يا ابن الضمير
وجيه عباس
بالغائبين وهم بها حُضّارُ
هو مسرحٌ لكنه دوّارُ
العطر أثّثَ لوحةً من غيمةٍ
وأصابعي فيها هناك تدارُ
وأصابعي الألوانُ يقطرُ لونُها
وقماشُ لوحتها هناك إطارُ
سبّابتي ريشٌ وأبهامي بها
خشبُ، وفوق صليبه مسمارُ
لي حانةٌ والغائبون كثارُ
يتوالدون كأنهم أشجارُ
لكنني خمرٌ وليس بوسعها
الا تقولَ فينطقُ الخمّارُ
*****
من أي ناحيةٍ يجيء الغائبون
إلى هنا، وكأنهم زوارُ
يتأنقون ثيابَهم وعطورَهم
وأنا ثيابي ضيعةٌ وفِرارُ
وأبيح فنجاني لتُهتكَ قهوتي
وكأنَّني في وحدتي ثوّارُ
وعليَّ قدتُكَ ثورةً والغائبون
توافقوا وتنافقوا وأثاروا
أعددت حبلي نحو شنقِك هاهنا
لا رأيَ للموتى بأن يختاروا
وهنا تُعلَّقُ فوق طاولةِ الضيوفِ
وَهُمْ بها الذبّاحُ والجزّارُ
الغائبون الراحلون توافدوا
لما سقطت تناهبوك وساروا
*****
إني أضعتُ ملامحي ونسيتها
وكأنني ليلٌ وثمَّ نهارُ
بيني وبين الغائبين وقائعٌ
آثرت فيها الصمتَ وهو حوارُ
لاشيءَ أوجع في الهزيمة من يد
مقطوعةٍ، وحياؤها بتّارُ
كالنهرِ يجري ساجداً وكأنه
كان الإمامَ وحوله الكفّارُ
*****
قلقٌ من الخيبات أستر سوأتي
وكأنَّ كل فجيعةٍ أستارُ
ألا أعود بخيبةٍ وأعودها
ويعيدني التكرارُ والتكرارُ
وأراك منتصَفاً وحولك
كل شيء
دائرٌ
وتُوزَعُ الأدوارُ
لا لفَّك النسيانُ ودَّعَ وجهَك
المنسيَّ
لا الأسماءُ
لا التذكارُ
والغائبون هُمُ حضورُك ايها
المسكونُ حيث تقولك الأشعارُ
*****
يا ابن الضمير وبعض مانطقت به
تلك الوجوه وصوتُها هدّارُ
لم تستعرْ وجهاً لأنك واحدٌ
والغائبون وجوههم أكثارُ
الوحي أن همست بصدرك جمرة
فتوقدت في مقلتيك النارُ
لا أنت ذبتَ ولا خبتْ، وكأنما
أنت الخطى، ورضاك والإضمارُ
يتنازعانك في البقاء فراحلٌ
عن غيب ماترجوهُ والأقدارُ
وهما ظلالك في الخطى لكنما
وهنت خطاك وخانك الإدبارُ
وبأيها لاتدَّريك مخوفةٌ؟
وكبائرٌ فيما لديك صغارُ
أيضر جلدك وهو يرتكب الندى
وكأنما تتساقط الأثمارُ
ولأنت تكرمها سواك بمطعمٍ
ماضر من جاورت فيه خسارُ
لوجئت هلل وجهُه وتناثرت
حدبٌ تدبُّ وزادُها الآثارُ
وتجود بالأعداد حد تناسلت
بيديك اعدادٌ وهم أصفارُ
*****
الغائبون توزعوك مراثياً
لاثم من يرثيك حين تحارُ
لاثم نادبةٌ عليك وللبكا
هذي القصائد فيك والسمّارُ
بالكاد ينتظرون موتك قائماً
وكأنهم لما دفنت فثاروا
يا أين كنتم غائبين عن العيون
مسافرين وكلكم اسفارُ؟!
عدتم؟ فما معنى الحضور لغائبٍ
حملتهُ دونَكُمُ الثرى والدارُ
أتذالُ سائلةٌ ودون يدي بها
سوري الطوال بها هناك قصارُ
أنا ملحُ أرغفةِ الحروفِ قوافياً
وعليَّ من لهبِ القصيدِ سمارُ
كنتُ الجنوبَ فلاجنوبَ سوى الذي
كان الجنوبُ إليه حين يشارُ
*****
يا ابن الضمير وللضمير نبوةٌ
لا وحيَ ينزلها ولا إخبارُ
لا ثم جبريلٌ وحشدُ ملائكٍ
وبلى .. ولا المختار والكرّارُ
لا أنت مكة والمدينة، والقرى
أم تسائلها ولا أمصارُ
مابين صدرك صفحة علويةٌ
كُتبت بماء ضميرها الأذكارُ
وبياضها ان الضمير رسولها
ومهاجرون وإنه الأنصارُ
مابين صدرك ألف بدرٍ دونها
أحدٌ وأحزابُ بها والثارُ
يكفي ضميرك بيعةٌ لمحمدٍ
وسواه مسجده هناك ضرارُ
*****
الآن تثقلك الخطى وكأنما
تلك السنون كأنها زُنّارُ
ستين عاماً ظلُّك المذبوحُ
يستفتيك لا قدمٌ ولا آثارُ
كانت تحدثها الثرى أخبارها
وكأنَّ حنجرةَ الخطى مزمارُ
مذ كنتَ طفلاً يا لطفلك كعبة؟
ولأنت حول طفولة دوّارُ
ولأنت فيها مُحْرِمٌ وتمامها
الا تحل ثيابك الأزرارُ
الشيبُ أمطرَ عارضيك بياضه
وأراك تصغر والوجوه كبارُ
واراك حين تموتُ طفلاً حسبه
ان الحياة بما حوت خُطٌارُ