الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أيوب لايمان الكبيسي.. ملامح الراديكالية النسوية في المجموعة المسرحية


أيوب لايمان الكبيسي.. ملامح الراديكالية النسوية في المجموعة المسرحية

حيدر علي الاسدي

 

بين يدي المجموعة المسرحية (أيوب) وهي مسرحيات قصيرة من تأليف الاكاديمية والكاتبة العراقية (د. ايمان الكبيسي) وتضمن الكتاب الصادر عن دار كفاءة المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع في الاردن مسرحيات (رصيف77،مونودراما نشاز ،المصباح المنير، روليت، ايوب)  وقدم للكتاب الدكتورة سافرة ناجي ، وقبل الخوض في التحليل لتلك النصوص المسرحية لابد من الحديث عن مفهوم (المسرحية القصيرة) بوصفه من المفاهيم التجريبية الحداثوية في الادب المسرحي، وكان قد تنبأ الكاتب المسرحي اوغست ستريندبرغ بان المسرحية القصيرة ستكون (الدراما المستقبلية) وهذا الشكل الدرامي القصير يسميه الكاتب الفرنسي جان جوليان (شريحة الحياة) وايد ذلك الناقد المسرحي الألماني بيتر زوندي في كتابه (نظرية الدراما الحديثة) وعده من (التجديد) فمن العبث الإحاطة بكامل الحدث في الحياة وانما ومضات مؤثرة بالأعتماد على التركيز والخلاصات دون أي فوائض بالمقدمات والحلول والاضطراد اللغوي والاستطرادات الحوارية الجانبية والثانوية التي لا طائل منها فالمسرحية القصيرة ترتكز على تكثيف المعاني والرسائل المباشرة بدلالة رمزية مبنية على الدهشة والمفارقة والاثارة ، تبدأ مسرحية (رصيف 77) للمؤلفة ايمان الكبيسي من العتبة التي تحيل الى مادة قانونية تتعلق بوضع المرأة العراقية اذ ان  77 يرمز الى رقم قانون تسكين المطلقات في القانون العراقي : ((مادة 2 1 – تكون سكنى الزوجة المطلقة بمقتضى المادة الاولى لمدة ثلاث سنوات وبلا بدل وفق الشروط الآتيـة :

أ – أن لا تؤجر الدار أو الشقة كلا أو جزءا .

 ب – أن لا تسكن معها فيها أي شخص عدا من كانوا تحت حضانتها . جـ – أن لا تحدث ضررا بالدار أو الشقة عدا الاضرار البسيطة الناجمة عن الاستعمال الاعتيادي) في هذه المسرحية شخصيات مجردة اشارت لهما (هو/ هي) مع عيب بيولوجي في شخصية الزوج (اعرج) كانت تومئ له المؤلفة بانه اعتباري أكثر مما هو مادي، وفي هذه المجموعة تحضر الرؤية الراديكالية النسوية بوضوح في دفاع المؤلفة عن حقوق المرأة من هيمنة المجتمع الذكوري وبخاصة بهذه المسرحية تهيمن عليها الراديكالية النسوية بقوة اذ يرد على لسان شخصية (هو): ((هو : طموحك بالطيران سيقتلك. هي : كلما نبت جناح عمدت الى تمزيقه ، فراشات الحب غادرت مروجنا، دبابيرك أفسدت كل نتاج العسل/ص16) ((هو: ستندمين ...صاغرة الى سريري ستعودين» يسحبها نحو السرير». هي : كفاك لعبا على اوتار حاجاتي...غادرت سجنك ولن اعود. هو : لا جدوى من العيش من دوني.

هي عالمك منزوع العاطفة/ص16-17) يتوضح من خلال هذا المتن الحواري بحث المرأة عن حريتها بدلالة (الطيران) و (الفراشات) (نتاج العسل) والهيمنة الذكورية العنفوية بمعناها الرمزي بدلالة (القتل/ التمزيق/ الدبابير/ الافساد) فهو يفكر بإشباع غريزته وحسب وهي (تسعى لمغادرة) سجنه (منزل الزوجية القاسي بوصفه تحول من المكان المألوف الى المكان المعادي»المغلق») وهو يعتقد بانها لن تعيش سوى تابعة له (لا جدوى من العيش من دوني) بينما هي (المتلاحمة مع ذات المؤلفة) ذات مشاعية نسوية لا خاصة! أنما تسعى للبحث عن تغيير لوضعها جذريًا دون التشبث بهذا المشهد الذكوري القاسي فتبحث هي من خلال صوتها (صوت المؤلفة) الى تعرية هذا الزيف المجتمعي فالهيمنة الذكورية تتحد مع الهيمنة الاستبدادية بمعناها التسلطي عبر المقولة الميكافيلية بينما تسعى (هي) لفضح هذه الغايات عبر ضدية مناوئة تمثل راديكالية نسوية لا تقبل الخنوع او الخضوع بل مقاومة ثائرة منتفضة لكرامتها وحقوقها : ((هو : كل شيء في الحياة مبني على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة ، وغايتي اسعادك وذاتي اولاً. هي : غاياتك عند منتصف الجسد/ص17)) المؤلفة في هذا النص المسرحي واغلب نصوص المجموعة توظف العديد من الأغاني العراقية لتعميق المشاعر العاطفية للشخصية المسرحية النسوية بما تتناغم وكلمات الاغنية وموسيقاها العاطفية وموضوعاتها التي تنسجم ومتن الحدث وحالة المرأة لحظة الاغنية فمثلا في هذا النص سعت الى توظيف اغنية ( يالماخذات الولف) لسورية حسن، واغنية يا مضيع سنين العمر بفراكك.

 

ان المرأة هنا تظهر وانها لا ترغب بالبقاء على الوضع النمطي القائم فهي تكشف عن تمظهر الهيمنة الذكورية والعذابات التي لاقتها وهي تفضح كل الأساليب التي تريد ان تحولها الى عبدة ضمن مفهوم الابوية الذكورية داخل نطاق الهيمنة المجتمعية واستعباد المرأة ليس داخل عش الزوجية وحسب بل حينما يتحول الرجل الى متاجر ومقامر (بسلعة اسمها جسد زوجته) فيتحول هنا الى ذئب مرعب بدلاً من ان يكون وطنًا دافئًا لزوجته فقد جاء على لسان شخصية المرأة في هذا النص :  ((صارعت لأجله حاربت ..تنازلت عن كل شيء كي احظى بشرف عبوديته ، مملكة عند باب رغباته ، ما ان تمكن من كياني حتى تاجر بي...كنت اول بضاعة يعرضها للمارة «تضحك بهستيريا»  كان حريصًا ان يظهر ما يراه في من عيوب فهو لا يريد ان يغش الزبائن...المزاد معلن للبيع «تصفق وهي تجوب المسرح» الحاضر يعلم الغائب..الحاضر يعلم الغائب، حتى صار الحاضر يعلم والغائب ، لم يكن سواي ضمير غائب...احببته عندما ظننت فيه سندًا وطنًا ظلًا الوذ به عند الشدائد فكان ساندا لهزيمتي ، وطنا لعدائي ، ظل تلوذ به المكائد والاكاذيب ص18) هذا المونولوج الداخلي المطلوب خطاب مع الذات لا (للرجل) لأنه لا يستحق هذه الحوارية الاعتراضية الناقمة ، لذا لا يوجد له حضور في هذا المونولوج المتداعي كبطل مضاد في هذا الحوار بالذات سعت المؤلفة لغيابه بالكامل (كضد) حاضر في هذا الجدل الحواري وكأنها تلغيه من (حياة الزوجة) لأنه لا جدوى من وجوده المضر والثقيل على حياة المرأة (الزوجة).

 ان الرؤية الراديكالية النسوية حاضرة بقوة في هذا النص للدفاع عن المرأة وجسدها وحقوقها وقيمتها الاعتبارية الرمزية عبر المرموزات الحوارية الدالة هي (تحطيم القيد/ حطمت قيدا لن يكسر)(الحرية/ حريتي اغلى) (الحياة الجديدة/ بل احيا كما اريد ...وساجد انيسا حقيقيا)) (عدم الخضوع والتمرد/ كفاكن خضوعا وخنوعا، تجردن من سلبيتكن المعهودة ، قاتلن من اجل ما تحبين))(ص19) ((الاحترام/ سأختار انا لاعبا حقيقيا يحترم انوثتي رجلا يحتويني/ ص21)) كما ان المؤلفة تشبه الهيمنة الذكورية بشخوص من المدون التاريخي والاسطوري والسياسي (الحجاج/ شهريار/هتلر) رمزية الطاغون المستبد على المرأة وما مثلت تلك الرمزيات المستبدة من اسى والم للمرأة عبر التاريخ .

 كما ان الكبيسي حاولت ان توظف أصوات من خلف خيال ظل وفزاعات واقنعة وغيرها وهي احالات أيقونية لتحجيم الارادة والوجود الجوهري (للرجل) وابداله بأيقونات مفرغة المحتوى  اذ ان الفزاعات تحضر بقوة بأكثر من نص مسرحي وهي دلالة رمزية بوصفها اداة ترهيب ترمز لسلطة الاستبدادية وكذلك من الجانب الوجودي تمثل الفرد الفارغ من محتواه، وكذلك الغربان والاقنعة، كما ان المؤلفة تنطلق من الخاص للعام والعكس في محاولة تشبيه الهيمنة الذكورية برؤية شمولية فما ان تخرج المرأة من سجن احدهم حتى تقع باخر اشنع وابشع ، ((هي «تركض هاربة منه» انت هو ..كلكم مثله ...لن اعود ...لن أعود. العراف» ينزع عباءة العراف ليظهر بهيئة طليقها» انت خاطئة خاطئة مذنبة/ص28) اذ يتحول العراف الى (القاضي) بالاصطفاف مع الفهم الذكوري السائد ((هو : انت متهمة بخلق البلبلة في رصيف العاطلات ، تثيرين الرأي العام ضد النظام، وقد القي القبض عليك بالجرم المشهودص29)) لتجيء بعدها مباشرة اغنية كن منصفا يا سيدي القاضي. وكأنما تدين المؤلفة اصطفاف القانون مع الرجل ضد المرأة في هذا المشهد ، ولابد من الإشارة الى ان الارشادات في هذه النصوص المسرحية تمتن (الفعل الدرامي) مع المحذوفات التي تدل على الاختزال والاقتصاد لمعاناة المرأة فتكثر الوصفيات الارشادية التي تتحول الى (فعل درامي على الخشبة) مع (ايجاز لغوي واقتصاد بلاغي للمحذوفات ما بين الاسطر في هذه المسرحيات) والتي تدل على ان ثمة ما يجب ان يقال وثمة مسكوت عنه ما بين الاسطر يرتكز لمعاناة المرأة التي لا يمكن ان تقال في هذا المجتمع الشرقي الذكوري! لتطلق صرخة الختام برؤية راديكالية نسوية : ((هي» تصرخ وهي تسحب كل الحبال فتسقط كل الفزاعات ارضا» كلا لن تتمكنوا مني انا ذاهبة نحو تحقيق الحلم ..سأكون كما اريد...لا كما انت تريد...انا الان حرة...حرة...حرة..حايط انصيص ما اصير..جسر للطيبين ما اصير..حلمي اصير اغنية سبعينية بفم صغير لم يبلغ الحلم» اغنية زغيرة كانت وانت زغيرون// نهاية ص33)) باحثة عن الامل النقي للخلاص والتحرر وعدم الركون الى الخنوع والذل وتكون صرختها هذه كإغلاق الباب من قبل نورا في مسرحية بيت الدمية. اما النص الاخر (نشاز) تتسيد السردية الواصفة في هذا النص على حساب الحوارية المسرحية والمؤلفة تؤثث لبيئة وسيكولوجية المحيط لشخصية (المرأة) وهي تعيش تحت ضواغط عرفية وسيكولوجية وتتبنى خطاب التغيير والمغايرة ضمن انساق النسوية الراديكالية وعبر مباني رمزية اعتبارية تتحرك في فضاءها المرأة اذ تحضر ثنائية (الارتواء / العطش)( الماء/ الجفاف) (الانتظار) بوصفهما مهيمنات سيكولوجية على شخصية المرأة، ثم تثور ضد الانتظار السلبي ومفهوم العنوسة ((لما ابقيتني انتظر رضاك عمن يتقدم لي « تقلد صوت والدها» طبيب لا لا سينشغل عنك بجمع المال فالأطباء لا هم لهم سوى المال ،(وهي تنثر الصور) مهندس يكلمك بحساب ، يبتسم بحساب ويمضي عمرك دون حساب» ترمي صورة اخرى « ضابط لا لا لا كلها الا الضابط فحروبنا مستمرة ومن لم يمت بهه الحرب يفنى بغيرها وعندها تعودين الي فابقي ها هنا أفضل لك ولي (تعود لطبيعتها) عيوب الخُطاب جاهزة تختلف في كل مرة لتكون ذريعة للرفض ص43)) ان هذه الرؤية الاصلاحية التي تقدمها المؤلفة تتحدث عن منظور الازمة الاجتماعية للمرأة ووعيها بذاتها وتمردها وبحثها عن الاختيار الواع ومحاولة كسر الهيمنة الابوية المتمثلة بالمواقف المتصلبة وكلانية العلم والتحكم بالمصير، لتدين بذلك (المرأة الشخصية المسرحية/ المرأة المؤلفة) هذا المجتمع الراضخ المستلب، والذي يجرد المرأة من حقوقها في اتخاذ القرار والمصير وحرية الارادة لتتحول سلطة الاب الذكورية الى منظومة مهيمنة متكاملة تنتقل من الخاص الى العام عبر اليات الاستلاب الجماعي باستخدام الوصم الاجتماعي (عانس) او ( فاتها القطار) لتشكيل ضواغط سيكولوجية لكسر عقلانية اختيارها وتحديد مصيرها :((تلقبوني بالعانس وانتم الهتها ..رجال بلا عمل ، نساء بلا ارادة ـ تفكيركم لا يتعدى منتصف الجسد..واقعكم مرير ...وتحاسبوني لان قطاركم اعمى مشوه ..ممسوخ..حاكموني واصدروا أحكامكم كما تشاؤون لأنكم تعوضون عجزكم عن التغيير ، صامتون عن حق مستلب خانعون في ذل من تنصبونه سيدًا والها فمن لم يكن منكم عانسًا فليرمني بحجر/ ص47).كما اشتملت المجموعة على براعة لغوية في التوظيف والاحالة وانتقاد المفردات وتراكيب الجمل الواري كما ضمت في متنها احالات جميلة دلالة الطهر والنقاء (لن يرتضي البئر غير يوسف ساكنا) (البحر شرف بموسى لم يستقبل النكرات/ ص55) هذا ما تمظهر في نص مسرحية (المصباح المنير) وهي تستدعي القضية التاريخية الراسخة والمعبرة على المستوى الإنساني والديني والاصلاحي وهي قضية ثورة الإمام الحسين (ع) وواقعة الطف في كبلاء : ((يعدون فيغدرون ..يقولون فيكذبون يناصرون ظاهرا فيخونون « يذهب الى الجمهور» اينعت الثمار واخضر الجناب، وانما تقدم على جند مجندة وما ان جاء كانوا مجندين لقتاله. الحفار: هو خطاب سادة الكوفة/56)) وفي حوار اخر : ((جاء للإصلاح وانتم من دعاه للنجدة . الحفار: ربما نحن بشر وكل ابن ادم خطاء57)) وهنا المؤلفة ايمان الكبيسي تمزج بين المتن التاريخي والمعاصرة بحضور الدرامية والاسقاط الواقعي من خلال ما تعرضه من قضية (نساء سنجار) في نفس هذه المسرحية ، وفي مسرحية (روليت) تستدعي خطابات الحجاج بشخصية المجنون وهو يقامر بالهويات ، وفي خاتمة هذه المسرحية ثمة رسالة تربوية جميلة (( من الان فصاعدا لا وجود للقمار للروليت للتدخين داخل هذا المكان سيكون شعارنا اقرأ باسم العراق))، اما في مسرحية ايوب (دلالة الصبر) ايقونة الصبر المتمثلة بشخصية نبي الله أيوب، فتستمر المؤلفة باستدعاء النص القرآني ليكون ضمن سياق حدثها الدرامي :  ((هؤلاء بناتي هن اطهر لكم فاتقوا الله في انفسكم)) ثم تستعرض (بنات في مخيمات اللاجئين) ففي هذا النص تقدم مفهوم الخلاص ومعاناة البلد من خلال رؤية رمزية تنتقل من الخاص الى العام والعكس بطريقة تشير الى الوطن وابنائه وما يمر به من أزمات وويلات ومعاناة ، ثم تجري مقارنة ما بين حميمية الوطن وبساطته وبين ابهار المستورد ودلالة الاستيراد في هذا النسق : ((ايتها العطور المستوردة لقد ازحت رائحة الطين ...عطر المطر الملامس لتربتنا الطيبة ..عرق الرجال بعد نهار شاق..عطر جوري في حديثنا. الشبوي حتى الشبوي أصبح بدون عطر، كل شيء ناله الفسادص86-87)، انها مجموعة تحمل رسائل فكرية عن المرأة والوطن والمفاهيم المجتمعية المغلوطة التي يراد لها التغيير للخروج من الاستلاب والاغتراب الى فضاء الحرية والاستقلالية (الملتزمة) بالمتن الديني والإنساني لا الحرية المنفلتة كما تتصوره العديد من النسويات المعاصرات، بدلالة الرسائل المستدعاة من المتون الدينية والقرآنية في هذه المجموعة المسرحية.


مشاهدات 32
الكاتب حيدر علي الاسدي
أضيف 2026/07/31 - 11:49 PM
آخر تحديث 2026/08/01 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 45 الكلي 15999750
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير