الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ساعات وطن

بواسطة azzaman

ساعات وطن

منتصر صباح الحسناوي

 

نصحني أحد الأصدقاء بلبس ساعة «رولكس»، فأجبته أن لا قدرة لي عليها، فقال: هناك ساعات «كوبي» قريبة من الأصلية، لا يعرف من يراها الفرق.

فقلت له مقتنعاً: وما الداعي إلى أن أبدو بغير صورتي الحقيقية؟ وما الغرض من ذلك؟

قد يبدو هذا الحوار عابراً، لكنه يختصر ظاهرة أخذت تنمو في المجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة، مع اتساع سوق الساعات الثمينة والمقلدة معاً، وازدياد الاهتمام بالعلامة التي تظهر على المعصم أكثر من الحاجة إلى الساعة نفسها.

فالساعة هنا تمنح صاحبها صورة يريد أن تسبقه إلى الآخرين وتقول عن قدرته المالية ومكانته الاجتماعية ما قد يعجز واقعه عن قوله. لعل المجتمع يريد منا ذلك أو لعلنا أقنعنا أنفسنا بأن الناس يروننا من خلال الساعة التي نرتديها والسيارة التي نقودها والهاتف الذي نحمله، حتى صارت بعض الأشياء تُقتنى للصورة التي تصنعها أمام الآخرين.

وقد وجد البعض في الساعة المقلدة طريقاً سريعاً للظهور بمستوى اقتصادي مختلف أو لترك انطباع بالثراء والنجاح والنفوذ، معتمداً على أن من يراه لن يسأله عن شهادة المنشأ أو رقم الساعة.

تتنوع الساعات بتنوع أصحابها ومقاصدهم، فهناك من يقتني ساعة أصلية من ماله وتتوافق قيمتها مع قدرته الاقتصادية ويجد فيها ذوقاً أو هواية أو تقديراً لصناعتها، وهذا أمر طبيعي.

وهناك من يدفع جزءاً كبيراً من دخله ثمناً لها ليحصل على الصورة التي ترافقها.

ويذهب آخر إلى النسخة المقلدة التي تمنحه الاسم والمظهر بأقل كلفة، حتى أصبحت الساعة عند بعضهم لغة اجتماعية صامتة تسبق التعريف بصاحبها. وفي المقابل، تظهر ساعات أصلية وبأسعار كبيرة على معاصم أشخاص لا تنسجم مواردهم المعروفة مع قيمتها. وهنا تتحول الساعة من قطعة للزينة إلى سؤال اجتماعي واقتصادي، خصوصاً حين يكون مرتديها «موظفاً عاماً أو مسؤولاً « يفترض أن تكون موارده معلومة، فالمجتمع الذي يشاهد ساعة تساوي راتب صاحبها لسنوات سيبحث تلقائياً عن تفسير، وقد يربطها بالمال العام قبل أن يعرف حقيقتها، مما يوسع مساحة الشك ويضعف الثقة بالمؤسسات.

والأدهى من ذلك أن صفحات كثيرة باتت تشرح الشخصيات من خلال الساعات التي ترتديها، فتنشر صورة الساعة وعلامتها وسعرها وسنة إنتاجها ومواصفاتها الدقيقة وكأنها معجزة استقرت في اليد، وقد يصبح ثمن الساعة أهم من عمل صاحبها، وتتحول الشخصية إلى معصم يحمل علامة تجارية، فيما تمنح هذه الصفحات ترويجاً مجانياً لثقافة ترى المكانة في قيمة المقتنيات.

مسافة حقيقة

هذا النوع من المحتوى يصنع أثراً يتجاوز الفضول، لأنه يضع أمام الشباب نموذجاً للنجاح يرتبط بالمظهر والاستهلاك ويزرع شعوراً بأن الاحترام يحتاج إلى ساعة وسيارة وهاتف من علامات محددة.

ومع تكرار الصور والأسعار، تتحول الكماليات إلى ضرورات اجتماعية، ويدخل بعض الناس في سباق لا تسمح به دخولهم، فيلجؤون إلى التقليد أو الاستدانة أو المبالغة في عرض ما يملكون. وهكذا تتسع المسافة بين حقيقة الإنسان والصورة التي يقدمها عن نفسه.

رشوة بعنوان الهدية  أما الوجه الأخطر فيظهر عندما تصل الساعة تحت عنوان «الهدية»، فالساعة الثمينة تحمل قيمة مالية كبيرة في حجم صغير، ويسهل نقلها وحفظها وإعادة بيعها، كما يمنحها اسم الهدية غطاءً اجتماعياً مقبولاً. وعندما يقدمها صاحب مصلحة إلى مسؤول أو موظف يملك قراراً يتعلق به، فإن قيمتها وتوقيت تقديمها وطبيعة العلاقة بين الطرفين قد تكشف معناها الحقيقي، سواء جاءت قبل الخدمة أم بعدها. لقد عرفت مجتمعاتنا الهدية باعتبارها تعبيراً عن المودة والتقدير، لكن توظيفها في العلاقات الرسمية جعل الحدود تختلط بين المجاملة والرشوة. وقد لا يطلب مقدم الساعة مقابلاً مباشراً، إلا أن الهدية تترك التزاماً نفسياً، وتفتح طريقاً للمحاباة وقد تصبح مكافأة عن قرار سابق أو استثماراً في قرار قادم.

وهكذا تغادر الرشوة ظرف المال وتستقر في هدية لامعة يمكن ارتداؤها والتباهي بها. إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تدفع المجتمع نحو السطح، إذ تُختصر الشخصية بما ترتديه وتُقاس المكانة بثمن ساعة ويُمنح المظهر قدرة على إخفاء الفراغ أو صناعة قيمة لا وجود لها في الواقع. ومع اتساع هذا المقياس، تتراجع أمامه قيمة الفكرة والعمل والخبرة والسيرة، ويصبح الإنسان مطالباً بأن يعرض نفسه من خلال مقتنياته قبل أن يعبّر عنها بما يحمله من معرفة وموقف وروح اجتماعية. المجتمع الحقيقي تبنيه الشخصيات المقبولة التي تجد مكانتها في أثرها بين الناس وفي قدرتها على العطاء وفي احترامها لذاتها وصورتها الحقيقية.

فالساعة، مهما ارتفع ثمنها، تظل شيئاً يضاف إلى الإنسان، بينما القيمة تنبع منه، وعندما تمنح الأشياء مساحة أكبر من أصحابها، نصنع مجتمعاً يرى الغلاف ويغفل ما في الداخل، ويلاحق علامات الثراء فيما تبتعد عنه علامات الشخصية الحقيقية التي تمنحه مكانته، وهي الباقية بعد أن تتوقف كل الساعات.

 

 


مشاهدات 239
الكاتب منتصر صباح الحسناوي
أضيف 2026/08/15 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/08/16 - 2:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 16698 الكلي 16106402
الوقت الآن
الأحد 2026/8/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير