الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهند تطبق مقولة إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

بواسطة azzaman

الهند تطبق مقولة إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

عبدالقادر حداد

 

لطالما كانت عبارة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: “إذا الشعب أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر” رمزًا لقدرة الشعوب على فرض إرادتها عندما تتوحد حول قضية عادلة. ورغم أن هذه المقولة ارتبطت تاريخيًا بحركات التحرر والثورات، فإنها تظل تعبر عن حقيقة سياسية أوسع، مفادها أن الحكومات، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع تجاهل إرادة المواطنين إلى ما لا نهاية عندما تتحول المطالب الشعبية إلى قوة منظمة ومستمرة. وما شهدته الهند مؤخرًا يقدم مثالًا على هذه الفكرة، حيث استطاع الحراك الشعبي، بقيادة الشباب والطلاب، أن يفرض نفسه على المشهد السياسي، لينتهي باستقالة وزير التعليم بعد تصاعد الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية أزمة الامتحانات.

بدأت الأزمة عندما تفجرت فضيحة تتعلق بامتحانات القبول الجامعي، وهي امتحانات تحدد مستقبل ملايين الطلاب في بلد يتجاوز عدد سكانه مليارًا وأربعمائة مليون نسمة. فقد أثارت اتهامات بتسريب الأسئلة ووجود تجاوزات في إدارة الامتحانات موجة من الغضب، ليس فقط لأن الأمر يتعلق باختبار أكاديمي، بل لأنه يمس مبدأ تكافؤ الفرص، وهو أحد أهم أسس العدالة الاجتماعية. بالنسبة إلى ملايين الأسر الهندية، يمثل التعليم الطريق الأهم للترقي الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة، ولذلك فإن أي خلل في منظومة الامتحانات لا يُنظر إليه بوصفه خطأ إداريًا فحسب، وإنما باعتباره اعتداءً على أحلام جيل كامل.

غير أن الاحتجاجات لم تكن مجرد رد فعل على حادثة واحدة، بل كشفت عن تراكم مشكلات أعمق عاشها الشباب خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت معدلات البطالة بين الخريجين، وازدادت المنافسة على الوظائف الحكومية، وأصبح النجاح في الامتحانات المصيرية مرتبطًا بإنفاق مبالغ كبيرة على مراكز التدريب الخاصة، في حين تكررت حوادث تسريب الامتحانات في أكثر من مناسبة، ما أدى إلى تراجع الثقة بالمؤسسات المسؤولة عن تنظيمها. وهكذا تحولت قضية الامتحانات إلى عنوان لأزمة أكبر تتعلق بمستقبل الشباب، وعدالة الفرص، وكفاءة الإدارة العامة.

وفي خضم هذه الأحداث، برزت حركة شبابية عرفت باسم “حركة الصراصير”، وهي تسمية تحمل دلالة رمزية لافتة. فقد جاءت بعد أن استخدم أحد المسؤولين وصف “الصراصير” بحق الشباب المحتجين، في محاولة للتقليل من شأنهم، إلا أن هؤلاء قلبوا المعادلة، وحولوا الوصف إلى شعار يعبر عن قدرتهم على الصمود والاستمرار، تمامًا كما يعرف عن الصرصور قدرته على البقاء في أقسى الظروف. وانتشرت الحركة بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تنتقل إلى الشارع، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشبابية في الهند خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من التنظيم الرقمي والتواصل المباشر بين الطلاب في مختلف الولايات.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، وجدت الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة. فمن جهة، كانت حريصة على الحفاظ على هيبة الدولة واستمرار المؤسسات، ومن جهة أخرى، أدركت أن تجاهل الغضب الشعبي قد يؤدي إلى تعميق الأزمة وفقدان الثقة لدى شريحة واسعة من الشباب. لذلك اتجهت إلى اتخاذ إجراءات لاحتواء الموقف، كان أبرزها قبول استقالة وزير التعليم، إلى جانب الإعلان عن مراجعة عدد من السياسات والإجراءات المتعلقة بالامتحانات، في محاولة لاستعادة الثقة وتهدئة الشارع.

إن استقالة وزير لا تعني بالضرورة أن جميع المشكلات قد انتهت، كما أنها لا تشكل وحدها دليلًا على نجاح الإصلاح أو فشله. إلا أنها تحمل دلالة سياسية مهمة، وهي أن المسؤولية السياسية لا تقتصر على ارتكاب المخالفة بشكل مباشر، بل قد تمتد إلى تحمل تبعات الإخفاقات التي تقع ضمن نطاق مسؤولية الوزارة. وفي كثير من الأنظمة الديمقراطية، تُعد الاستقالة أو الإقالة إحدى وسائل تحمل المسؤولية السياسية وامتصاص الغضب الشعبي، إلى جانب فتح المجال أمام إصلاحات مؤسسية أوسع.

وتبرز التجربة الهندية أيضًا أهمية المجتمع المدني ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام. فقد لعبت هذه الوسائل دورًا كبيرًا في نقل معاناة الطلاب، وتوثيق الاحتجاجات، وكشف أبعاد الأزمة، وهو ما جعل من الصعب احتواء القضية بعيدًا عن أنظار الرأي العام المحلي والدولي. كما ساهمت في توحيد مطالب المحتجين وتحويلها من مطالب فردية إلى قضية وطنية شغلت المجتمع الهندي بأكمله.

ولا يعني ذلك أن التجربة الهندية خالية من التحديات أو أنها تمثل نموذجًا مثاليًا. فالاحتجاجات شهدت مواجهات مع قوات الأمن، وتعرض بعض المشاركين للاعتقال، كما أن الحكومة تعرضت لانتقادات بسبب طريقة تعاملها مع بعض المظاهرات. إلا أن ما يلفت الانتباه هو أن الأزمة انتهت بخطوات سياسية واضحة، ولم تُترك دون استجابة، وهو ما يعكس إدراكًا بأن استمرار تجاهل مطالب الشارع قد تكون كلفته السياسية أكبر من اتخاذ قرارات صعبة.

إن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذه الأحداث هو أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى المجتمع والاستجابة للمطالب المشروعة ضمن الأطر الدستورية والقانونية. فالدول التي تمتلك مؤسسات مرنة قادرة على تصحيح أخطائها وتعزيز الثقة بين الحاكم والمحكوم تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وتحقيق الاستقرار.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في الهند أن الشعوب، عندما تتوحد حول قضية عادلة، تستطيع أن تفرض حضورها في صناعة القرار العام. ولذلك، فإن مقولة أبي القاسم الشابي لا تزال تحتفظ براهنيتها، ليس باعتبارها دعوة إلى الثورة بقدر ما هي تأكيد على أن الإرادة الشعبية، حين تكون واعية ومنظمة ومستمرة، تستطيع أن تدفع المؤسسات إلى مراجعة قراراتها وتصحيح مسارها. وهكذا، قدمت الهند مثالًا جديدًا على أن الاستجابة لمطالب المواطنين ليست علامة ضعف، بل قد تكون تعبيرًا عن حيوية النظام السياسي وقدرته على التكيف مع إرادة المجتمع، لأن استقرار الدول في نهاية المطاف لا يقوم على السلطة وحدها، بل على الثقة المتبادلة بين الدولة ومواطنيها .

 


مشاهدات 53
الكاتب عبدالقادر حداد
أضيف 2026/07/27 - 3:58 PM
آخر تحديث 2026/07/28 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 81 الشهر 30244 الكلي 15995370
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير