الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من موازنة العلاقات إلى صناعة موقع الدولة

بواسطة azzaman

أربع عواصم وجدول عراقي واحد

من موازنة العلاقات إلى صناعة موقع الدولة

كاظم نزار الركابي

 

قبل أن تستقر حقائب واشنطن في بغداد، كانت طائرة رئيس الوزراء تحط في مهرآباد. اتفاقيات كبرى وراءه، ووثائق تعاون جديدة أمامه، وأنقرة والرياض في أفق الجولة. في ظاهر المشهد، تتحرك حكومة فتية بسرعة بين عواصم ثقيلة. وفي جوهره، يقف العراق أمام امتحان أعمق: هل يحمل إلى العواصم الأربع جدولًا عراقيًا واحدًا، أم يعود من كل عاصمة بجدول يزاحم ما قبله؟

في واشنطن، دخل الاقتصاد من أوسع أبوابه: طاقة وغاز وأنابيب وتكنولوجيا واستثمار. وفي طهران، حضرت الجغرافيا بثقل الحدود والتجارة والطاقة والأمن. وفي أنقرة ينتظر الماء وطريق التنمية والنفط وأمن الحدود. أما الرياض، فتفتح نافذة للربط العربي والاستثمار وتنويع الشراكات. أربعة أبواب مختلفة. والعراق الذي يريد استرداد موقعه يدخلها بهوية واحدة. فالدولة لا تبدأ من السؤال عما يريده الآخرون منها؛ تبدأ من الجواب عما تريده هي لنفسها.

التوازن الذي لا يصنع مركزًا

اعتادت السياسة العراقية وصف الحركة بين واشنطن وطهران بأنها توازن: زيارة تقابلها زيارة، وتصريح يطمئن عاصمة يعقبه موقف يبدد قلق الأخرى. تساوي الرحلات لا يصنع استقلالًا. والوقوف في منتصف المسافة لا يمنح البوصلة. المشهد يبدو متوازنًا، والقرار يبقى موزعًا بين قوى الجذب.وقدّم هذا الأسبوع برهانه بلا مواربة. في اليوم نفسه الذي حطت فيه الطائرة في طهران، نفى وزير الخارجية الإيراني أن يكون رئيس الوزراء العراقي وسيطًا أو حاملًا رسالة أمريكية، وأضاف أن عدد الدول القادرة على أداء هذا الدور كافٍ. وبعد يومين نشرت صحيفة أمريكية أن طهران رفضت مقترح وقف إطلاق نار نقله رئيس الوزراء، فسارع مكتبه إلى نفي الرواية جملة وتفصيلًا. عاصمتان تبرّأتا من الدور ذاته في يومين. الدور الذي تنفيه العواصم قبل أن تمنحه دورٌ لم يُمنَح بعد.ذلك هو التوازن الحسابي: أن تتساوى الزيارات وتختلف الغايات، وأن تتعدد الشراكات من دون أن تنتظم داخل مشروع وطني واحد. أما التوازن السيادي، فيبدأ عندما تصل بغداد إلى كل عاصمة من الموقع نفسه، وبالأولويات نفسها، وبالحدود التي لا تتبدل عند كل باب.

من حق واشنطن أن تنظر إلى العراق من نافذة أمنها ومصالح شركاتها وصراعها مع إيران. ومن حق طهران أن تقرأه من زاوية أمنها القومي وعمقها الاقتصادي والإقليمي. ولأنقرة حساباتها في المياه والحدود والتجارة، وللرياض رؤيتها في الاستقرار والتوازن العربي والاستثمار. هذه مصالح مشروعة لأصحابها. والمصلحة التي تضيع بينها هي مصلحة العراق.

السؤال الأعلى إذن لا يتعلق بكيفية طمأنة العواصم الأربع. يتعلق بكيفية إقناعها بأن بغداد عادت تعرف نفسها، وأن صداقتها مفتوحة للجميع، وقرارها ملك لدولتها وحدها.

سيادة الجدول الواحد

تحتاج الجولة إلى ما أسمّيه سيادة الجدول الواحد: أولويات وطنية ثابتة تدخل بها الدولة علاقاتها كلها، فلا تمنح عاصمة حق إعادة تعريف العراق، ولا تسمح لملف منفرد بأن يسحب البلد إلى مدار لا يختاره.

وفق هذا الجدول، لا تبقى الاتفاقيات الأميركية أرقامًا تتوهج في الأخبار ثم تبرد في الأدراج. تتحول إلى طاقة مستقلة، ومنافذ تصدير متعددة، ومعرفة تنتقل، ومصانع تعمل، وفرص تصل إلى الشباب. والعلاقة مع إيران لا توضع في امتحان الولاء أو الخصومة؛ تستقر في مكانها الطبيعي: جوار عميق ومصالح مشتركة، تضبطهما مؤسسات الدولتين، وتحميهما حدود واضحة بين التعاون والنفوذ. والبيان المشترك الصادر من طهران أنشأ لجنة عليا تجتمع سنويًا بالتناوب بين العاصمتين. الآلية جاهزة. الجدول الذي تحمله بغداد إليها هو الغائب.

وفي أنقرة، لا يبقى الماء شكوى عراقية موسمية. يدخل مع التجارة والطاقة والنقل وطريق التنمية في معادلة تجعل ازدهار العراق قيمة مضافة لتركيا، وتجعل العدالة المائية جزءًا من شراكة لا من مناشدة. واتفاقية خط كركوك ـ جيهان تنتهي هذا الأسبوع، وأنقرة تربط تجديدها برفع الرسوم وبالتنازل عن حكم باريس. الدولة التي تصل بلا جدول تجد الشروط جاهزة على الطاولة. أما الرياض والخليج، فيقدمان عمقًا عربيًا وفرصة اقتصادية توسعان حرية القرار، وتحميان العراق من الارتهان إلى بوابة واحدة.

هنا تتغير وظيفة الدبلوماسية العراقية. لا تستهلك قوتها في شرح ما لن يفعله العراق لإغضاب الآخرين؛ تستخدمها لإعلان ما سيفعله كي ينهض بنفسه. فالعلاقات المتوازنة سياسة ثقة مركزها بغداد. سياسة الخوف الموزَّع بالتساوي شيء آخر تمامًا.

من الوثيقة إلى القوة

حملت زيارة واشنطن اتفاقيات ومذكرات تفاهم ضخمة، وفتحت زيارة طهران أبوابًا جديدة للتعاون. وهذا نجاح يستحق البناء عليه. والدول تقيس حصيلة زياراتها بما انتقل من الورق إلى الأرض. عدد الوثائق وحرارة مراسم التوقيع تقيسهما الصحافة وحدها.

قيمة الاتفاق تظهر في مصنع بدأ الإنتاج، وأنبوب منح النفط العراقي طريقًا ثانيًا، ومحطة أضاءت مدينة، وتقنية استوطنت في جامعة أو شركة، ووظيفة أعادت إلى شاب ثقته بوطنه. وقيمة وثيقة التعاون مع الجار تظهر حين تنظم المصالح داخل المؤسسات، وتحول العلاقة من قنوات متعددة للقرار إلى بوابة عراقية واحدة اسمها الدولة. هنا يلتقي الاقتصاد بالسيادة. فالاستثمار الأميركي يحتاج إلى بيئة آمنة وقرار مستقر. والتجارة مع إيران تحتاج إلى قطاع مصرفي منضبط وحدود فاصلة بين تبادل المنافع وانتقال النفوذ.

 

والماء مع تركيا يحتاج إلى قوة تفاوضية يصنعها الترابط الاقتصادي. والاستثمار الخليجي يحتاج إلى قواعد تصمد أمام تبدل الحكومات وموازين القوى.

وهذه الحاجات كلها تقف أمام حقيقة واحدة: سنة 2026 تمضي بلا موازنة اتحادية، والبرلمان يتجه إلى قانون للاقتراض والمنح بديلًا عنها، والإنفاق يجري بقاعدة الواحد من اثني عشر. الجدول الواحد يحتاج خزينة واحدة تموّله.

هذه الملفات أجزاء من عملية واحدة اسمها تركيب القوة العراقية: أن يتحول تعدد العلاقات من أبواب تتسلل منها الضغوط إلى روافد تجتمع في قوة الدولة. العراق لا ينقصه الشركاء. ينقصه المركز الذي يحوّل الشراكات إلى قدرة وطنية متراكمة.

وكثيرًا ما قيل إن العراق يستطيع أن يكون جسرًا بين المتخاصمين. الصورة آسرة. وتحتها سؤال السيادة كاملًا: من يملك الجسر؟

الجسر الذي تتحكم كل ضفة في نصفه لا يصنع دورًا للعراق؛ يصنع ممرًا فوق أرضه. أما الجسر الذي تملكه دولة تعرف شروط العبور، فيتحول إلى موقع وقوة وحاجة مشتركة. عندئذ تصير بغداد طاولة تلتقي عندها المصالح لأن غيابها يرفع الكلفة على الجميع. صندوق البريد بين المتنافسين موقع آخر لا يشبهها.

والعراق مؤهل لجمع ما يصعب جمعه: التكنولوجيا والاستثمار الأميركيين، والتجارة والطاقة مع إيران، والماء والربط القاري مع تركيا، والاستثمار والعمق العربي مع السعودية. الجغرافيا تمنح الإمكان وحده. قد يصير البلد ملتقى للمصالح، وقد يصير ساحة لتصادمها. والفاصل بين الحالين دولة تعرف ما تقبل، وما ترفض، وما تفاوض عليه، وما لا يدخل سوق المقايضة.

بغداد العاصمة الخامسة

ستقدم كل عاصمة للعراق ما يلائم حساباتها، وهذا منطق العلاقات الدولية. أما الحق العراقي، فلا يصونه حسن الاستقبال ولا كثرة الاتفاقيات وحدهما. يصونه أن تعود الوفود إلى بغداد فتجد مؤسسة تجمع النتائج، وتفصل الوعد عن الالتزام، وتحدد المسؤول والموعد ومقياس الإنجاز، ثم تعيد ربط كل وثيقة بغاية وطنية واحدة.

عندئذ لا تبقى بغداد نقطة واقعة بين واشنطن وطهران وأنقرة والرياض. تغدو العاصمة الخامسة: العاصمة التي تحتاج القوى الأربع إلى استقرارها، وتجد في قوتها مصلحة، وتعيد حساباتها عند حدود قرارها.

وهذه دعوة إلى أن ينتهي الزمن الذي يعرف فيه الآخرون ماذا يريدون من العراق أكثر مما يعرف العراق ماذا يريد من نفسه. والخصومة مع أحد خارج هذا الجدول.وبين الاثنين يتحدد معنى الجولة كلها: هل دار العراق حول أربعة مراكز، أم بدأ أخيرًا يصنع مركزه؟الدولة التي تزور العواصم تجمع اتفاقيات. والدولة التي تحمل قضيتها تجعل العواصم تدخل في جدولها.


مشاهدات 60
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/07/27 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/07/28 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 81 الشهر 30244 الكلي 15995370
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير