الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وادي الرافدين... حاضرة الجمال الأولى التي سبقت الفراعنة


مختبر التجميل الاول في العالم

وادي الرافدين... حاضرة الجمال الأولى التي سبقت الفراعنة

حقي الزبيدي

 

عندما يُذكر تاريخ التجميل القديم، يسرع الذهن إلى مصر الفرعونية وكليوباترا، لكن الحقيقة التي تكشفها التنقيبات الأثرية الحديثة تؤكد أن بلاد وادي الرافدين (بين نهري دجلة والفرات) كانت سبّاقة في اختراع أدوات التزيين ووضع أولى قوانين صناعة التجميل المنظمة، قبل أن تنتقل هذه المعرفة إلى الحضارات المجاورة.

 

السومريون:  أول من اسس مختبرات التجميل في التاريخ

 

في مدن سومر الخالدة مثل أور وأوروك، وتحديداً في الألفية الرابعة قبل الميلاد، ظهرت أقدم البرديات الطينية التي تصف خلطات للعناية بالبشرة والشعر. السومريون هم أول من استخرج الزيوت العطرية من النباتات بطريقة التقطير البدائي، وأول من صنع المرايا من البرونز المصقول، وهي أداة لا غنى عنها لكل من يرغب في التزيّن.

 

الأكثر إثارة للدهشة هو اكتشاف "لوحة التجميل السومرية" في مقبرة ملكية في مدينة أور، وهي عبارة عن صفيحة حجرية صغيرة استخدمت لطحن معدن "الستيبن" (كبريتيد الأنتيمون) وتحويله إلى مسحوق أسود لامع كان يوضع حول العينين، ليس فقط للتجميل بل للحماية من الحشرات وحروق الشمس. هذا الاكتشاف يسبق نظيره المصري بقرون.

 

البابليون: قانون التجميل الأول في التاريخ

 

عندما ظهرت الإمبراطورية البابلية، لم يعد التجميل مجرد هواية شخصية، بل أصبح مهنة منظمة بموجب قانون. في شريعة حمورابي (حوالي 1754 ق.م)، وردت نصوص تحدد عقوبات صارمة لمن يغش في تحضير المستحضرات التجميلية، مما يثبت وجود سوق تجارية متطورة للعطور والكريمات والمكاحل.

 

كانت النساء البابليات مشهورات باستخدام أحمر الشفاه المصنوع من أوكسيد الحديد الأحمر المخلوط بالشمع والزيوت، وكن يضعن مساحيق بيضاء مصنوعة من كربونات الرصاص لتبييض الوجه، وهي عادة انتقلت لاحقاً إلى اليونان وروما. أما للرموش والحواجب، فكانوا يستخدمون خليطاً من زيت السمسم والفحم المسحوق.

 

الآشوريون: عطور القصور وجمال المحاربين

 

جاء الآشوريون ليضيفوا إلى الإرث التجميلي العراقي القديم جانباً جديداً هو "فن العطور الرجالية". في نقش بارز في قصر آشورناصربال الثاني (883-859 ق.م) في نمرود، يظهر الملك ومعه حامل بخور ووعاء زيت معطر، ويرى المؤرخون أن الجنود الآشوريين كانوا يستخدمون الزيوت العطرية قبل المعارك لرفع الروح المعنوية.

 

الآشوريات عُرفن بتصفيفات الشعر المعقدة التي كانت تتطلب ساعات من العمل باستخدام مشابك من العاج ودبابيس من الذهب، وكانت الطبقة الغنية تدهن أجسادها بزيت الأرز والعود الثمين الذي استورد من بلاد بعيدة عبر طرق التجارة الآشورية.

 

الإرث الذي نقله العرب إلى العالم

 

مع سقوط بابل ونينوى، لم تمت صناعة التجميل في وادي الرافدين، بل انتقلت إلى الحضارات الفارسية ثم اليونانية، وعادت لتزدهر مجدداً في العصر الإسلامي الذهبي تحت الخلافة العباسية في بغداد. العرب والعراقيون في العصور الوسطى أسسوا "معامل العطارة" الشهيرة، وطوروا طرق تقطير الورود واستخلاص ماء الورد الذي ما زال أساسياً في مستحضرات التجميل حتى يومنا هذا.

 

خلاصة

إذا كانت مصر الفرعونية قد برعت في تسويق أسطورة الجمال الملكي، فإن بلاد الرافدين تستحق لقب "مختبر التجميل الأول في العالم". من السومريين الذين ابتكروا المكحلة، إلى البابليين الذين سنّوا قوانين الجودة، إلى الآشوريين الذين صنعوا العطور الفاخرة، يظل تاريخ التجميل في العراق قصة تستحق أن تروى، لا كهامش في الحضارة الإنسانية، بل كفصلها التأسيسي الأول.

 

هكذا، وفي زمن يتسابق فيه عمالقة مستحضرات التجميل على ابتكار الصيغ "الأحدث"، تذكرنا ألواح الطين المسمارية بأن جذور هذا الفن تعود إلى تربة دجلة والفرات الخصبة، حيث كان الجمال علماً وصناعة ورسالة حضارة.


مشاهدات 54
الكاتب حقي الزبيدي
أضيف 2026/04/25 - 11:39 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 1:25 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 599 الشهر 21696 الكلي 15239769
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير