ما قبل الإنهيار.. هرمز يتحول إلى مقصلة والتصنيف السيادي إلى شهادة وفاة مؤجلة
نبيل رحيم العبادي
لقد أبقت وكالة ستاندرد آند بورز على التصنيف الائتماني السيادي للعراق عند المستوى الذي يضعه رسمياً ضمن فئة المضاربة عالية المخاطر، وهو تصنيف من طبقتين يعبران معاً عن هشاشة مالية مزدوجة. الطبقة الأولى تشير إلى وهن عميق في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الطويلة الأجل إذا ما واجه الاقتصاد أي انتكاسة حقيقية، بينما تؤكد الطبقة الثانية أن السيولة النقدية ذاتها تظل معرضة لضغوط متواصلة على المدى القريب. وفي قرار يحمل دلالتين متضادتين، سحبت الوكالة التصنيف من قائمة المراقبة السلبية لكنها قرنته بنظرة مستقبلية سلبية تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل، وكأنها تقول إن الانهيار الوشيك تأجل لكنه لم يلغ، وإن خيار خفض التصنيف لا يزال معلقاً فوق الرقاب واحتماله مرتفع.
يكمن جوهر التحذير الائتماني في ثلاثة عوامل مترابطة تكشف عورة الاقتصاد العراقي وتجعله أسير ظروف لا يسيطر عليها. العامل الأول هو المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة التي جعلت استقرار البلد المالي رهينة لصراعات إقليمية لا قدرة له على ضبط إيقاعها.
شرارة أمنية
العامل الثاني هو هشاشة ممرات التصدير حيث يعبر جل النفط من مضيق هرمز، وتحول أي شرارة أمنية في الخليج دون عبور شحنات النفط يعني اختناقاً مالياً شبه فوري لدولة يعتمد تسعون بالمئة من إيراداتها على هذا المنفذ البحري الوحيد. أما العامل الثالث فهو الإدمان المطلق على قطاع النفط، وهو توصيف تكرره الوكالة في كل تقاريرها ليثبت بما لا يقبل الشك فشل محاولات تنويع الاقتصاد وتحول العراق إلى كيان ريعي لا ينتج شيئاً سوى بيع الخام. لكن الخطر الحقيقي لا يأتي من هذه العوامل الخارجية وحدها، بل يتضخم بفعل تشوهات داخلية كامنة تزيد من هشاشة الجسد الاقتصادي وتضاعف أثر أي صدمة. فهناك تضخم مرعب في الإنفاق الاستهلاكي للدولة، حيث تلتهم الرواتب والنفقات التشغيلية جل الموازنة وتترك الاستثمار والتنمية في حالة جوع دائم، مما يحرم الاقتصاد من فرصة بناء أي قاعدة إنتاجية صلبة. وفي مقابل ذلك تعيش القطاعات الإنتاجية حالة موت سريري، وقد تحول العراق إلى سوق استهلاكي مفتوح يعتمد على الاستيراد في كل شيء حتى الأمن الغذائي والدوائي، وهو وضع يجعله عاجزاً عن الصمود لوحده. كما تستمر هيمنة القطاع العام البيروقراطي ودور الدولة كموظف أوحد للجميع، وهي بنية تنهار تلقائياً مع كل تراجع في أسعار النفط لأنها تقوم على مال لا يُصنع بل يُستخرج فقط.
هذا التصنيف الائتماني ليس مجرد علامة فنية، بل طوق يلتف حول عنق الاقتصاد الكلي ويفرض تداعيات صارمة. أهمها ارتفاع كلفة الاقتراض السيادي إلى حدود مرهقة، لأن الصناديق العالمية والبنوك الكبرى تمنع أنظمتها من الاستثمار في سندات تقع ضمن فئة المخاطر العالية، فتضطر الحكومة إذا احتاجت إلى الاقتراض لدفع فوائد باهظة لتعويض المستثمرين عن حجم الخطر، وهو عبء سيورثه الحاضر للمستقبل لعقود. وفي الجانب الاستثماري، ترسل النظرة المستقبلية السلبية إشارة خوف إلى الشركات العالمية فتدفعها للتردد والعزوف، مما يحصر النشاط الاستثماري الجاد في مشاريع ثانوية قصيرة الأجل ويحرم البلد من رؤوس أموال طويلة النفس. كذلك يضعف التصنيف من ثقة النظام المصرفي العراقي دولياً ويزيد من الضغط على الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، مما يحد من هامش المناورة النقدية ويهدد استقرار سعر الصرف أمام الدولار.
قوت المواطن
المهلة الممنوحة ليست هدية بل إنذار أخير. لن يتحقق أمن العراق الاقتصادي طالما بقي حبيس هذه الفئة الائتمانية الخطرة وطالما ظل ارتباط قوت المواطن بمصير مضيق بحري خارج الحدود، مع استمرار العجز الإداري عن تنويع مصادر الدخل وإحياء قطاعات الإنتاج. لقد انتهى عهد الركون إلى تقلبات النفط، ولا خيار الآن سوى البدء بإصلاحات هيكلية حقيقية، قبل أن يتحول التحذير السلبي إلى انهيار ائتماني شامل لا تبقى بعده دراهم ولا معايير.
مصرفي