الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صولة الفجر وما قبلها.. حين تقتل المؤسسة القدرة على الإعتراض يتورّم الفساد

بواسطة azzaman

صولة الفجر وما قبلها.. حين تقتل المؤسسة القدرة على الإعتراض يتورّم الفساد

زينب جاسم الساعدي

 

في فجر الثامن والعشرين من حزيران 2026، استيقظ العراقيون على حدث غير مألوف، قوات أمنية تنتشر في بغداد، أوامر قبض تطال شخصيات سياسية ومسؤولين ورجال أعمال، وحملة بمسمى (صولة الفجر)، وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة القبض على 21 متهما، فيما استمرت ملاحقة آخرين على خلفية ملفات فساد مالي وإداري كبيرة.

كان المشهد صاخبا، اعتقالات، تحقيقات، أسماء كبيرة، وحديث عن أموال عامة، لكن السؤال الأكثر الحاحا كان قد بدأ فعلا قبل تلك الليلة بسنوات، ماذا كان يحدث داخل المؤسسات التي مرت عبرها القرارات والمعاملات والعقود والتواقيع، من كان يرى الخلل، ومن اعترض، وماذا حدث لمن اعترض؟.

مساره وظيفي

قضايا الفساد الكبرى نادرا ما تولد بالحجم الذي نراه عند لحظة الانفجار، تبدأ بقرار يجري تمريره، وقاعدة يجري تجاوزها، وموظف يعترض ثم يكتشف أن اعتراضه كلفه الكثير، ومسؤول يفهم تدريجيا أن قربه من صاحب القرار أكثر فائدة لمساره الوظيفي من جودة أدائه، ومع تكرار هذه التفاصيل تخسر المؤسسة واحدا من أهم أنظمتها الدفاعية، الموظف  المهني الموجود داخلها.

البنك الدولي، في تقريره لعام 2026 عن أداء القوى العاملة العامة، يضع جودة إدارة الموظفين في صلب قدرة الدولة على تقديم الخدمات وإدارة الموارد، مستندا إلى بيانات واسعة شملت أكثر من 200 ألف موظف حكومي في 30 دولة، فيما تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الجدارة في قلب الإدارة العامة المهنية، عبر معايير موضوعية وشفافة في التعيين والترقية والتقييم.

وحين تخضع هذه المسارات للعلاقات الشخصية وشبكات النفوذ، تتغير الحوافز داخل المؤسسة، ويتعلم الموظفون بسرعة ما الذي يكافأ فعلا، الإنجاز أم القرب، المبادرة أم الصمت، المعرفة أم القدرة على إرضاء المسؤول، وتتكون بالتدريج سلطة موازية لا تظهر في الهيكل التنظيمي، شخص يستطيع الوصول إلى المسؤول، وآخر ينقل إليه ما يدور، وثالث يستطيع تعطيل معاملة أو تسريعها، ومع الوقت تصبح هذه الشبكة أقوى من القواعد المكتوبة.

قتل الكفاءة في مثل هذه البيئة يجري بهدوء، صاحب الفكرة يحسب كلفة طرحها، والخبير يتعلم أن معرفته قد تجلب له المتاعب، وصاحب المبادرة يكتشف أن تجاوزه المستوى المتوقع منه قد يضعه في مواجهة مع من استقر نفوذهم على بقاء الأشياء كما هي.

وتبدأ هجرة لا تحتاج إلى جواز سفر، يبقى الموظف في مكتبه، يحضر ويوقع وينجز الحد الأدنى المطلوب، ثم يسحب بالتدريج خبرته ومبادرته وفضوله من المؤسسة، الجسد ما زال على الكرسي، والكفاءة غادرت المكان.

تدرس علوم الإدارة هذه الحالة ضمن مفاهيم (الانسحاب الوظيفي) والصمت التنظيمي، فيما تضع منظمة العمل الدولية ضعف استخدام مهارات العاملين، وقلة مشاركتهم في القرارات، وسوء الاتصال، والإدارة السلطوية، وضعف الدعم ضمن المخاطر المرتبطة ببيئة العمل.

ويمتد الأثر إلى الآخرين، الموظف الجديد يراقب من يترقى ومن يتعطل، وصاحب المبادرة يرى ماذا حدث لزميله، وبعد مدة تتكون ثقافة غير مكتوبة، اعمل بالقدر المطلوب، تجنب الأسئلة الصعبة، ولا تجعل نجاحك أكبر من المساحة المسموح بها.

وبمرور الوقت تبدأ المؤسسة بانتقاء الأشخاص الأكثر قدرة على التكيف مع ضعفها، وتتحول الكفاءة إلى مصدر إزعاج، لأن الموظف الذي يعرف القانون قد يعطل قرارا غير سليم، والمتخصص قد يسأل عن جدوى مشروع مكلف، والمدقق الجيد قد يطلب وثيقة إضافية، وصاحب المبادرة قد يكشف بفكرته ضعف الطريقة القديمة.

مسؤول رقابي

عند هذا المستوى تلتقي قضية الكفاءة بقضية النزاهة، فالفساد يحتاج إلى المال والنفوذ، ويحتاج قبل ذلك إلى مؤسسة فقدت قدرتها على الاعتراض، موظف خائف، وخبير صامت، ومسؤول رقابي يعرف حدود الأسئلة المسموح له بطرحها، وإدارة تكافئ التكيف أكثر مما تكافئ الأداء.

وتقدم سنغافورة تجربة معاكسة تستحق التأمل، فقد ورثت عند بدايات بناء دولتها الحديثة جهازا عاما كان الفساد منتشرا في أجزاء منه، ثم بنت منظومة جمعت بين قوة التشريع والتحقيق والمساءلة والوقاية، وربطت الخدمة العامة بالجدارة، ووسعت صلاحيات مكتب التحقيق في ممارسات الفساد، وجعلت مراجعة الثغرات الإدارية جزءا من عمل مكافحة الفساد، فالمسؤولية تمتد إلى الإجراءات التي أتاحت الواقعة وكيفية منع تكرارها.

والنتيجة قابلة للقياس، ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 جاءت سنغافورة في المرتبة الثالثة عالميا من أصل 182 دولة بدرجة 84 من 100، والأولى في آسيا والمحيط الهادئ، كما جاءت خامسة عالميا في مؤشر البنك الدولي للسيطرة على الفساد. تكشف التجربة السنغافورية قيمة الوقاية المؤسسية، فالجدارة والنزاهة جزء من كفاءة الجهاز العام، ومكافحة الفساد تبدأ داخل المؤسسة، في طريقة اختيار الأشخاص وترقيتهم، وفي قدرة الموظف على الاعتراض، وفي حماية المسار المهني من شبكات النفوذ، قبل أن يصل الملف إلى المحقق.وتعيدنا هذه الفكرة إلى «صولة الفجر»، فكل قضية فساد كبرى تستحق أن تفتح إلى جانب الملف الجنائي ملفا مؤسسيا آخر، كيف استطاع الفساد أن يتضخم كل هذا الوقت.

ماذا حدث لأنظمة التدقيق والرقابة، أين كانت قنوات الاعتراض، من حذر في المراحل الأولى، وماذا حدث له؟

بعد كل قضية فساد كبرى نسأل، من سرق؟

والدولة التي تريد منع القضية التالية تحتاج إلى سؤال أصعب، كم شخصا كان يستطيع أن يوقف هذا المسار في بدايته، ولماذا لم يستطع؟

الإجابة تقود إلى إصلاح الإدارة، مؤشرات أداء قابلة للقياس، معايير معلنة للترقية، قنوات مستقلة وآمنة للشكاوى والإبلاغ، مراجعة القرارات المؤثرة في المسار المهني، وتقييم المديرين بقدرتهم على تطوير فرقهم واستثمار الكفاءات، مع تدوير المناصب لمنع تحول الموقع الإداري إلى شبكة مصالح دائمة.

الدولة تبدأ بخسارة جهاز مناعتها حين يقرر أفضل موظفيها البقاء والصمت، تحتفظ المؤسسة بمكاتبها وهياكلها واجتماعاتها وتقاريرها، وتفقد بالتدريج قدرتها على رؤية أخطائها وتصحيحها.

وحين تصل القضية بعد سنوات إلى القضاء نراها في صورتها الأخيرة، ملف فساد متورم، متهمون، أموال مهدورة وتحقيقات.

أما البداية، فربما كانت موظفا قال ذات يوم، (هذا الإجراء خطأ)

ثم شاهد  الجميع ماذا حدث له.

 

حقوقية وناشطة مدنية

 

 

 

 

 


مشاهدات 35
الكاتب زينب جاسم الساعدي
أضيف 2026/08/22 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/08/23 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 132 الشهر 27736 الكلي 16117440
الوقت الآن
الأحد 2026/8/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير