أعداء على هيئة أقارب
جبار فريح شريده
في المجتمع العراقي، تبدو صلة القرابة في كثير من الأحيان عنوانًا للمحبة والتكاتف، ومصدرًا للأمان الاجتماعي. فالعائلة والعشيرة والجيرة كانت ولا تزال من أهم الركائز التي يستند إليها الفرد في مواجهة صعوبات الحياة. لكن هذه الصورة لا تخلو من تناقض مؤلم؛ إذ قد يتحول القريب أحيانًا إلى خصم، ويصبح العداء مختبئًا خلف رابطة الدم، فيظهر الإنسان أمام الناس قريبًا، بينما يحمل في داخله مشاعر الغيرة أو الحقد أو الرغبة في الإقصاء.
إن أخطر أنواع العداوة هي تلك التي تأتي من القريب، لأن الإنسان بطبيعته يمنح أقاربه قدرًا أكبر من الثقة، ولا يتوقع منهم الأذى بسهولة. ولذلك يكون وقع الخذلان أشد عندما يأتي من شخص تربطنا به صلة رحم، أو ذكريات مشتركة، أو تاريخ عائلي طويل. وقد تبدأ المشكلة بخلاف بسيط، أو منافسة على المال أو المكانة أو النفوذ، ثم تتراكم المشاعر السلبية حتى تتحول القرابة إلى ساحة صراع صامت.
وفي بعض الحالات، تلعب المقارنات الاجتماعية دورًا كبيرًا في صناعة هذا النوع من العداء. نجاح أحد أفراد العائلة قد يثير الغيرة لدى آخر، وتحسن الوضع المادي لشخص قد يصبح سببًا للتوتر، كما أن اختلاف الآراء والمواقف يمكن أن يحول الحوار الطبيعي إلى خصومة طويلة. ومع ضعف ثقافة الحوار والاعتراف بالاختلاف، يصبح من السهل أن تتحول المنافسة إلى حسد، والاختلاف إلى كراهية، والعتاب إلى قطيعة.
ولا يعني ذلك أن المجتمع العراقي مجتمع يسوده العداء بين الأقارب؛ فالعراقي معروف بقوة روابطه الاجتماعية وبكرمه ووقوفه إلى جانب أهله في الشدائد. لكن الاعتراف بوجود هذه الظاهرة ضروري حتى لا تختبئ المشكلات خلف شعارات القرابة. فصلة الدم وحدها لا تضمن نقاء القلوب، كما أن القرب العائلي لا يمنع الإنسان من ارتكاب الخطأ أو ممارسة الظلم.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح القرابة وسيلة للسيطرة أو الابتزاز أو التدخل في حياة الآخرين. عندها تتحول العلاقة من رابطة إنسانية إلى عبء نفسي، ويجد الفرد نفسه مضطرًا إلى التعامل بحذر مع أشخاص يفترض أن يكونوا الأقرب إليه. ولهذا فإن الحفاظ على صلة الرحم لا يعني قبول الأذى، بل يعني وضع حدود تحفظ الكرامة وتمنع تحول الخلافات إلى عداوات مستمرة.
إن مواجهة ظاهرة «الأعداء على هيئة أقارب» تحتاج إلى ثقافة اجتماعية جديدة تقوم على الصراحة والاحترام والتسامح، وتؤمن بأن نجاح الآخر ليس خسارة لنا، وأن الاختلاف لا يعني العداء. كما تحتاج إلى تربية الأجيال على أن صلة الرحم قيمة أخلاقية، وليست مجرد رابطة اجتماعية تستخدم عند الحاجة.
يبقى القريب الحقيقي هو من يكون سندًا في غيابك قبل حضورك، ويفرح لنجاحك كما يفرح لنجاحه، وينصحك دون أن يتمنى سقوطك. أما من يختبئ خلف صلة القرابة ليؤذيك أو يحبطك، فالمشكلة ليست في صلة الدم، بل في غياب المودة والضمير. فالمجتمع القوي لا يُقاس بكثرة الأقارب، وإنما بصدق العلاقات بين أفراده، وبقدرته على تحويل القرابة من عنوان للخصومة إلى مساحة للمحبة والتكافل.