الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة

بواسطة azzaman

لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة

شهاب أحمد الفضلي

 

يقول نيتشه: (لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة) لا تبدو هذه العبارة مجرد انفعال شاعر مفتون بالنغم، أو موقف فلسفي يرى أن الوجود الإنساني، يحتاج إلى ما يخفف حدته، ويمنحه معنى يتجاوز الحسابات الجافة. فإذا كانت الحياة سلسلة من الوقائع اليومية في العمل والانتظارات، فإن الموسيقى تمنح هذه الوقائع بعدًا آخر، كأنها تفتح نافذة داخل التجربة نفسها. غير أن قيمة الموسيقى لا تكمن في كونها نغمًا جميلًا فحسب، ولكن في قدرتها على تحويل ما لا يقال إلى إحساس مفهوم، وما يختنق في الداخل إلى نبرة قادرة على العبور.

أعتقد أنه من الإنصاف القول إن الناس لا يستطيعون دائمًا تفسير أحزانهم أو فهم أفراحهم. أحيانًا تعجز الكلمات بالتعبير عن المشاعر، فهي قاصرة عن استيعاب ما نختبره. هنا يأتي دور الموسيقى في سدّ هذه الفجوة. فهي لا تحتاج إلى قاموس، ومع ذلك تستطيع الوصول إلى أعمق زوايا الروح. قد يساعد لحن هادئ يُسمع وسط الاضطراب على إعادة بعض النظام إلى حياة المرء الداخلية؛ وقد تلامسنا أغنية قديمة بإعادتنا إلى لحظة لا تبقى إلا في الذاكرة. لعل هذا ما قصده نيتشه: الموسيقى ليست شيئًا يُضاف إلى الحياة من الخارج، ولكنها وسيلة لجعل الحياة ملموسة، ومفهومة، ومحتملة.

ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع العبارة كما لو كانت حقيقة علمية مطلقة. فالحياة لا تصبح «غلطة» حرفيًا في غياب الموسيقى، لأن البشر يختلفون في علاقتهم بالفن، وفي حاجتهم إليه، وفي طرائقهم الخاصة لمواجهة العالم. بيد أن قوة العبارة تكمن في مبالغتها المقصودة؛ فهي لا تقدم حكمًا تجريبيًا، وإنما تكشف عن نقص عميق يصيب التجربة الإنسانية حين تُحرم من الجمال. لذا يمكن قراءتها بوصفها دفاعًا عن الجانب الوجداني من الإنسان، في مواجهة عالم يميل كثيرًا إلى النفعية، والسرعة والاستهلاك.

  لا يمكن أن يكون هناك شك في أن الموسيقى تؤثر على مشاعرنا فالموسيقى يمكن أن تذهب أبعد من ذلك عن طريق التأثير على عملية تفكيرنا، وجعلنا ندرك العالم من حولنا بطريقة جديدة، ففي العديد من الحالات، يبدو أن طريقة عيشنا لحياتنا اليومية قد تغيرت، بعد أن سمعنا بعض الموسيقى، وحتى لحظة عادية من حياتنا اليومية، تصبح جزءاً من ذكرياتنا بسبب الموسيقى التي رافقتنا، وهذا هو السبب في أن الموسيقى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأحداث المهمة في حياتنا اليومية، على شكل الأغاني التي نسمعها في الأفراح، أو ترانيم النوم التي كنا نستمع إليها في طفولتنا، أو القطع الموسيقية التي تصبح جزءاً من رحلاتنا، أو الموسيقى التي تُعزف في أثناء حفل الوداع.

غير أن هذا الأثر لا يحدث بالطريقة نفسها لدى الجميع. فاللحن الذي يثير الشجن عند شخص ما،  قد لا يعني شيئًا لشخص آخر، والأغنية التي تمنح الطمأنينة لفرد معين، يمكن أن تفتح جرحًا قديمًا عند غيره. وهذا الاختلاف لا يضعف شأن الموسيقى، بل يثبت أنها ليست مادة جامدة، وإنما تجربة تتشكل داخل الذاكرة واللغة والثقافة. فمن هنا، يصبح الاستماع فعلًا شخصيًا، بقدر ما هو فعل جمالي؛ فنحن لا نسمع الأصوات وحدها، إلا أننا نسمع معها تاريخنا الخاص، وما علق فينا من وجوه وأماكن ومواسم.وعلى مستوى الثقافات، فان الموسيقى تبدو سجلًا حيًا لهوية الشعوب.

إذن   الثقافة ليست قالبًا واحدًا، ولا يمكن اختزال شعب كامل في لون موسيقي بعينه، لكن الأنماط الموسيقية تكشف غالبًا عن طريقة الجماعات في التعبير عن نفسها. ففي المقامات العربية نجد مساحة واسعة من الطرب والتأمل والانكسار النبيل، بينما تمنح الإيقاعات الإفريقية في كثير من صورها إحساسًا بالحركة والجماعة والاحتفال. أما الموسيقى الهندية فتقترن في جوانب كثيرة منها بالتأمل الروحي والصبر على امتداد النغمة، في حين بنت الموسيقى الغربية الكلاسيكية عبر تاريخها عوالم مركبة من التناغم والتصعيد والبناء الدرامي. وبذلك لا تكون الموسيقى مجرد فن مستقل، لكنها وثيقة غير مكتوبة تحمل أثر المكان والذاكرة والطقس الاجتماعي.

وقد يعترض قائل بأن الموسيقى تظل ترفًا، وأن المجتمعات لا تبنى على الألحان بل على العمل والمعرفة والمؤسسات. وهذا اعتراض له وجاهته إذا فهمنا الموسيقى بوصفها تسلية عابرة. أما إذا نظرنا إليها من جهة وظيفتها النفسية والثقافية، فسنجد أنها تشارك في بناء الوعي الجماعي، وتمنح الأفراد وسيلة للتعبير والانتماء. فالأغاني الشعبية، مثلًا، لا تحفظ الكلمات فقط، وانما تحفظ طريقة الناس في الفرح والحزن والسخرية والمقاومة. لذلك يمكن أن يختفي حدث من الكتب الرسمية، لكنه يبقى في أغنية تتناقلها الذاكرة العامة.

وفي المجال النفسي، لا يصح القول إن الموسيقى علاج سحري يزيل القلق والاكتئاب بمجرد الاستماع، غير أن الدراسات المعاصرة تشير إلى أن استخدامها ضمن برامج منظمة قد يساعد على تخفيف التوتر وتحسين المزاج ودعم الصحة النفسية. والفرق مهم بين المبالغة والإنصاف؛ فالموسيقى ليست بديلًا عن الطبيب أو المعالج حين تكون الحاجة قائمة، لكنها قد تكون رفيقًا علاجيًا مساعدًا، يتيح للإنسان أن يهدأ، وأن يعبر عن مشاعره بطريقة أقل صدامًا من الكلام المباشر. من الممكن أن تمنح جلسة موسيقية مريضًا قلقًا مساحة آمنة للتنفس، أو تساعد شخصًا مكتئبًا على ملامسة شعور كان مغلقًا في داخله.

وتظهر قوة الموسيقى بوضوح في السينما والمسرح. فالمشهد البصري قد ينقل الحدث، لكن الموسيقى


مشاهدات 58
الكاتب شهاب أحمد الفضلي
أضيف 2026/08/21 - 11:34 PM
آخر تحديث 2026/08/22 - 1:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 25937 الكلي 16115641
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير