الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المباحثات الأمريكية الإيرانية بين مسارات التهدئة وإحتمالات الإنفجار

بواسطة azzaman

هل نحن أمام لحظة إنفجار أم تسوية؟

المباحثات الأمريكية الإيرانية بين مسارات التهدئة وإحتمالات الإنفجار 

علاء العاني

 

في السياسة، لا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المدن التي بقيت صامدة، بل بالقدرة على تحويل النتائج الميدانية والسياسية إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو إيران اليوم أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ عقود، حيث تتداخل الضغوط الاقتصادية مع التحديات الأمنية والتحولات الإقليمية، فيما تحاول القيادة الإيرانية تقديم المشهد الداخلي والخارجي بوصفه دليلاً على الصمود والثبات لا على التراجع والهزيمة وإعادة التموضع.

ويرى عدد من المراقبين أن الفجوة بين الخطاب السياسي الإيراني وبين الواقع الاستراتيجي تتسع بصورة ملحوظة. فبينما تتحدث طهران عن نجاحها في مواجهة الضغوط الخارجية وإفشال محاولات عزلها، تشير مؤشرات عديدة إلى أن الدولة الإيرانية تواجه تحديات غير مسبوقة، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري او على مستوى شبكة النفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية في المنطقة .

لقد اعتمدت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها على سردية مركزية مفادها أنها دولة مقاومة للمشروع الغربي وقادرة على تغيير موازين القوى في المنطقة، غير أن التحولات المتسارعة التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه السردية اللاواقعية ما تزال قادرة على تفسير الواقع الجديد.

فالعقوبات الاقتصادية المتراكمة تركت آثاراً عميقة على الاقتصاد الإيراني. ورغم قدرة الدولة على التكيف مع جزء من الضغوط بفعل نفوذها المفروض على بعض دول المنطقة ،  إلا أن كلفة هذا التكيف انعكست بصورة مباشرة على مستوى المعيشة وفرص الاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، تواجه طهران بيئة إقليمية مختلفة عن تلك التي عرفتها خلال العقدين الماضيين، حيث تتغير التحالفات وتتبدل الأولويات وتبرز مشاريع جديدة لإعادة رسم التوازنات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

نظام سياسي

وفي هذا السياق، يعتقد بعض المحللين أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر اهتماماً بالحفاظ على استقرار النظام السياسي ومؤسسات الدولة من اهتمامها بخوض مواجهات مفتوحة وطويلة الأمد. فالدول، مهما كانت شعاراتها، تصل في لحظات معينة إلى مرحلة يصبح فيها الحفاظ على المكتسبات المتبقية هدفاً بحد ذاته.

ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على تقديم أي تسوية أو تفاهم محتمل بوصفه انتصاراً سياسياً ودبلوماسياً. فالدول الكبرى والصغرى على حد سواء تحتاج إلى رواية تشرح لجمهورها أسباب القرارات الصعبة. وليس من السهل على أي نظام سياسي أن يعلن لشعبه أنه اضطر إلى تعديل سياساته تحت ضغط الظروف، لذلك تلجأ الأنظمة عادة إلى إعادة تعريف مفهوم الانتصار بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.

ويرى مراقبون أن هذا السلوك ليس خاصاً بإيران وحدها، بل هو جزء من تقاليد السياسة الدولية. غير أن الحالة الإيرانية تبدو أكثر تعقيداً بسبب الطبيعة الأيديولوجية للنظام، الذي بنى جزءاً مهماً من شرعيته على مفاهيم الصمود والمواجهة ورفض الضغوط الخارجية. ولذلك فإن أي تحول في السياسات يحتاج إلى غطاء سياسي وإعلامي يسمح بتسويقه داخلياً باعتباره استمراراً للنهج نفسه لا تراجعاً عنه.

وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة، وخصوصاً في ظل عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر اهتماماً بالنتائج العملية. فالكثير من التقديرات السياسية تشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية إسقاط النظام بقدر ما تنظر إليه من زاوية ضبط السلوك وتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، يذهب بعض الباحثين إلى أن الإدارة الأمريكية قد تكون مستعدة للتعامل مع أي صيغة تحقق أهدافها الأساسية، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي أو بأمن الممرات البحرية أو بمستقبل الترتيبات الإقليمية الجديدة. أما شكل النظام الإيراني وطبيعة خطابه الداخلي فقد لا يكونان أولوية مطلقة ما دامت المصالح الكبرى محفوظة.

وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي تعدد مراكز الخطاب داخل إيران. فالتصريحات الصادرة عن الحكومة أو وزارة الخارجية أو البرلمان لا تعكس دائماً الصورة الكاملة لآلية صنع القرار. ولذلك يجد المتابع نفسه أحياناً أمام رسائل متناقضة، بعضها يتحدث بلغة التهدئة والانفتاح، وبعضها الآخر يرفع سقف التحدي والمواجهة.

ويعتقد كثير من المراقبين أن هذا التعدد يؤشر   وجود انقسام حاد داخل الدولة، بقدر ما يعكس محاولة إدارة توازنات داخلية معقدة بين المؤسسات المختلفة والتيارات السياسية المتنافسة. ولهذا السبب يصعب أحياناً فهم الموقف الإيراني من خلال تصريح منفرد أو موقف عابر، إذ إن الصورة الحقيقية تتشكل من مجموع الإشارات السياسية لا من تصريح واحد.

مشاريع اقتصادية

ومهما اختلفت التفسيرات، فإن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة تتشكل ملامحها تدريجياً.

فهناك مشاريع اقتصادية كبرى، ومسارات تطبيع وتحالفات ناشئة، ومحاولات لإعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي. وفي مثل هذه البيئة يصبح من الصعب على أي دولة أن تبقى خارج عملية إعادة التموضع.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران ستغير سياساتها بالكامل، بل إلى أي مدى تستطيع التكيف مع الواقع الجديد دون أن تفقد الرواية التي بنت عليها نفوذها لعقود. فالتحدي الأكبر أمام طهران لا يكمن في التفاوض ذاته، وإنما في كيفية تقديم نتائج هذا التفاوض لجمهورها وحلفائها بوصفها ثمرة قوة لا نتيجة هزيمة تتبعها ضغوط.

وفي النهاية، قد لا يكون الخلاف بين خصوم إيران وأنصارها حول الوقائع بقدر ما هو حول تفسير هذه الوقائع. فبينما يرى فريق أن ما يجري يمثل تراجعاً استراتيجياً واضحاً، يرى آخرون أنه إعادة تموضع تفرضها الظروف الدولية والإقليمية.

وبين هذين التفسيرين تستمر طهران في محاولة صياغة روايتها الخاصة، رواية تقول إنها ما زالت تمسك بزمام المبادرة، فيما يعتقد كثير من المراقبين أن المرحلة الحالية هي في جوهرها استسلام ومرحلة إدارة خسائر أكثر منها مرحلة جني انتصارات.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح القيادة الإيرانية في تحويل ضرورات التفاوض إلى صورة انتصار سياسي مقنع، أم أن التطورات المقبلة ستجعل الفجوة بين الخطاب والواقع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؟

أما بالنسبة للعراق والعالم العربي، فإن الحكمة تقتضي الابتعاد عن الانفعالات السياسية والرهانات المبكرة على انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل قد تستمر سنوات، تتغير خلالها التحالفات وتتبدل الأولويات وتُعاد صياغة موازين القوى وفق مصالح الدول الكبرى والإقليمية. ومن هنا فإن المطلوب عربياً ليس الانشغال بخطابات النصر والهزيمة بقدر ما هو قراءة المتغيرات بعين واقعية، والاستعداد للتعامل مع نتائجها السياسية والاقتصادية والأمنية.

إن ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران، وبين القوى الإقليمية المختلفة، لا ينبغي النظر إليه بوصفه حدثاً عابراً، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب ورسم خارطة جديدة للشرق الأوسط. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح مصلحة الدول العربية، والعراق على وجه الخصوص، في تعزيز استقرارها الداخلي وحماية قرارها الوطني وتنويع علاقاتها الإقليمية والدولية، بعيداً عن سياسة المحاور والاصطفافات الحادة.

لذلك فإن الموقف الأكثر عقلانية ليس انتظار انهيار أحد أو انتصار آخر، بل الترقب الواعي والحذر، وفهم اتجاه الرياح قبل الإبحار. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تكتفي بمراقبة التحولات الكبرى من بعيد غالباً ما تدفع ثمنها لاحقاً، أما الشعوب والدول التي تستعد لها مبكراً فإنها تكون الأقدر على حماية مصالحها وصناعة مستقبلها.

 


مشاهدات 55
الكاتب علاء العاني
أضيف 2026/06/20 - 3:58 PM
آخر تحديث 2026/06/21 - 2:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 19842 الكلي 15895323
الوقت الآن
الأحد 2026/6/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير