الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وصيّةُ العائدِ إلى التراب

بواسطة azzaman

وصيّةُ العائدِ إلى التراب

حامد الضبياني

 

أشعرُ أنَّ الموتَ

اقتربَ من نافذتي،

وأنَّ المرضَ

يفتحُ في جسدي

ممرّاته الأخيرة.

يمشي في عروقي

كليلٍ ثقيل،

ويتركُ على عظامي

أثرَ المسافرِ

حين يطولُ به الطريق.

عكّازي

لم يعدْ يحملني،

وأنا لم أعدْ

أحملُ هذا الوجع.

حتى الكلماتُ

بدأتْ تهربُ من فمي،

والقلمُ

كلما أمسكتُه

سقطَ من يدي

كأنَّه يعرفُ

أنَّ الحبرَ

لم يعدْ يكفي

لرثاء العمر.

يا وطني...

كم مرّةً

وقفتُ على بابك

بقلبي عاريًا

إلا من حبّك؟

كم مرّةً

حملتُ اسمك

في المنافي

كأنَّه آخرُ

قطعةٍ من خبز؟

دافعتُ عنك

حين كانَ الخوفُ

أعلى من أصواتنا،

وحملتُ جراحك

على كتفي،

حتى صارَ كتفي

أقربَ إلى الوطن

من خرائطه.

وحين احتجتُ

إلى وطنٍ

يؤوي تعبي،

وجدتُ الأبوابَ

تعرفُ اسمي

ولا تفتح.

لهذا...

لا أريدُ أن أعود.

فالعودةُ

إلى مكانٍ

لم يعرفْ كيف يحميك

ليست عودةً،

إنها عودةُ الجرحِ

إلى السكين.

أنا أريدُ

أن أعودَ إلى مسكني الأول...

إلى التراب.

خذوني

إلى جبلٍ

في كردستان،

واتركوني هناك

على كتفِ الأرض،

قريبًا من السماء،

حيثُ لا تصلُ

ضوضاءُ الوحوش.

أريدُ قبراً

إذا فتحَ عينيه

رأى الجبال،

وإذا تنفّسَ

شمَّ رائحةَ المطر،

وإذا اشتاقَ

رأى جمالَها

من تحتِ التراب.

دعوني هناك...

فربما

حين أعجزُ عن رؤيةِ الدنيا

تراني الأرضُ.

وربما

حين يعجزُ جسدي

عن الوقوف،

تضعُ الجبالُ

ظلَّها على قبري

وتقول:

هذا رجلٌ

أنهكهُ الوطن،

فآواهُ التراب.

لا تخافوا موتي...

فالموتُ

ليس أكثرَ

من بابٍ آخر

يفتحهُ الله

حين تنتهي

أبوابُ البشر.

والأعمارُ

بيدِ الله،

وقد أودّعكم

غدًا،

أو بعد غد،

أو بعد عمرٍ

لا أعرفُ مداه.

لكنّي أعرفُ

شيئًا واحدًا:

سأظلُّ

أحبُّ العراق.

أحبُّه

حتى في غربتي،

حتى في مرضي،

حتى في لحظةِ

انطفاءِ العين.

أحبُّه

لأنَّ الوطنَ

ليس الذين طردوني منه،

ولا الذين سرقوا اسمه،

ولا الذين جعلوا

من ترابه

سُلّمًا إلى مصالحهم.

الوطنُ

هو الترابُ

الذي إذا وضعنا

خدودنا عليه

شعرنا

أنَّ أمهاتنا

ما زلنَ هناك.

فيا أبناءَ وطني...

لا تكونوا

أتباعًا

لرايةٍ أجنبية،

ولا ظلالًا

لأقدامِ الآخرين.

الوطنُ

لا يتحررُ بالركوع،

ولا يُصانُ

بالانحناء.

والوطنُ

لا يحتاجُ

إلى جبناء

يحرسونَ أبوابه،

بل إلى أحرارٍ

يعرفونَ

أنَّ الكرامةَ

أغلى من الحياة.

لكن...

إيّاكم

أن تجعلوا

من المقاومة

مقدّسًا أعمى.

فليس كلُّ

من حملَ السلاحَ

شريفًا.

منهم

من يقاومُ

ليبيع.

ومنهم

من يقاومُ

كي لا يُباع.

منهم

من يجعلُ الوطنَ

غنيمةً،

ومنهم

من يجعلُ عمرَه

فداءً للوطن.

فلا تسألوا

من يحملُ البندقيةَ فقط...

اسألوا:

لمن يوجّهها؟

وماذا يريدُ

بعد أن يسقطَ العدو؟

فقد ينتصرُ رجلٌ

على عدوّه،

ثم يخسرُ وطنه.

وقد يموتُ رجلٌ

ولا يشتري شيئًا

لنفسه،

سوى شرفِ

أنَّه لم يبعْ وطنه.

أما أنا...

فإن جاءَ الموتُ

فليأتِ هادئًا.

سأضعُ رأسي

على وسادةِ التراب،

وأقولُ للسماء:

يا رب...

لم أملكْ وطنًا

يؤويني،

فاجعلْ لي

من رحمتك

وطنًا.

وإذا سألني الترابُ:

من أنت؟

لن أقولَ

شاعرًا،

ولا غريبًا،

ولا مريضًا،

ولا منفيًا.

سأقول:

أنا رجلٌ

أحبَّ العراقَ

حتى أوجعهُ حبُّه.

وحين ضاقتْ به الأرضُ

كلُّها...

اختارَ

أن ينامَ

في حضنِ الجبل


مشاهدات 56
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/08/19 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/08/20 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 22627 الكلي 16112331
الوقت الآن
الخميس 2026/8/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير