الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المنصب السياسي أنموذجاً.. الرقص على إيقاع الفساد

بواسطة azzaman

المنصب السياسي أنموذجاً.. الرقص على إيقاع الفساد

وصال العزاوي

 

ان الفساد كما جاء في التعريفات إساءة استخدام السلطة العامة لتحقيق منفعة خاصة ( تعريف البنك الدولي ) حيث مصطلح إساءة الاستخدام هو جزء من انحراف السلطة عن طريق مجانية المصلحة العامة لتحقيق غاية ذاتية لمتخذ القرار او لغيره , ويشمل مفهوم الفساد أي استخدام غير مشروع للسلطة الحكومية وللمهام والادوار والموارد العامة من قبل الموظفين الإداريين او السياسيين , وتوجيه استغلالها لمنفعة خاصة المسؤول او لحزبه او عشيرته او اسرته او أصدقائه , او لأي شخص او مجموعة من الأشخاص .

الفساد عدة أنواع من حيث (الحجم الانتشار ، المجال ) فهناك الفساد الصغير والفساد الكبير , وهناك الفساد الدولي والفساد المحلي، وهناك الفساد من حيث المجال : الفساد الاقتصادي والفساد الإداري ، الفـــــــــــــــساد السياسي، الفساد الاجتماعي الأخلاقي، الفساد القضائي، فساد التعليم , وقد تشمل القائمة كل المجالات وحسب قوة الفساد وانتشاره في البلدان فقد يطال كل المجالات حتى الصحية والأمنية .

ان ظاهرة الفساد تعتبر ظاهرة مركبة تختلط فيها الابعاد الاقتصادية والسياسية والإدارية، فهي تظهر بأشكال وممارسات متنوعة ومتداخلة تنطوي على اكثر من بعد واحد , ولذلك يصعب فيها الفصل بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي وما هو اداري ، وعلى الرغم من الاختلاف بينهما في النشاطات والموارد والدوافع والأشخاص،الا انها تشترك بوجود سلطة عامة وحرية تصرف لدى شخص ما يبدأ باستغلالها لتحقيق مصالح خاصة .

ويشكل الفساد السياسي قمة الهرم بين أنماط الفساد المختلفة ، فهو النمط الأخطر كونه يتعلق بالنخبة والسلطة السياسية , ورغم تعدد وجدلية التعاريف الا ان الأبرز و الأكثر قبولا هو ان الفساد السياسي إساءة استخدام سلطة مؤتمنة من قبل مسؤولين سياسيين من اجل مكاسب خاصة بهدف زيادة السلطة او الثروة , بعبارة أخرى الفساد السياسي هو سلوك يخالف الواجبات الرسمية للمنصب العام تطلعا الى مكاسب خاصة مادية او معنوية , وهو سلوك مناطه انتهاك القواعد القانونية بممارسة أنواع معينة من التأثير تستهدف تحقيق منفعة خاصة , وتتمثل ابرز تجليات هذا السلوك بالرشوة والمحسوبية ونهب المال العام او استخدامه بصورة غير مشروعة لتحقيق منافع ذاتية , أي ان الفساد السياسي يشير الى انتهاك معايير المنصب السياسي لتحقيق مكاسب شخصية وخاصة , وبذلك يعتبر احد مؤشرات الدالة على مدى غياب المؤسسية السياسية الفاعلة .

ان الفساد السياسي هو اختطاف للدولة او اقتناص لها من قبل مجموعة او نخبة مغلقة تتشكل راس السلطة والملتفين حول النظام , بمن فيهم المتنفذون من الأحزاب سواء الحاكمة او ممن يتم احتوائهم من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني .

الفساد السياسي نظام متجدد

الفساد السياسي ظاهرة قديمة قدم المجتمعات السياسية , عرفتها الدول وأنظمة الحكم وشغلت المفكرين والمصلحين , وهي ظاهرة لازمة الدول وأنظمة الحكم في كل الأزمنة والأمكنة على الرغم من عمق جذوره في المجتمعات السياسية , ولهذا خضع الفساد السياسي لكثير من الجدل من حيث معناه واسبابه ومجال انتشاره وانماطه وصوره وسبل معالجته والحد منه ومحاصرته , ومما يزيد من تعقيد الموضوع حوله ،  تغير اشكاله وتصوراته من مجتمع الى اخر ومن حقبة الى أخرى .

وهذا يعني ان تناول الفساد السياسي وسبل معالجته سيبقى عرضة لتحديات جدية نشير الى ثلاث منها :

أولا : غموض مكونات ما هو سياسي , لابد من تحديد معنى واضح ودقيق لما هو سياسي , من حيث ما هي حدوده وأين يبدأ وأين ينتهي ؟ فمفردة السياسي هي فضاء غير متجانس الى حد أنه تتعايش في نطاقه التعارض والمتناقضات , كالعلماني والوطني والديني والديمقراطي والسلطوي , ومن يقاوم ومن ينسق مع الخارج ومن يؤيد الوحدة وتجاوز الانقسام ومن يعمل عكس ذلك , ومن يعترف بسلطة حكومته ومن يعتبرها غير شرعية ؟ وهكذا يصبح ما هو سياسي مساحة حرة ومقيد في ان واحد , وبالتالي يخضع الفساد السياسي بتلك التوصيفات وتحديدها التي ترسم صيغة تشكله وتبعاته .

ثانيا : اختزال العوامل المؤثرة على الفساد السياسي , يتمثل بإختزال العوامل المنتجة له والتركيز على بعضها واهمال بعضها الاخر , بمعنى الإتكاء على مؤثر واحد بعينه لتفسير الفساد السياسي دون اعتبار جوهري لأهمية مؤثرات أخرى .

ثالثا : غموض الأجندة , تنضوي تحت هذا التحدي أسئلة مهمة : ما غرض تناول الفساد السياسي لدولة ما , ما هي الأجندة السياسية , خاصة انه يصعب الفصل بين الراغبين في محاربة الفساد السياسي عمن هم جزء من صناعته .

وسنورد ابرز التوصيفات والتعاريف لمفهوم الفساد السياسي , وسنلاحظ مدى ضبابية التعريفات وتفسيراتها :

1- التعريف الذي يستند الى القوانين : ويرى بالفساد السياسي فعلا يقترفه مسؤول رسمي ينتهك عبره عبره قواعد وضوابط رسمية وهي الأنظمة والقوانين , وهذا التعريف يروج من قبل الأمم المتحدة ومنظمة الشفافية , لكنه لا يراعي ثلاث قضايا مهمة هي : الأولى : ان مهام وظيفة المسؤول والقواعد والمعايير اللازمة لأشغالها ليست واضحة في كثير من الأحيان , كما انه قد تكون غير موجودة أصلا , هذا عوضا عن أمكانية ان ينشأ الفساد السياسي خارج نطاق القانون , والثانية : ان القانون صيغة تنظيم وضبط لا تغطي جميع أصناف السلوك والأداء , والثالثة : عدم التفاف هذا التعريف الى مدى شرعية القوانين , فهو لا يكترث بمدى تمثيلها للصالح العام , كما لا يولي شأنا لتصورات الرأي العام , وهنا يطرح السؤال حول مدى انسجام القوانين وقدرتها على خدمة الصالح العام .

2- التعريف الذي يستند الى الوظيفة : الفساد السياسي يعني استخداما للوظيفة لتحقيق منفعة غير عامة , وفقا لهذا التعريف يصبح عملية لها أربعة اطراف )الموظف العام الممارس للفساد / الخدمة التي يقدمها / المكافأة او المنفعة التي يحصل عليها / الجهة التي تقدم المكافأة( وهذا التعريف يؤخذ عليه محدودية صلاحه في فهم الفساد السياسي كونه لا  يشير الى علاقات القوة التي تفرز المحددات والقيم الموجهة للوظيفة العمومية .

3- التعريف الذي يرى ان الفساد السياسي فعل يغلب فيه المسؤول المصلحة الخاصة على المصلحة العامة , ويكمن في هذا التعريف غموض ما يعنيه المصلحة العامة وبخاصة عندما تتم أدلته كأن يخدم الديمقراطية او أن يبرر الإستبداد , وهذا ما يجعل أيا كان من تبرير أي فعل سياسي فاسد .

.4 التعريف الرابع يربط الفساد بالرأي العام , بمعنى أن الفساد السياسي هو مالا يتوافق مع توجهات الرأي العام , بمعنى أن الفعل السياسي الفاسد يكتسب صفته عبر ما لا يظنه الرأي العام فعلا سياسيا نزيها , وحقيقة نذكر انه على الرغم من القدرة التأثيرية للرأي العام على الفساد السياسي في بعض الأحيان الا أنه يبقى محدود الفائدة في تفسير الفساد السياسي وذلك لسعته وتذبذبه ولسهولة التأثر به , كما يؤخذ على هذا التعريف عدم التفاته الى حقيقة ان الرأي العام ذاته هو نطاق متنوع ومتباين وغير متجانس من حيث البنية والتوجهات والأشكال ما يضعف قدرته على أن يكون أداة لفهم ومعالجة موضوع اكثر منه تعقيدا هو الفساد السياسي .

.5 مقاربات تعريفية للفساد السياسي من قبل المدرستين البنيوية والتفاعلية : فالأولى أي البنيوية ترى الفساد من منطلقات أخلاقية وكخاصية ملازمة للآخر غير الغربي ,ومرتبط حصريا بمجتمعات ما يسمى )العالم الثالث / او دول عالم الجنوب / او الدول النامية / او الدول المتخلفة( ما يعني ان الفساد وثيق الصلة تأثر ا وتأثيرا على التنمية والفقر والإستبداد والإضطهاد ..... اما المدرسة التفاعلية : فهي تنظر الى انساق سلوك الأشخاص في الوظائف العامة , ويتم تعريف الفساد بناء على ذلك ليصبح الفساد : ذلك الفعل غير المتوافق مع الواجبات الرسمية للمنصب العام , ويتم اقترافه أي الفساد لنفعة خاصة يترتب عليها الحاق الضرر بالصالح العام .

فساد سياسي

6 - تعريف الفساد السياسي وفقا لأربعة مفاهيم مترابطة يخدم كل منها غرضا محددا , الأول : مفاهيمي غير معياري غرضه فهم ما هو الفساد السياسي وتمييزه عن الفساد عموما فهو يعني ) كل فعل سياسي ارادي  يشمل خيانة للأمانة غير أخلاقي ويضر بالصالح العام عن طريق الأخلال بوظيفة السياسة المتمثلة بتحقيق الرؤية التي يتوافق عليها صراحة او ضمنيا , كل من ينتمي الى الحقل العام ( بمعنى ان الفعل السياسي الفاسد ذلك الذي يعيق استدامة الحقل السياسي ومكوناته الضرورية من ثقافة , وموارد , ومعرفة , وسيادة وكل فعل من شأنه أقصاء او تهميش أي عضو فردا كان ام جماعة في الحقل العام عن السياسة عبر المس بكرامته او حجب حريته وكل فعل من شأنه الأخلال بالمساواة بين الناس ..... التعريف الثاني , فهو معياري غرضه رسم حدود الفساد السياسي والاستدلال على محتواه ومتعلقاته , وذلك عبر تمييز الأفعال التي تفسده ..... التعريف الثالث , معياري يقبل التكميم يقيس الفساد السياسي من حيث انتشاره واثاراه .... التعريف الرابع , فهو قانوني اجرائي ومعياري يصلح لمقاضاة الفعل السياسي الفاسد في المحاكم .

7- وأخيرا وليس اخرا , الفساد السياسي كمفهوم يرتبط بالسلطة ويعرف على انه إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص , او يرتبط بالسلوك السياسي ويعرف بأنه هو السلوك المنحرف عن الواجبات الرسمية تحيزا لإعتبارات معينة مثل الأطماع المالية والمكاسب الإجتماعية وارتكاب مخالفات ضد القوانين لإعتبارات شخصية , او هو الأخلال المتعمد بقواعد الحياة السياسية المنصوص عليها في الدستور والمواثيق والمعايير العالمية التي تم إقرارها بواسطة الهيئات الوطنية .

.8 الفساد السياسي وفقا لوجهة نظر علماء السياسة يقصد به فساد الساسة والحكام ورجال الأحزاب وأعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان وأعضاء المجالس الشعبية المحلية والمشتغلون بالعمل السياسي أيا كانت مواقعهم او انتماءاتهم السياسية , فقد يلجأ حكام الدول الى تحصيل المبالغ من صادرات النفط او السلع الهامة المصدرة لحسابهم الشخصي وتودع في حسابات خارج البلاد او داخلها , وهو ما يعتبر نوع من أنواع الضرائب الأجبارية اعتمادا على استغلال النفوذ السياسي .

.9 الدكتور جلال معوض يقدم تعريفا للفساد السياسي كونه )ذلك السلوك القائم على الإنحراف عن الواجبات الرسمية المرتبطة بالمنصب العام , سواء أكان شغل هذا المنصب يتم بالإنتخاب او بالتعيين في سبيل تحقيق مصلحة خاصة , سواء أكانت هذه المصلحة شخصية مباشرة تتعلق بشاغل المنصب او عائلية او طائفية او قبلية , وسواء أكانت هذه المصلحة تتعلق بمكاسب مادية او غير مادية من خلال استخدام إجراءات او الالتجاء الى تعاملات تخالف الشرعية القانونية). ويلخص صموئيل هنغتون تعريفه بكون)الفساد السياسي هو الكسب غير المشروع في اثناء العمل السياسي ( هي مقاربة فكرية لما اتفق عليه اغلب مفكري وعلماء السياسة .

وعليه وما تقدم لذكره , نجد وضوح جدلية المفاهيم حول ما هو تعريف الفساد السياسي , ولكن المفهوم الأقرب لنا.

هو التعريف الذي يتبناه علماء السياسة وما ذكره الدكتور جلال معوض , كونه يركز على البعد السياسي ودور رجل السلطة , والسياسي , في أي مجال من المجالات السياسية , في نشر الفساد داخل المجتمع من خلال سيطرته على الثروة العامة والكسب غير المشروع اثناء تأديته للعمل السياسي .

ويمكن اجمال اهم أسباب تفشي الفساد السياسي في ما يلي :

1-اختلال التوازن الإجتماعي الناجم عما سمي بسياسات الإصلاح الهيكلي التي طبقتها الدول النامية خاصة واضرت بقطاعات واسعة من الناس .

.2 ظهور شرائح غنية انتجتها تحولات السياسات الداخلية للدول النامية وانفتاحهما على الخارج الرأسمالي منذ مطلع التسعينات .

.3 تعاظم الفساد في أوساط النخب الحاكمة والمؤسسات السياسية من أجهزة حكومية وبرلمانات وقضاء وأحزاب سياسية

.4 ازدياد الوعي العام إزاء الفساد واثاره , وتبلور قوى مجتمعية مناهضة أصبحت تستخدمه لأغراض سياسية , كما كان حال الثورات العربية عندما وظفت موضوع الفساد في شعارات الشباب العربي الغاضب .

.5 اهتمام مؤسسة التمويل الدولية بموضوع الفساد كي تضمن تلك المؤسسات قدرة الحكومات على سداد ما يقدم لها من قروض .

.6 الافتقار الى القيادة السياسية الوطنية المؤمنة بالعدالة الإجتماعية والحريصة على قدرات البلد وثرواته .

.7 غياب المساءلة والمحاسبة , مقابل ضعف الرأي العام وتجاهله لكثير من قضايا الفساد اما خوفا او تواطئا .

.8 ان الفساد السياسي هو نظام متجدد , ولعل العامل الأساسي في إعادة انتاج فساد النظم الحاكمة هو )التنفيع( , وهذا المصطلح يتجذر في القيم الإجتماعية والروابط الأسرية التي تستمد شكلها من السياسة الحزبية , وتمنح هذه الروابط الإجتماعية والسياسية النخبة الحاكمة أداة استراتيجية للسيطرة على القواعد الشعبية وتوسيع شبكة مؤيديها من خلال إعادة توزيع الموارد بهدف شراء الولاءات السياسية , وهذا بدوره يساعد النخبة الحاكمة في المحافظة على الوضع الراهن وعلى هيمنتها على الأصول السياسية والإقتصادية .

يساهم )التنفيع( في بث مناخ الفساد من خلال محاباة العناصر السياسية الموالية غير الكفوءة واقصاء          ذوي المهارات تعسفا , وهو بالتالي يزيد من تزاحم المنتفعين المتنافسين لأثبات ولائهم للنخبة الحاكمة , ويترسخ الفساد اكثر اذا ما ادركنا ان احدى الوسائل التي يستخدمها ارباب المنفعة في مكافأة المنتفعين الموالين تتمثل في التغاضي عن مخالفاتهم .

 

 

ومما تقدم أعلاه , يتبين ان الفساد السياسي هو المدخل العريض والأساسي والإستراتيجي الذي تنبثق عنه كافة الممارسات الإجتماعية والثقافية والإعلامية والإقتصادية الفاسدة , كما يؤدي الفساد السياسي الى اختلال منظومة الحكم في البلد , وتتعاظم اثاره بالشكل التالي :

.1 الطغيان والاستبداد اللذان يؤديان الى فقدان معنى الإنسانية , وفقدان الهوية والحرية والثقة بالنفس , والهزيمة والإنحطاط والخيانة , واختلال موازين الحق والعدل ومقاييس الرقي , وتبديد أموال الدول على تعظيم الذات , وفقدان النظام القانوني لهيبته , وتعرض سيادة الدولة للإختراق الخارجي , وفقدان النظام السياسي لشرعيته والتخبط في اتخاذ قرارات غير عقلانية .

.2 يقود انتشار الفساد السياسي وقوة المفسدين وتحالفهم مع السلطة الى استخدام كافة الوسائل للوصول الى أهدافهم بما في ذلك القتل والتعذيب والتعدي على الأعراض وسجن الأبرياء والفقراء , وتكثر في الدول الفاسدة حالات الظلم والتعدي على حقوق الانسان , حتى ولو لم تحدث هذه المظالم فان الفساد بحد ذاته يمثل تحديا قويا لحقوق الانسان من خلال الاضرار بأحوال وحقوق الضعفاء والتي يقوم بها المتجاوزون والمعتدون الفاسدون .

.3 تراجع مستويات العدالة الإجتماعية والمساواة بين افراد الأمة بسبب الفساد , مما قد يولد حنقا بين المكونات الإجتماعية والإستقرار السياسي .

.4 تراجع الثقة بالمؤسسات , حيث تعتبر فعالية المؤسسات الحكومية من المتطلبات الأساسية للتنمية والعدالة , وتتطلب فعالية الأنظمة الحكومية ثقة المجتمع بالمؤسسات الحكومية وقدرتها على تنفيذ البرامج الحكومية بأمانة وإخلاص .

.5 اضف الى تأثير الفساد السياسي على السياسة والإدارة والمؤسسات , فهو يمثل تحديا خطيرا في وجه التنمية , فهو على الصعيد السياسي يقوض الديمقراطية والحكومة الجيدة بتعويم او حتى تغيير مسار العملية السياسية , اما الفساد في الانتخابات والهيئات التشريعية فيقلل من المساءلة ويشوه التمثيل النيابي في عملية صنع القرار السياسي , اما الفساد القضائي فأنه يعرض سيادة القانون للخطر , والفساد في الإدارة ينجم عنه التوزيع غير العادل للخدمات , أي بمعنى أوسع , ينخر الفساد في القدرة المؤسساتية للحكومة , لأنه يؤدي الى اهمال إجراءاتها واستنزاف مصادرها , فبسببه أي , الفساد تباع المناصب الرسمية وتشترى , كما يؤدي الفساد الى تقويض شرعية الحكومة وبالتالي القيم الديمقراطية للمجتمع كالثقة والتسامح .

.6 ومما لا شك فيه ان تفشي الفساد السياسي سوف يغذي التطرف والإرهاب والانكشاف امام القوى الخارجية ويهدد الأمن وسيادة الدولة .

 

 

صور الفساد السياسي

يجمع اغلب الباحثين حول تحديد صور واشكال الفساد الرئيسية في ثلاث صور هي : فساد القمة ) الفساد الرئاسي (,  الفساد المؤسسي , الفساد المنظم المستقر , والفساد الحزبي والانتخابي  وسوف نتناوله بالتفصيل :

أولا : فساد القمة  ) الفساد الرئاسي (

حيث يشكل المرتكز الأساس لفساد المستويات السياسية الدنيا , ويشمل هذا النوع من الفساد ذروة الهرم السياسي , اذ ينصرف الى فساد الرؤساء والحكام مستغلين سلطاتهم لتحقيق منافع شخصية بطرق غير مشروعة , وهذا النمط من الفساد من أخطر صور الفساد , وترجع خطورته لإرتباطه بقمة الهرم السياسي في كثير من أشكال النظم السياسية لإنتفاع من يتولى القمة بالخروج عن حكم القانون بالمكاسب الشخصية التي تجني الثروات الطائلة لذلك يوصف استشراء هذا حيث يجري العمل على أساس آلية « النمط « بأنه فساد القمة المكثف التي تتعامل القمة من خلاله لجني ريع , فالعديد من قيادات الدول النامية تولت الحكم وهي شبه معدومة ولكنها عقب سنوات من ممارسة السلطة أضحت تملك ثروات هائلة , حيث يتم الإحتفاظ بها في حسابات سرية تكفل لهذه القيادات الإستمرار في الحياة الرغيدة التي اعتادوا عليها .

ثانيا : الفساد المؤسسي :

*لم يعد من الممكن التغاضي عن الفساد المؤسسي , ذلك ان الفساد يلتهم التنمية , وبالتالي ضعف تلك المؤسسات , سواء على المستوى العام او المستوى الخاص , أن محاربة الفساد لاشك أنها تحمي ثروات البلدان كما تحمي الإيرادات .

*الفساد المؤسسي يكون عندما يسود الفساد مؤسسات محددة او قطاعات نشاط محددة في الدولة , حيث يشمل اعداد اكبر من الموظفين , إضافة الى وجود عنصر التنظيم والتآمر , مثال ذلك : وجود وزارات تنفيذية مثقلة بموظفين فاسدين , بينما في غيرها تكون هذه الممارسة اقل شيوعا , او وجود ممارسات فساد بشكل روتيني في قطاعات معينة دون غيرها , ويرتبط ذلك بوجود مؤسسات ضعيفة تعاني من غياب القواعد والتنظيمات التي تحكم عملها , وضعف نظام الضوابط واللوائح السائدة .

ثالثا : الفساد المنظم او المستقر : وهو الفساد الذي ينتشر في المجتمع ككل وفي العملية السياسية , بحيث يصبح عملا روتينيا ومقبولا كوسيلة لأجراء صفقات يومية ولتحقيق اهداف النظام السياسي , وبما يؤثر على المؤسسات والسلوك الفردي في كل مستويات النظام السياسي والإقتصادي والإجتماعي , وترتفع درجة مؤسسية هذا النمط بحيث تعمل التنظيمات والهيئات المختلفة على دعم وتسويغ الممارسات الفاسدة وحماية الأشخاص الفاسدين .

يبدو الفساد المنظم أخطر أنواع الفساد واكثرها تعقيدا , وهو يظهر في مجتمعات ذات خصائص سياسية واجتماعية وثقافية محددة , تتميز بتنافس ساسي قليل ونمو اقتصادي ضئيل ومتفاوت , ومجتمع مدني ضعيف , وغياب المساءلة الحكومية , بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى التي تتميز بمدى واسع من الفرص الإقتصادية والمنافسة السياسية المنظمة .

 رابعا : الفساد الحزبي والإنتخابي :

 

ويعرف بأنه استعمال الوظيفة الحزبية للتربح الشخصي غير المشروع , وهذا التربح قد يكون مالي او ابتزاز سياسي او استغلال الحزب في خلق قوانين او عرقلة أخرى لمصالح شخصية , وتمثل في مجملها إنحرافات

للقواعد العامة للأحزاب ولوائحها .

*ان انتشار ظاهرة الفساد الحزبي يحول الدولة ومؤسساتها لتكون موردا وممولا للحزب لضمان بقائه والاحتفاظ بأعضائه , وتعزيز قدرته على مقاومة التحديات ومغريات الأحزاب الأخرى , وبذلك تصبح الدولة مؤسسة لدعم الأحزاب .

*ان الأحزاب السياسية في اغلب الدول التي تعاني من الفساد السياسي تجعل من ظاهرة الفساد منظومة مؤسساتية مرتبطة بالحزب , وتستغل مؤسسات الدولة وتجير المنافع العامة لصالحها , ما يؤثر على الأداء السياسي والاقتصادي .

*على الرغم من الآثار الكبيرة التي يسببها انتشار الفساد في أي بلد , الا أن الفساد النابع من الأحزاب السياسية المتنفذة , والمتمتع بحماية السياسيين يكون اشد خطورة واطول عمرا , اذ يصبح الفساد جزء من بنية الدولة , والقوانين والمؤسسات الرقابية مخترقة من الأحزاب المنتفعة في الفساد .

*الفساد الحزبي يمكن تعريفه بأنه ممارسة للفساد السياسي ليس بشكل فردي وانما مؤسسي , أي انه استخدام الحزب لقوته بهدف تحقيق مكاسب , وتعيين أشخاص في الحياة العامة وشبه العامة , واستغلال مكانته في الحكومة , وتغلغله في البيروقراطية لتحقيق مصالح أعضائه وانصاره وكسب ولائهم (شراء الأصوات والنشاط السياسي)

*الفساد الحزبي هو أيضا سعي الحزب لجعل الدولة ومؤسساتها لتكوم موردا للحزب لضمان بقائه والمحافظة على أعضائه , وتعزيز قدرتهم على مقاومة التحديات ومغريات الأحزاب الأخرى , وبذلك تصبح الدولة ومؤسساتها بنية مؤسسية لدعم الأحزاب واضفاء المشروعية على الأعمال غير المشروعة لأعضائها , ليتمكن بعد ذلك من شراء النشاطات السياسية التي يؤديها أعضاء الحزب بمقابل مادي وليس عن قناعة , وكذلك شراء الاستجابة الشعبية لسياساته والموافقة عليها .

*ان الفساد السياسي يكثر في الدول التي تحدد فيها الانتخابات المستقبل السياسي للأحزاب والنخب السياسية المختلفة وامكانيات وصولها للسلطة , في العديد من دول العالم المتقدم او النامي , وفي مثال الهند او الفلبين غالبا ما تستخدم ملايين الدولارات المخصصة لحملات الانتخابات في شراء أصوات الناخبين , وفي احايين كثيرة تقوم بعض الشركات الضخمة والهيئات الخاصة بتقديم المبالغ لتمويل الحملات للأحزاب المتنافسة , وعندما تصل بعض هذه الأحزاب الى السلطة تكون ملزمة بتقديم امتيازات معينة وغير الشرعية -غالبا- الى هذه الشركات .

وتمثل العلاقة بين الوكلاء والزبائن نوع اخر من الفساد السياسي , اذ يقدم فيها الوكلاء الذين يتمتعون بمركز عال وثروة ونفوذ الرعاية في شكل الحماية والتمكين من الوصول الى المنافع المقدمة من الدولة او الحزب كذلك المكافآت المادية والأعمال والسمعة , الى زبائنهم مقابل الدعم السياسي ولما كانت مثل هذه المكافآت غالبا ما تنتهك القانون لاسيما قانون الانتخابات .

ان آلية المشار اليها ترتبط بنمط محدد من الحكم وهو الحكم (الأبوي – العصبوي) اذ تمثل القمة فيها البؤرة التي ترتكز عليها السلطة السياسية ومنها تنبعث وتشع الى العناصر (الأكثر ولاء للقمة) التي تمثل بدورها نقاطا فرعية بالنسبة العناصر الأخر الأقل تأثيرا ونفوذا واقترابا من القمة (أي نقاط وسيطة بين القمة وتلك العناصر الأخر) وتتسم العلاقات الرأسية في هذا الأنموذج بالولاءات الشخصانية , بينما تتسم العلاقات الأفقية يسن النقاط الفرعية بالتنافس والصراع من اجل اظهار قوة الولاء للقمة السياسية ومحاولة الوجود على مقربة منها دائما .

ومن الأهمية بمكان ادراك حقيقة مفادها ان الفساد في العديد من الدول جاء نتيجة للتمويل غير القانوني الذي تحصل عليه الأحزاب السياسية , ولا تقتصر فضائح الفساد السياسي على الدول النامية , بل حتى في اكثر الدول تقدما من الناحية الصناعية مثل : فرنسا , وألمانيا , والولايات المتحدة الأمريكية , اذ وجهت اصابع الاتهام مؤخرا الى شخصيات وأحزاب سياسية على خلفية مشاركتها في عمليات تمويل أنشطة سياسية بشكل غير قانوني .

*لا يعود استشراء الفساد السياسي لتدني كفاءة مؤسسات الدولة وفساده حسب بل لفساد العملية السياسية برمتها , فحين تفرض النخب السياسية الفاسدة توجهاتها على النظام السياسي تخل بقواعد العمل السياسي ومعاييره الأساس المستمدة من تجارب أنظمة الحكم الصالح في دول العالم وخبرتها في صياغة التشريعات الدستورية الضامنة لحقوق الدولة والمجتمع .

خطورة المال السياسي , يقول سليم الحص , اننا لا نغالي ان قلنا المال السياسي , فاسد ومفسد , لأنه لا يوظف لأغراض سياسة , يستخدم المال الفاسد أساسا لأحداث تغيير في بنية النظام السياسي واكثر أنواع الفساد خطورة قبول السياسيون تبرعات غير شرعية لتمويل حملاتهم الانتخابية ورشوة الناخبين , فشراء أصوات الناخبين يفسد العملية الانتخابية ويضعف مشاركة المواطن وثقته بالنظام السياسي .

*استغلال زعماء الأحزاب الحاكمة مناصبهم لزيادة ثروتهم الشخصية وثروة احزابهم لاستخدامها في شراء الذمم او تغطية نفقات مقراتهم الحزبية وتسديد رواتب منتسبيهم المتفرغين لإدارة شؤون الحزب .

*لا يهدف الفساد الحزبي والانتخابي نهب الأموال العامة وشراء ذمم الناخبين وحسب بل اضعاف النظام السياسي « بمختلف انماطه السياسية وشرعيته « ليمارس السياسي افعاله الفاسدة التي تستهدف بنية النظام السياسي ومنظومة الضوابط الإدارية والتشريعية الناظمة لعمل مؤسسات الدولة ومعايير السلوك الوظيفي لموظفي الخدمة العامة لحماية أموال الدولة والمصالح العامة وعدم فسح المجال لضعاف النفوس من السياسيين اختلاس الأموال العامة وتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصالح العامة ما يفسد مؤسسات الدولة والمجتمع وبدوره يؤثر سلبا في النظام السياسي ويضعف :

 *نظام الحكم في المجتمعات المتناحرة ما يشجع على الحرب الأهلية .

 *الاستقرار السياسي وتردي الأمن ما يشجع على تفشي الفساد .

 *القرارات السياسية ما يضر المصالح الوطنية .

 * النمو الاقتصادي ما يعيق تطوره .

 فرص الاستثمار ما يفقد الشركات العالمية الثقة بالدولة جراء تنافس السياسيين على طلب عمولات مالية لعقد الصفقات التجارية .

*ثمة سؤال محوري وجوهري يطرح نفسه وهو : ما مدى جدية ونجاعة الأحزاب في التصدي للفساد بكل صوره والسعي لتعزيز مبادئ الشفافية والمحاسبة داخل المجتمع في الوقت تتنكر لها , هي نفسها , ضمن ممارساتها اليومية ؟ لا يمكن المراهنة على أحزاب منخورة من الداخل في مواجهة خطر الفساد , فالمؤسسات الحزبية التي لا تدبر ماليتها بشفافية ولا تواجه نخبها الفاسدة بإجراءات صارمة وتدابير عقابية  , تظل هشة وغاليا ما تجعل من هذا المطلب ( مطلب التصدي للفساد ) مجرد شعار « انتخابي « لكسب التعاطف « والمقاعد « ذلك ان فاقد الشيء لا يعطيه .

ان تخليق الحياة العامة يبدأ من تحصين الذات , واعتماد الشفافية والنزاهة كسلوك طبيعي داخل هذه القنوات , وعدم التسامح والتطبيع مع الفساد , وتوخي الحذر والمسؤولية والكفاءة والمصداقية في تزكية المرشحين للانتخابات , وتعزيز المشاركة السياسية التي تأكدت نجاعتها في تضييق الخناق على المفسدين , اضف لذلك ضرورة تشريع قانون خاص بتشكيل الأحزاب السياسية وإلزامها بضوابط صارمة في منح العضوية تحاشيا لاستخدام الحزب أداة من الانتهازيين وذوي النفوس الضعيفة والمافيات للهيمنة على السلطة وفرض توجهاتهم على مؤسسات الدولة والمجتمع , فقانون تشكيل الأحزاب السياسية يحدد معايير العمل السياسي ومراقبة أوجه الانفاق المالي ومصادر التمويل والتبرعات وحجمها وتشديد آليات المساءلة لمنع شراء أصوات الناخبين , وفي المقابل تشجيع الرقابة الشعبية على الأحزاب السياسية  لفضح ممارسة منتسبيها الفاسدين وكشف ممارساتهم وشعاراتهم المضللة .

 

 

 

الرقص مع الفساد

في كتابه الرقص مع الفساد يشير الدكتور محمد رؤوف حامد ان شدة وكثافة وقائع الفساد في كافة صوره قد ازداد الى درجة ان تشبع المجتمع به ، واصبح الفساد ، كما يقول البعض ، شيئا عاديا ، لقد استولى الفساد على قدر كبير من الشرعية ، وتحول ماهو غير شرعي الى شرعي ، وماهو غير شرعي الى غير شرعي ، حيث يقاسي المتصدون للفساد عنف الفاسدين والذي يجيء اقله في صورة دعاوي قذف وسب تملأ ساحات المحاكم ، ولكن اذا كان هذا السبب ، والخاص بتعاظم الفساد الى حد التشبع ، قد ادى الى هروب الفاسدين بفسادهم من المحاسبة ، فكيف تكون المجابهة اذن ؟

ان وصول المجتمع الى حالة اقرب الى التشبع بالفساد تجعل من الصعب مجابهة الفساد في كل جزء او وحدة من وحدات المجتمع على حدة ، هناك حاجة ماسة لان تكون المجابهة كلية .

وبتوصيف دقيق يشير الباحث الى عمليات مواجهة الفساد بأسئلة للمواطن : ماذا تختار من موقف لنفسك بشأن الفساد ؟ هل تقبله ام تجابهه ؟ هل تسمح لنفسك او لزميلك او لرئيسك بممارسة الفساد الصامت ؟ او التبريرات الداعمة للفساد ؟

اذا كنت تعيش او تعمل في مناخ قليل الفساد فأنت محظوظ حيث في الاغلب لن تقبل اللعب ( او الرقص ) مع الفساد ذلك اما لانك انسان ناضج وتراعي الصالح العام او لانك تخشى من عواقب اكتشاف الامر ، لانك تعيش في مجتمع يتمتع بالشفافية ، والفاسد في مثل المجتمع يسبب العار لنفسه ولعائلته اذا ماجرى اكتشاف امره ، وانت بالطبع لست فاسدا او متوائما مع الفساد .

اما اذا كنت تعيش او تعمل في مناخ متشبع بالفساد فان الامر قد يكون مختلفا ببساطة لانك قد ترى ان عليك ان تفعل مايفعله الآخرون وذلك كما تقول نظرية ( كيف يلعب الآخرون ) انك هنا ترقص مع الفساد وستغيب عن الوعي اقصد تغيب عن الشرعية او تغيب الشرعية عنك وعن من معك ، وعن مؤسستك وفي النهاية عن مجتمعك ككل ، عندها سيسقط الجميع وتسقط انت مهما كان لك من حصانة بالمال او الجاه ، حيث سيتآكل الامن الانساني ويعجز المجتمع ويتفتت وتتأخر البلاد وتصبح عرضة للانتهاك داخليا وخارجيا ... وليكن شعارك ( لا للرقص مع الفساد ) هو الشعار العملي لك ولمجتمعك ولوطنك ان كنت تؤمن بالله وكتابه وبالوطن .

أستاذة النظم السياسية والسياسات العامة

 

 

 

 


مشاهدات 61
الكاتب وصال العزاوي
أضيف 2026/08/19 - 3:48 PM
آخر تحديث 2026/08/20 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 22627 الكلي 16112331
الوقت الآن
الخميس 2026/8/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير