الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المستنصرية أقدم دار علم وأول جامعة تُدرسّ الفقه بالمذاهب الأربعة

بواسطة azzaman

مشاهدات من العراق (3)

مدرسة تطل على شاطئ نهر دجلة

المستنصرية أقدم دار علم وأول جامعة تُدرسّ الفقه بالمذاهب الأربعة

رعد أبو كلل الطائي

 

أُسســـــــــــــــــتّ المدرسة المستنصرية، في زمن الدولة العباسية في بغداد عام 1233 ميلادية، على يد الخليفة المستنصر بالله العباسي، المنصور بن محمد الظاهر بأمر الله، وحفيد الناصر لدين الله وخلَفهُ في الحُكم، المستعصم بالله الذي بنى المدرسة المستنصرية، وكان المستنصر بالله كما تؤكد المصادر التأريخية، مُهتماً بمدرستهِ، لأنها كانت تُشكلّ بالنسبة له، إنجازاً علمياً رائعاً، ولهذا كان شديد العناية بِها بعد انشائِها، إذ كان له شُباكاً يطلُ على إيوان الحنابِلة، يجلُسُ إليهِ ليسمع الدرسَ، وكذلك أمرَ أن يُنقلُ إليها من نفائس الكتُب الأدبية والدينية، والمستنصرية هي مدرسة عريقة، وكانت مركزاً علمياً وثقافياً هاماً تقع في جهة الرصافة من العاصمة بغداد، وبإطلالة رائعة على شاطئ ضفة نهر دجلة، وإلى الجوار من قصر الخِلافة، وعلى مسافة قريبة من المدرسة النظامية، وبمساحة بلغتّ 4836 متراً مربعاً، وأستغرق بناؤها عدة سنوات، وأكتملَ عام 631 هجرية، وعُدتّ أول جامعة تُدرسّ الفقهَ بالمذاهب الأربعة معاً، الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، في مكانٍ واحدٍ لأولِ مرَة، كما هي أول إنموذجاً مُتكاملاً يشبه الجامعات الكُبرى في العالم الإسلامي، مما جعلها قِبلةً للطلاب والعلماء من كافة أصقاع العالم .

الساعةُ العجيبةُ

وتحتوي المدرسة في مُنتصفِها من الداخل، على نافورة كبيرة، وتضُمُ ساعة المدرسة الُمميزة، وهي ساعة عجيبة غريبة، إذ كانت هذه الساعة، شاهِداً ودِلالةً هامةً على تقدم العلمُ عند العربِ في تلك الحُقبةَ من الزمنِ، والساعةَ هذهِ هي بِمثابة إعلان لمواقيت الصلاة طِوال اليوم، ومُلخص أمر هذه الساعة، أنهُ في سنة 633 هجرية تكاملَ بناء الإيوان الذي أُنشيءَ قبالة المدرسة المستنصرية، ورُكِبَ في صندوق الساعات على وضع عَجيبّ، تُعرف بهِ أوقات الصلوات، وأنقضاء الساعات الزمانية نهاراً وليلاً، والصندوق عِبارة عن دائرة فيها صورة الفلك، وجعلَ فيها طاقات  لها أبواب لطيفة، وفي طرفي الدائرة بازان من ذهب، وورائهما بندقتان من شبه لا يدركُهُ الناظر، فعندَ مضيً كُل ساعة ينفتح فيهما البازينّ، وكلما سقطت بندقة، أنفتحَ باب من أبواب تلك الطاقات، والباب مُذهب فيصير حينئذ مفضضاً، وتمضي ساعة، وإذا وقعت البندقتان في الطاستين فأنهما تذهبان إلى مواضعهما بصورة تلقائية، ثم تطلع شموس من ذهب في سماء لازوردية في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية، وتدور مع دورانها، وتغيب مع غيبوبتها، فإذا غابت الشمس وجاء الليل فهناك أقمار طالعة من ضوء خلفها، كلما تكاملت ساعة، تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر، ثم تبتدئ في الدائرة الأُخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس، فيُعلم بذلك أوقات الصلوات، ولعلَ في ذكر السماء والشمس والقمر والكواكب.

 والبروج في ساعة المستنصرية ما يدلُ على علاقة ذلك كُلهِ، بالحركة الفلكية من النجوم والكواكب وبيان حركة الشمس، وحركة القمر، واوجهه المختلفة .

وتضُمُ المستنصرية طابقين يحتويان على مائة غُرفة تختلف في المساحة ما بين صغيرة وكبيرة، علاوةً على إنها تشمُل مجموعة من القاعات والأواوِين، وتحتوي أيضاً على أقسام أخرى مثل، المخزن المخصص لتخزين القرطاسية والأطعمة، إلى جانب وجود مطبخ وحمام وحلاق مُخصص للطُلاب .

النظام العلمي والتعليمي

لم تقتصر المستنصرية الجامعة على العلوم الشرعية، بل شملت علوم الطب والرياضيات والفلك والحساب والفرائض، وضمت مكتبة كبرى أحتوت على نحو 450 مـجلدٍ وكتاب نادر في مختلف فنون المعرفة، وهي مسؤولة عن رعاية مجموعة من المواد الأدبية أو الموسيقية أو الفنية أو المبدعين، مثل الكُتب أو المخطوطات أو التسجيلات أو الأفلام، وكانت المدرسة مقصداً للعديد من الفُقهاء والعلُماء، إذ كانوا يترددون عليها للإفادة، مما تشمُل عليهِ من مصادر أدبية وعلمية مُذهلة، ويتم أختيار الطلاب للألتحاق بالمدرسة المستنصرية من شتى المدارس في العراق، والبلاد الإسلامية، كمصر وخُراسان والأندلس وبلاد الشام، ويتم أنتقاء من أشتهروا في التأليف والتدريس والتصنيف، وأهتمت المدرسة بدراسة شتى العلوم العقلية والنقلية بطريقة لم يسبق أن تم أتباعها في مدارس أُخرى، وعُنيتّ بعلم الفرائض، والمذاهب، والفلسفة، والصيدلة، والطب، والرياضيات، وعلم الصحة، ومنافع الحيوان، وعلوم القرآن، والسُنة النبوية، والنحو، وبعدَ أنتهاء الدراسة في المستنصرية يُمنح الطالب شهادة التخرُج التي تؤهلهُ التوظيف في دواوين الدولة .

نظارة المدرسة

وكان يتولى إدارة المدرسة المستنصرية، ناظر يُختار من بين كِبار موظفي الدولة يعاونه عدد من المساعدين، ويأتي في مقدمتهم المشرف وهو كالمراقب المالي أو المفتش المالي، والكاتب والخازن، وعدد من العمال والخدم الذين يخدمون المدرسين والطلاب، ويُعدُ عبد الرحمن التكريتي، أول من تولى نظارة المدرسة المستنصرية، إذ عُيّنَ في اليوم التاسع من رجب عام 631 هجرية/ 1233 ميلادية، وظلَ التدريس قائماً في المستنصرية المدرسة لمدة أربعة قرون، وإن تخللَ ذلك فترات إنقطاع، ثُمَ عادَ إليها نشاطُها من جديد، وأُستؤنفت الدراسة، وظلتّ الدراسة قائمة بالمدرسة بانتظام بعدَ سقوط بغداد نحوَ قرن ونصف من الزمن، وأستعادتّ دائرة الآثار العراقية مُلكية المدرسة المستنصرية عام 1940 ميلادية، فيما أُجريتّ أول أعمال صيانة لها عام 1960 ميلادية، أما آخر عملية صيانة وترميم فقد جرت عام 1973 ميلادية، ثُمَ عولجتّ بعض التصدُعات فيها في ثمانينيات القرن الماضي، والمدرسة المستنصرية هي اليوم مُغلقة ومسيجة بسياج حديدي يُحيط بها من كل جوانبِها، وهي مُلاصقة لسوق القبلانية، وأسواق شعبية أُخرى من مدخل شارع النهر، ولم تفتح أبوابها إلا نادراً بسبب الصيانة وغياب السانحين المهتمين بقضايا التُراث منذُ أكثر من عقد من الزمن، رُغمَ إنها خضعت للصيانة في أوقات متلازمة، وما زالت تحت الصيانة .

الوسط التأريخي لبغداد

ويذكُر الدكتور أحمد كاظم رئيس قسم المنظمات الدولية في الهيئة العامة للآثار والتُراث : إن المدرسة المستنصرية وضِعت على لائحة التُراث العالمي التمهيدية لمنظمة اليونسكو، ضمن عنوان (الوسط التأريخي لمدينة بغداد)، وذلك في عام 2014 ميلادية، وبينَ إن اللائحة التمهيدية تُعدُ الخطوة التي تسبق اللائحة النهائية، مُشيراً إلى إن المستنصرية المدرسة أُدرجت كذلك على لائحة منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) في عام 2013 ميلادية، لأهميتها الكبيرة في التأريخ الإسلامي، أما وزير الثقافة الأسبق خبير الآثار الدكتور عبد الأمير الحمداني فقد قال : ان مشروع وزارة الثقافة الذي ما زال قائماً، هو ان يكون شاطئ دجلة الممتد من منطقة الباب الشرقي إلى منطقة باب المعظم، بما فيه شارع الرشيد والمتنبي وموقع المدرسة المستنصرية في شارع النهر، وموقع خان مرجان، منطقة نهرية تُراثية، وتُسجل على لائحة التراث العالمي، وهي الآن ضمن القائمة التمهيدية التي أرسلتها هيئة الآثار التابعة لوزارة الثقاقة إلى مركز التُراث العالمي، وهو مركز مسؤول عن إدراج المواقع التراثية والآثارية على رائحة اليونسكو، وأسترسلَ قائلاً : ان المدرسة المستنصرية هي ضمن عدة معالم إسلامية تراثية قديمة تقع على شاطئ دجلة، وسيكون الإعلان عن وضعها ضمن اللائحة التي تتالف من 12 موقعاً آثارياً وتُراثياً، وستُقدم لليونسكو في أجتماعِها المقبل، ويُشير المؤرخ والموسوعي العراقي الدكتور علي النشمي : إن المدرسة المستنصرية تُعدّ أول جامعة عربية مُنفصلة عن التعليم في المساجد، وأول جامعة تُدرسّ فيها كل العلوم ومنها، الطب والفلك والرياضيات والعلوم الفقهية، وكانت مزاراً للملوك والأُمراء في العالم لكونِها بلاطاً اجتماعياً، وفضلاً عن ذلك، كانت المدرسة محلاً لحل المشاكل السياسية العُليا، عندما يعجز القضاءعنها، وهو السلطة العُليا، أما خريجو المدرسة فكانوا ينقلونَ العلوم والمعرفة إلى بلدان العالم الأُخرى، ويُبين الناشط في مجال التُراث أمير دوشي : إن المستنصرية تُعتبر أول جامعة في زمانِها، ففي القرون الوسطى عندما كان الغرب يغُطُ في ظلام الجهل، اصبحت المستنصرية منارةَ زمانِها، ويقول الباحث التُراثي عادل العرداوي : إن المدرسة المستنصرية واحدة من المثابات والشواهد العمرانية الشاخصةَ منذُ أيام العصر الأخير للدولة العباسية في عاصمة الخِلافة بغداد، وهي واحدة من 8 شواخص عباسية أُخرى ما تزال تقاوم الزمن والتحديات، وتُمثل إرث الفترة العباسية حتى يومنا هذا، ويقول مدير عام التحريات في الهياة العامة للآثار والتراث بوزارة الثقافة سليم خلف : إن المدرسةَ مُغلقة في الوقت الحاضر لأغراض الصيانة والترميم لمعالجة التداعيات الناتجة عن الظروف المناخية، وإن شاء الله يصبح هذا المرفف والمعلم الآثاري والثقافي مرةً أُخرى، قِبلةً ومنارةً للزوار والسياح من داخل العراق والوطن العربي والعالم .

وبناءً على ما تقدم أوجزُ وأقولُ :

إن المدرسة المستنصرية تُعدّ من مفاخر أُمتنا العربية الإسلامية، وهي آية من آيات العِمارة الإسلامية، وأثرٌ باقٍ على مدى الزمن، يُعبر عن خلود هذه الأُمة وكبريائِها الذي كان وسيظلُ إلى المستقبل البعيد شامخاً يُحدثّ الأجيال العربية و الإسلامية عن مفاخر أُمتُهم، التي أعطت الكثير وأبدعت، حتى أنارتّ بعلمِها ومبادِئها كافة أرجاء العالم، الذي كان في تلكَ الفترة ينظُر إليها بالسمو والعظمة. إن هذه المدرسة تُعدُ بزُخرفِها وجمالِها وتصميمِها آيةً من آيات الفن الإسلامي الذي ظلَّ عِبرَ القرون، وعِبرَ مراحل التاريخ صفحة ناصعة بيضاء تهتدي بِها الأجيال لعلمِها وجمالِها، ورُغمَ تعرُضّ أجزائَها للخراب، إلا أنها ظلتّ مُزدهرةً بالفن الإسلامي العباسي .


مشاهدات 45
أضيف 2026/08/19 - 4:22 PM
آخر تحديث 2026/08/20 - 12:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 22627 الكلي 16112331
الوقت الآن
الخميس 2026/8/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير