الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مكاشفةٌ في الحنين إلى القصيدة المدوّرة ومحاورة حسب الشيخ جعفر


مكاشفةٌ في الحنين إلى القصيدة المدوّرة ومحاورة حسب الشيخ جعفر

عبد المنعم حمندي

 

​حين يمرُّ العمرُ صبباً، وتتكاثفُ الرؤى في ذهنية الشاعر، تصبحُ الشكلانيةُ الشعريةُ أكثرَ من مجرد إناءٍ عروضيّ؛ إنها تمسي ملاذاً  وجودياً، ومحاولةً جادةً للقبضِ على الزمن الذي يتفلّت من بين الأصابع. وفي هذه المنطقة البرزخية، أسألُ  نفسي  وأنا أعيش تجربة جديدة مع القصيدةَ التي تدورُ على نفسها في حلزونٍ إيقاعيّ لا يهدأ: هل عودتي إلى "القصيدة المدوّرة" هي ارتيادُ أرضٍ بكرٍ ودخولٌ في تجربةٍ جديدةٍ بعد أن غادرها الشعراء؟ أم إنها استعادةٌ حية، ونبشٌ وفيّ في أثرِ النموذج الفذّ الذي شيّده الراحل حسب الشيخ جعفر؟

​لقد كان حسب—رحمه الله—يرى في التدوير "لعبةً فنية" للقبضِ على الزمان والمكان، لتهشيمهما والمزج بين أشتاتهما في البؤرة الشعريّة ذاتها، بحيث يُتاح للشاعر أن يكون حاضراً في أزمنةٍ وأمكنةٍ متعددةٍ في اللحظةِ عينها. ولم تكن الحداثة عند حسب، كما كنا نتداولها _ ونحن نجالسه على مائدته في حديقة نادي اتحاد الأدباء في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي ونحاوره في الشاعرية والحداثة في الشعر_ مجرد صرعة أسلوبية؛ بل كانت لديه وعياً عميقاً بجوهر الشاعرية، ورؤيةً فلسفية تخترق السطح إلى العمق. كان دافعه الأصيل للتدوير هو إحداث "إضافة نوعية" حقيقية لما قدمه رواد شعر التفعيلة (السياب، ونازك، والملائكة، وعبد الوهاب البياتي )، إذ شعر أن شطر التفعيلة التقليدي -رغم ثوريته الأولى- قد بدأ يقع في نمطيةٍ  تحتاج إلى دفعةٍ رؤيوية جديدة تمنح القصيدة سيولةً وحركيةً أوسع.

​وهنا يتجلى العمق العروضي والتاريخي لهذه اللعبة؛ فالشكل الإيقاعي للتدوير ليس مقطوع الجذور ولا مبتكراً من فراغ، بل هو امتدادٌ وتطويرٌ لشكلٍ إيقاعيّ موروث عرفه الأدب العربي منذ القرن الثامن عشر تحت مسمى "البند"؛ ذلك الفن المتدفق الذي اعتمد تدوير التفعيلات وتدافعها دون الالتزام بوقوف القافية أو شطر البيت التقليدي. أخذ حسب هذا الموروث التراثي وأعاد صياغته بروح الحداثة والمعاصرة، ليحوله من مجرد شكلٍ عروضيّ إلى طاقةٍ فلسفية تسع الرؤى الكبرى.

​ولعلّ هذا التاريخ المزدوج يفسر العودة اليوم إلى دواران إيقاع "أفعى الدوران" عندي في تجربة جديدة انجزت خمس قصائد تحت تسمية ( مدورات)  ولا اريد أن اعرف متى تنتهي!

إذ يلتقي تحريض الذاكرة بالحافز الجمالي. فمن جهة، ثمة حنينٌ ناعمٌ لتلك السهرات والجلسات الحوارية مع حسب والبياتي المحمولة بنقاشات الفكر والشعر، ومن جهة أخرى، ثمة إحساسٌ باستقرارٍ مكتنز بالتوتر الداخلي في قلب هذا الدوران. إنه دخولٌ واعٍ في تجاربَ شكليةٍ تجعل من القاموس التراثي الباذخ بمفرداته الغريبة أداةً لخلق جرسٍ موسيقيّ يوازن بين صمود المفردة في وجه السيولة اللفظية المعاصرة، وبين استعادة الحميمية مع زمن المحاورة الأول.

​بين الاستئناف الشجاع لتجربةٍ حداثية أهملها المتأخرون، وبين الاستعادة الوفية لروح الصديق والملهم،والأستاذ حسب الشيخ جعفر، تظلّ القصيدة المدوّرة ساحةً للوجود المتعدد. إنها عودةٌ تجمع بين مجابهة الانحطاط اللغوي بالقاموس المتين، وبين الوفاء لصوتِ حسب الشيخ جعفر وهو يعيد رسم أبعاد الزمان والمكان في بؤرة الشعر الخالدة.

 


مشاهدات 51
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/08/10 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 7:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 387 الشهر 11410 الكلي 16101114
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير