الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأقيصر أقدم كنيسة شرقية تعود للقرن الخامس الميلادي

بواسطة azzaman

مشاهدات من العراق (2)

الأقيصر أقدم كنيسة شرقية تعود للقرن الخامس الميلادي

رعد أبو كلل الطائي

 

تقع كنيسة الأقيصر شمال شرق قصر الأخيضر، وتبعدُ عنهُ بواقع  15 كيلو متراً، يمين الشارع العام كربلاء - عين التمر، في موقعٍ منعزل عن ضفاف أحد الوديان الذي يصبُ إلى الغرب من بحيرة الرزازا، وهذهِ الكنيسة الآثارية تقع في الوقت نفسهِ غرب محافظة كربلاء بقلب البادية العراقية وسط العراق، وفي منطقة كانت تُسمى دومة الحيرة، في حين تبعد الكنيسة عن محافظة كربلاء بحدود 65 كيلو متراً، ويعود تأريخ بناؤها  قبل الإسلام بأكثر من ثلاثة قرون، وتتميزّ بوجود كتابات آرامية، فضلاً إلى إن المذبح يتجه نحو القُدس .

وتعود تسمية هذا المكان بالأقيصر إلى تصغير كلمة قصر، إذ اشتهرت هذه هذه المنطقة وما يُجاورُها بكثرة الأبنية الشاخصة، التي أُطلق عليها أسم قصور، مثل ( قصر الأخيضر. وقصر البروديل، وقصر شمعون )، وعلى هذا الأساس سُـميتّ من قبل السكان المحليين الذين ظنوا بأنها لا تختلف عن الأبنية الأُخرى، فسموها قصيراً أو أُقيصر، ولم يدركوا ما هيتها سوى إنها بناية عالية آثارية، فيما يرى بعض المؤرخيّن إن تسميتها جاءت من (القصر الصغير) .

زيارة أقدم كنيسة

هذه المرة كانت زيارتي للكنيسة من محافظة كربلاء المقدسة، فأنطلقتُ إلى ظالتي (الكنيسة)، بعدَ صعودي في حافلة صغيرة (كوستر)، مع عددٍ من موظفي آثار كربلاء، وخلال الطريق الصحراوي المؤدي إلى أقدم كنيسة آثارية في العالم، دارَ حديثٌ مع موظفي آثار كربلاء، وقدموا لي فرشة معلومات عن هذا المعلم من خلال الأبحاث المتوفرة، فقال لي الآثاري حسين الخفاجي :  تُشير الأبحاث والآثار والمصادر التاريخية إلى أن هذه الكنيسة، هي واحدةٌ من أهم المواقع التي تثبُتّ أصالة الوجود المسيحي النسطوري في وادي الرافدين، بناها مسيحيون من الطائفة النسطورية، الذين ثاروا على الكنيسة البيزنطية، ووجدوا مأمنهم وممارسة حُرية طقوسهم وعباداتهم في ظل دولة المناذرة اللخميين (268 - 633م) التي كانت خاضعة للدولة الساسانية، وكانت تُديّن بالمسيحية، وقد أزدهرت النسطورية في ذلك العهد، وساعدَ على ترحيب الأكاسرة الساسانية بهذه الطاىفة، لأن الساسانيين كانوا يخوضون حروباً مع الرومان الذين يعتنقون الأرثوذكسية .

تأريخ بناؤها

وأوضح : إن تأريخ بناء الكنيسة يعود إلى القرن الخامس الميلادي، أي في عهد أول ملوك المناذرة اللخميين عمرو بن عدي ( 268-295م)، وقد بُنيت الكنيسة من الطابوق المفخور أو الفرشي على شكل بناء مستطيل الشكل، تقع أبعادهُ في حدود 320 متراً، ويبلغُ ارتفاع ما تبقى من جدرانها المتصدعة حوالي 8 أمتار، وتمثل هذه الجدران الشاهقة، حُجرة القداس، ومحراب الكنيسة الأعظم، وقد فقدت هذه الكنيسة سقفها منذُ زمن سحيق، وتمتد بموازاة الكنيسة عشرات الحُجرات الصغيرة التي لا يتجاوز عرض الحجرة الواحدة مساحة 9 أمتار، والتي تمثًل حُجرات مرفقة ببناء الكنيسة الرئيسي لنُزل الرحلات، ويتخلل بناء الكنيسة الكثير من الردهات والممرات الضيقة، وإن اغلب الُحجرات على ما يبدو قواعد لجرار خزفية كبيرة ثابتة في الأرض.

 لم يبقًَ منها سوى قواعدُها، قد يكون تم أستخدامها لخزن المياه أو الحبوب، وأردفَ : وإلى الجوارِ من جهة الجنوب هناك فناء مستطيل يمتد بأمتداد الكنيسة مع القِبلة إلى بيت المقدس من الشرق إلى الغرب، وفي جداره الأيسر يمتد درج، يبلغ عمق عرض مُدرجاته النصف متر.

يصل إلى الدور الأعلى الذي لم يبقًَ منه شيءٌ يُذكر، فضلاً على ذلك فإن هناك كثيراً من المرفقات الملحقة ببناء الكنيسة، فعلى بُعد 250 متراً جنوب الكنيسة هناك بناء كبير يحتوي على كثير من الحُجرات، وبينها قاعة كبيرة تحتوي على عدد كبير من قواعد الجِرار الثابتة والكبيرة، ويظهر إن هذا البناء يُمثل مخزن الطعام الستراتيجي للكنيسة، وإلى الشرق من بناء الكنيسة تقع مقبرة (نواريس النصارى)، وهذه القيمة البنائية للكنيسة قد تُشير إلى أنّها أقدم كنيسة شرقية في التأريخ، كونُها وحسب دراسات بُنيتّ في منتصف ستينيات القرن الخامس الميلادي، ومدخلُها من الجهة الغربية منها، أما الجهة الشرقية فقد أحتوت على حُجرةَ جرةٍ كانت تعلوها قُبة، ومن الجنوب منها كان هُناك مدخلٌ صغيرٌ يؤدي إلى ثلاث حُجرات، تُجرى في إحداها مراسيم التعميد، والأُخرى تُسمى بيت الشماسة، وفيها يرتدي القسيسيون والرهُبان لِباسهم الديني، ولا تزال آثار الكتابات الآرامية على جدرانِها، زيادةً على وجود المذبح الذي يتجه نحو القُدس، وهو مرتفع عن باقي أرضية الكنيسة، وتبلُغ مساحة هذا المكان الكلية حوالي أربعة آلاف متر مربع، بما فيها المقابر والأبراج والأديرة والخزائن  وبعدَ حوالي ساعة تقريباً، أصبحنا أمام مجموعة من آثار وموقع الكنيسة، ترجلنا من الحافلة الصغيرة نحو الكنيسة .

مدينة مُتكاملة

وخلال تجوالنا في مرافق الكنيسة، لاح أمام أنظارنا، وخارج سور كنيسة الأقيصر، كنيسة أُخرى تم اكتشافُها، وهذه الكنيسة، كما تُشير الأبحاث الآثارية، خاصة بمراسيم وطقوس دفن الموتى المسيحيين، كما تم اكتشاف عشرات القبور التي تتجه مُقدماتُها إلى القُدس، بينما توجد قُرب الكنيستين العديد من التلول مما يوحيّ إلى وجود مدينة كاملة كانت قُربُها، وكان المسيحيون الكلدان يأتون سنوياً في فترة عيد الميلاد إلى زيارتها، لإقامة القُداس فيها وذلك بعدَ اكتشافها على يد بعثة تنقيب في فترة سبعينيات القرن الماضي على الرغم من فقدان سقوفها من أمدٍ بعيدٍ، ولكن جدرانُها وإطلالها ما تزال شاخصةً .

نواة توحيدية

وبناءً على ما تقدم أقول :

إن هذه الكنيسة القديمة تُمثّل نواة توحيدية في عصرها المُبكر في غرب الإمبراطورية الساسانية، ونلاحظ آثار المستوطنات المسيحية تمتد بشريط أرضي يقع في أقصى غرب بحيرة الرزازا، ثم ينحرف إلى الجنوب من الرزازا ليقطع صدع الطار الجيولوجي شرقاً، ثم يتبع مجرى نهر العلقمي فيخترق مستوطنة نينوى على ضفاف النهر المذكور حتى يتصل بالمستوطنات النسطورية في الحيرة وبحر النجف، وقد روى البلاذري في كتابهِ فتوح البلدان ان خالد بن الوليد حين قاتل أهل عين التمر، وحاصر قلعتها المُحصنة، ثم تمَّ له ما أرادَ عنوةً .

 


مشاهدات 39
الكاتب رعد أبو كلل الطائي
أضيف 2026/08/15 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 2:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 16698 الكلي 16106402
الوقت الآن
الأحد 2026/8/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير