علاقة لي بهذا الامر الغنائم وحدها ملكي هذا ما نصت عليه الوصايا)) ان الإصلاح السياسي هو عملية تحسين أو تعديل الأنظمة السياسية القائمة بهدف تحقيق أهداف معينة، مثل نمو العدالة، تعزيز الديمقراطية، أو تحسن في الأداء الحكومي. وغالبًا ما يتضمن الإصلاح السياسي تغييرات في القوانين، المؤسسات، أو الممارسات السياسية وكل هذه اجتمعت لتبلور فكرة الإصلاح التي نادى بها الشباب في هذه المسرحية وبخاصة في مشاهدها الختامية ، اذ تظهر الشخصيات وهي ناقمة على الوضع الحالي وترغب بشدة من تغيير الأوضاع ولكن الطبقة الحاكمة كانت تفرض نفسها بمنطق القوة ومحاولة تخدير الشعب بالانتظار والصبر وهي ذاتها الثيمة التي اذاقت الشعب الويلات من الأنظمة السابقة وهذا ما يتوضح في حوارات الرجال مع المراة والجدل المستمر حول التنحي وإصلاح الأوضاع او التمسك بمقاليد السلطة ومنحهم مزيد من الفرص لاصلاح الأوضاع بأنفسهم بدلاً من موجة الاحتجاجات والتظاهرات العارمة التي عمت في الشوارع من اجل الإطاحة بهذا النظام واحداث الإصلاح في مفاصله كافة : ((رجل 3: نحن قدركم انتم من اختار وكرر الاختيار.رجل 1: لو لم نكن هكذا لما تجددت الحياة لنا .رجل 2: لا ينقصكم سوى الصبر الصبر يال العجب ثلاثة عقود وانتم في سبات الا يمكنكم الصبر ثلاثة اخر  الام : الا تكتفوا بعقدين وترحلوا من حيث اتيتم )) غالباً ما يهيمن خطاب التعالي من السلطة ويرمز الى ان التابعين مجرد ادوات لا طائل منها سوى تنفيذ اوامر السلطة او هم ادوات غير فاعلة ولا قادرة على تغيير انفسهم فضلاً عن السلطة ،وهو ما ينتج فكرة اقصائية واضحة تمتاز بالقسرية في تنفيذ الافكار والرؤى مما يحرض الجماهير بالضد من هذه الفكرة على الدوام كما هو حاصل في هذا النص المسرحي:((رجل1 : نحن منكم او كنا منكم واصبحنا اصحاب فضل عليكم . الام : اي فضل هذا الذي تتحدث عنه ؟ هروبكم عندما كنا نواجه الموت، الجوع  والالم ، احلامنا التي كانت تتهاوى امام اعيننا هل شربت الماء بالروائح الكريهة بعد جهد بحفر الارض او ذقت الرغيف مع الزجاج من مطحنة ابو هبة ؟ اين الجهاد ومن المجاهد يا مجاهد؟))هنا يتمثل شظف العيش بين نظامين ومقارنة بين أبناء الداخل والخارج وهي الثنائية التي سيطرت على جدل المشهد السياسي العراقي بعد 2003 ومن هم الذين عانوا وهي احدى انعكاسات الجدل المستمر في منظومة السلطة العراقية مما انتج خطاب مضاد من المتظاهرين يعبر عن سخطه واحتجاجه المستمر على ازداء عراقي الداخل بحجة انهم رضخوا للنظام السابق دون ان يحركوا ساكناً بهدف الإصلاح على عكس الحركات الإصلاحية التي جاءت من الخارج وانما هذا الخطاب يختلف تماماً عن رؤية عراقي الداخل الذين يرون بالمصلحين الجدد انما هربوا من جور النظام ولم يذوقوا المعاناة الحقيقية وهو بالدقة ما جرى ما الرجل الأول والام في حوارات هذه المسرحية . وبالحديث عن الإصلاح على المستوى السياسي والاقتصادي يعزز المؤلف رؤيته الراديكالية بمسارات شخصياته المسرحية وذلك عبر اظهار كمية المعاناة التي يمرون بها وبالتالي هي التي تدفهم جادين لمحاولة التغيير المستمرة عبر هذه المعطيات (معاناة الشعب) يحركهم هاجس التغيير والإصلاح والحلم الذي تمناه كل أبناء الشعب:

((عامل النظافة : عشرة اعوام وانا اجير اكنس كل يوم قذارتهم ولا املك راتباً ، اجير يومي ان تكاسلت يوما قطعوا يومي لم يعد بالعمر مسنداً اجير يومي وعمري تجاوز الخمسين ومازلت اجير يومياً لا املك متراً بهذا البلد المسكين ، فمتى يتغير الحال وتصلح الاحوال)) للسلطة العسكرية ارتباطاً بمفهوم الراديكالية من عدة محاور يمكن للسلطة العسكرية أن تستغل الأجواء الراديكالية لتبرير أفعالها أو لتحقيق أهدافها السياسية وقد تستخدم القوات المسلحة خطابًا راديكاليًا لتعبئة الشعب وراءها، أو لتبرير التدخل العسكري وفرضه بالقوة على أي مظاهر للاحتجاج ويؤدي وجود سلطة عسكرية قوية إلى ردات فعل  وحركات راديكالية مضادة فيرى أبناء الشعب (شخوص المسرحية) أن السلطة العسكرية تمثل تهديدًا للحرية والديمقراطية، مما يدفعهم إلى تبني أفكار راديكالية تهدف إلى مقاومة هذه السلطة عبر تنظيم مظاهرات احتجاجية لاصلاح هذا النظام او تغييره بالكامل: ((الضابط : على هذه الكلمة يحق لي اعتقالك بالتجاوز على المال العام. الام : التجاوز على المال العام ، وهل ابقيتم مالاً عاماً كل شيء ضاع))ولعل احد اهم اشكال الإصلاح الراديكالي في منحاه السياسي يتمثل في (الاعتصام) كما حدث في هذا النص المسرحي وهو شكل من أشكال الاحتجاج السلمي، عبر تجمع مجموعة (شخوص المسرحية كما في المشاهد الختامية) في مكان عام للتعبير عن مطالبهم أو احتجاجهم  الناقمة على إدارة الحكم وطريقة تنفيذ القوانين بانتقائية دون عادلة وذلك بهدف هو لفت الانتباه والضغط على السلطات الحاكمة (الرجال كافة في هذا النص المسرحي) لاتخاذ إجراءات معينة هدفها اصلاح أوضاع الشعب بصورة عامة ( كما طالب بذلك المراة وعامل النظام والطالب والعديد ممن مثل شرائح المجتمع بشخوص المسرحية هذه) : ((الام : مدينة تتحول لمدينة اكشاك خربة ارصفة الشوارع تلغى وتباع لن ارحل ، ساقف هنا واعتصم ، "بصوت عال" انا اعتصم هنا لن اسمح لهم بالغاء الحياة وزرع الرعب لن اسمح لهم ان يبيعوا كل شيء لن اسمح لهم بتدمير الجمال انا هنا اعتصم لكم يامن تسمع انت وانت وانتم يامن تبحثون في المزابل عن لقمة لعيالكم تعالوا هنا اعتصموا لنحيل كونوا احياء وغيروا من واقعوا ، اصلحوا حالنا بصوتكم وارادتكم)) وتصطف الشرائح الاجتماعية كافة لتبرير هذا الاعتصام ومنحه الشرعية المطلقة فعمد المؤلف لرص صفوف الاعتصام بطبقات وشرائح مجتمعية مختلفة أراد من خلالها ان يقول ان هذا الاعتصام جاء ضمن الوعي الجمعي السياسي بمصالح هذه الطبقات المهمشة والتي خرجت تطالب بالتغيير وتهتف من اجل التغيير والاطاحة بالسراق والفاسدين كما كانت هتافات الطالب والمرأة والام في المشاهد الختامية لهذا النص المسرحي : ((طالب : لا حياة لنا مع هؤلاء اما ان نكون او لا نكون تخرجت بعد عناء وجهد وسهر لاجد نفسي بلا عمل سأعتصم معك. امرأة : خمس بنات لا معيل لهم سواي تعبت من طرق الابواب كل يوم لاجد من يتصدق عليهم انا معكم. رجل : لم يعد بالعمر بقية اما العيش بكرامة و الموت لأجلها. طالب : يسق كل السراق. الام : لن نبرح هذا المكان الا بالتغيير نعم نعم للتغير . الكل : نعم نعم للتغيير)) وفي كل الأنظمة ثمة من يحاول ان يخطف الأضواء ويعتلي موجة الصخب والاحتجاج القائمة وبخاصة ان كانت الكفة تميل لهم وذلك عبر سرقة ثورتهم واحتجاجهم ومحاولة بعث خطاب يوحي للأخرين من أبناء الشعب بانهم مصطف مع المحتجين والمطالبين بالتغيير بينما فكرة التغيير الأساسية جاءت بناء على سياسيات هذا المسؤول الخاطئة بحق أبناء شعبه :((المسؤول : نعم نعم للتغير هذا شعارنا الذي لا نتنازل عنه فنحن مع ابناء شعبنا المظلوم ، نحن معكم بالافراح والاحزان نطالب بالتغيير نطالب بتقديم كل السراق للمحاكم نحن نتضامن مع الشعب لا نتنازل عن مطالب شعبنا نطالب بالتعينات ومساعدة العوائل المتعففة والمحتاجين نطالب. الام بدهشة : انت تطالب انت تطالب ايها المسؤول)) لتصل نهاية المسرحية الى اللحظة الأبرز من لحظات التغيير والهاتف باسم الوطن ورفع العلم العراقي وترديد عبارة الوطن والبحث عن وطن جديد خال من أي مظاهر من مظاهر الفساد فالهاتف هنا توحد ليصيغ لغة مواطنة موحدة تبتعد عن كل الفئويات الضيقة والاتحاد بهوية كلية مطلقة للوطن وهو الأساس الأول والأخير لتحقيق الإصلاح حسب الثيمة المركزية لكاتب النص المسرحي : ((الشباب: لا لم ينته العرض ، العرض ابتدأ الان .المسؤول : من هؤلاء ابعدوهم.ابعدوهم بالقوة " يأتي صف من الجماهير تحمل العلم العراقي وطبقات مختلفة من المجتمع".المسؤول : من انتم وكيف اجتمعتم وماذا تريدون .الكل : جئنا نبحث عن وطن ، جئنا نستعيد الوطن )) ان هذه المسرحية احدى مشاهد الاحتجاج والانتقاد الناقم للأوضاع السياسية القائمة وضد مركزية السلطة الحاكمة وهو المشهد الذي عاصره الكاتب المسرحي فهو ابن التجربة في نقد الأوضاع القائمة وهو من الطبقات التي تناهض كل ما يسبب لها الألم والمعاناة وبالتالي مطالبته بالإصلاح والتغيير عبر شخوصه المسرحية هو تبني ايدولوجي واضح وصريح لهذا الخطاب الإصلاحي الموجه إزاء السلطة الحاكمة وقادتها المتنفذين بمصادر القرار في العشرين سنة الأخيرة.

 

 


مشاهدات 38
أضيف 2026/08/22 - 1:46 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 2:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 26008 الكلي 16115712
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير