الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يبتلع منطق "الساحات" حلم "التنمية"؟

بواسطة azzaman

هل يبتلع منطق "الساحات" حلم "التنمية"؟

العراق ودول الخليج بعد "زلزال فبراير":

قاسم محمد داود

 

لم تَكُنْ أصواتُ الانفجاراتِ التي هَزَّتِ المنطقةَ بعد الثامن والعشرينَ من فبرايرَ (شُباط) الماضي، إثرَ استهدافِ فصائلَ عراقيةٍ مسلحةٍ مواليةٍ لإيران لمنشآت مدنيةٍ في دول الخليج، مجرَّدَ فصلٍ جديدٍ من فصولِ التوترِ الإقليمي؛ بل كانت بمثابةِ "زلزالٍ سياسيٍّ" ضَرَبَ أُسُسَ الثقةِ التي جاهدتْ بغدادُ وعواصمُ الخليجِ لبنائِها طوالَ العقدِ الأخير. ومع اندلاعِ المواجهةِ المباشرةِ بين الولاياتِ المتحدةِ وإسرائيلَ من جهةٍ، وإيرانَ من جهةٍ أُخْرَى، يَجِدُ العراقُ نفسَه اليومَ أمامَ السؤالِ الوجوديِّ الأصعب: هل يَنجَحُ منطقُ "الدولةِ" في تثبيتِ أقدامِه كشريكٍ اقتصاديٍّ، أم يَبتلِعُه منطقُ "الساحاتِ" ليُحَوِّلَه إلى منصةٍ لتصفيةِ الحسابات؟

في الواقع، أكدتِ الأحداثُ اللاحقةُ حجمَ "الزلزال"، إذ شَنَّتْ إيرانُ – ردًّا على الضرباتِ الأمريكية-الإسرائيليةِ التي بدأتْ في 28 فبراير 2026 – آلافَ الصواريخِ والمُسيَّراتِ (أكثرُ من 8784 عمليةً حتى منتصفِ أبريل/نيسان)، استهدفتْ 83% منها دولَ الخليجِ العربيِّ مباشرةً، مما أدَّى إلى إغلاقٍ لمضيقِ هُرمُزَ وارتفاعِ أسعارِ النفطِ عالمياً بنسبةٍ تجاوزتْ 35%. ولم تقتصرِ الهجماتُ على الإطلاقِ الإيرانيِّ المباشرِ؛ بل شاركتْ فصائلُ عراقيةٌ في عشراتِ العملياتِ اليوميةِ انطلاقاً من الأراضي العراقية، مستهدفةً مواقعَ في الكويتِ والأردنِ والسعوديةِ والإمارات. وهو ما دفعَ ستَّ دولٍ عربيةٍ إلى إصدارِ بيانٍ مشتركٍ في 26 مارس (آذار) 2026 يُدينُ "الاعتداءاتِ الصارخةَ" ويُحمِّلُ بغدادَ مسؤوليةَ "لجمِ الفصائلِ" فوراً.

تكمنُ المعضلةُ الكبرى اليومَ في أن بغدادَ تخوضُ معركتَها الدبلوماسيةَ بـ "لسانَيْن" متناقضَيْن: لسانٌ رسميٌّ يمثلُه الدستورُ والاتفاقاتُ الدوليةُ، ولسانٌ ميدانيٌّ تنطقُ به فوهاتُ مُسيَّراتِ الفصائلِ التي لا تعترفُ بحدودِ السيادة. هذه الازدواجيةُ لم تعُدْ شأناً داخلياً، بل تحوَّلتْ إلى "فيتو" أمنيٍّ يُجهضُ مشاريعَ كُبْرَى، مثل الصندوقِ الاستثماريِّ السعودي-العراقي البالغِ قيمتُه 3 ملياراتِ دولار. ومن زاويةٍ أعمقَ، فإن هذا التناقضَ لا يعكسُ فقط خللاً في إدارةِ القرار، بل يكشفُ عن صراعٍ بِنْيَوِيٍّ بين نموذجَيْن للدولة: دولةٍ تسعى للاندماجِ في الاقتصادِ الإقليمي، وأخرى تتماهى مع منطقِ "الساحاتِ" المفتوحة.

الثقةُ لا تُبنَى على النوايا الحسنة، بل على قدرةِ الحكومةِ المركزيةِ على لجمِ القوى التي تستخدمُ الجغرافيا العراقيةَ لضربِ أمنِ الجيران. من منظورِ العواصمِ الخليجية، لم يعُدْ ممكناً بناءُ شراكةٍ استراتيجيةٍ مع كيانٍ سياسيٍّ لا يمتلكُ "حقَّ احتكارِ العنف". وبدون هذا الضبطِ، سيظلُّ طموحُ رفعِ التبادلِ التجاريِّ إلى 5 ملياراتِ دولارٍ مجرَّدَ حبرٍ على ورق. وفي أبريل 2026، استدعتِ السعوديةُ والكويتُ والبحرينُ السفراءَ العراقيينَ مراراً للاحتجاجِ على الهجماتِ المتكررةِ، محذِّرةً من "عزلةٍ عراقيةٍ" قد تُعيدُ سيناريو 1990.

تسيرُ الحكومةُ العراقيةُ اليومَ فوقَ "حبلٍ مشدودٍ"؛ فهي تدركُ تماماً أن الانفتاحَ على الخليجِ هو "الرئةُ الاقتصاديةُ" الوحيدةُ لإنقاذِ البلاد، خاصةً مع مشروعِ "طريقِ التنميةِ" العملاقِ بتكلفةِ 17 مليارَ دولار. هذا المشروعُ الذي يمتدُّ من ميناءِ الفاوِ إلى الحدودِ التركيةِ، يمثلُ الرهانَ العراقيَّ الأكبرَ للتحوُّلِ إلى ممرٍّ عالميٍّ، لكنه يواجهُ اليومَ خطراً وجودياً؛ إذ لا يمكنُ لرؤوسِ الأموالِ الخليجيةِ أو العالميةِ أن تتدفَّقَ نحو "طريقٍ" تتقاطعُ فوقَه الطائراتُ المُسيَّرةُ العابرةُ للحدود. ولا تقتصرُ التهديداتُ على الجانبِ الأمنيِّ المباشرِ، بل تمتدُّ إلى بيئةِ الأعمالِ ككل، مع توقعاتٍ بارتفاعِ مؤشراتِ المخاطرِ السياديةِ للعراق، وتراجُعِ جاذبيتِه أمام الشركاتِ متعددةِ الجنسيات. إن التعاملَ مع "الدولةِ الموازيةِ" في العراق لا يتطلبُ توازناتٍ سياسيةً هشةً، بل يحتاجُ إلى "جراحةٍ سياسيةٍ دقيقةٍ" تستعيدُ هيبةَ القانونِ.

لا يمكنُ فصلُ "زلزالِ فبرايرَ" عن تحولاتٍ أوسعَ في بِنيةِ النظامِ الإقليمي. فبينما تتجهُ دولُ الخليجِ إلى تبني نموذجِ "الأمنِ عبر التنمية"، القائمِ على التكاملِ الاقتصادي والاستقرارِ طويلِ الأمد، لا يزالُ العراقُ عالقاً جزئياً في نموذجِ "الأمنِ عبر السلاح"، الذي يستنزفُ مواردهُ ويُقوِّضُ فرصَه. هذا التناقضُ يضعُ العراقَ أمامَ مفترقِ طرقٍ حاسمٍ: إما الاندماجُ في منظومةٍ إقليميةٍ جديدةٍ تُعيدُ تعريفَ الأمنِ بوصفه تنميةً واستثماراً، أو البقاءُ في دائرةِ الصراعِ التي تُحَوِّلُه إلى ساحةٍ مفتوحةٍ.

إن استعادةَ الثقةِ الخليجيةِ بعد أحداثِ 28 فبرايرَ تتطلبُ الانتقالَ فوراً من بياناتِ "الاستنكارِ" إلى "الإجراءاتِ الملموسةِ". ويبرزُ هنا مساران رئيسيان: أولاً، المسارُ الأمنيُّ السياديُّ الذي يقدّمُ ضماناتٍ ميدانيةً بأن العراقَ لن يكونَ منطلقاً للاعتداء، مع تأمينِ الحدودِ بتقنياتٍ تمنعُ خرقَ السيادةِ من الداخل. وثانياً، المسارُ المؤسسيُّ التقنيُّ القائمُ على تسريعِ مشاريعِ الربطِ الكهربائي وتحويلِ التعاونِ إلى واقعٍ ملموسٍ يخلقُ حاضنةً شعبيةً للمصالحِ المشتركة. لكن يبقى هناك مسارٌ ثالثٌ غيرُ معلنٍ لكنه حاسمٌ، يتمثلُ في إعادةِ بناءِ العقدِ الاجتماعيِّ داخلياً، بحيثُ يشعرُ المواطنُ أن الاستقرارَ الإقليميَّ ينعكسُ مباشرةً على حياتِه اليومية.

مع مرورِ أكثرِ من شهرٍ ونصفٍ على "زلزالِ فبرايرَ"، أصبحتِ التداعياتُ الاقتصاديةُ واضحةً: تراجُعٌ محتملٌ في تدفقِ الاستثماراتِ الخليجيةِ، وتهديدٌ مباشرٌ لـ"طريقِ التنميةِ". يرى مراقبونَ أن بغدادَ تواجهُ الآنَ اختباراً وجودياً حقيقياً؛ فالحكومةُ أعلنتْ رفضَها الاعتداءاتِ، لكنَّ التنفيذَ الميدانيَّ لا يزالُ محدوداً، مما يُعزِّزُ "منطقَ الساحاتِ" على حسابِ "الدولةِ". الفرصةُ لا تزالُ قائمةً، لكنَّ الوقتَ ينفدُ، والثقةُ الخليجيةُ – بعد أكثرِ من 8000 هجومٍ – أصبحتْ شرطاً وجودياً لأيِّ شراكةٍ مستقبليةٍ. وإذا استمرتِ المعادلةُ الحاليةُ، فإن السيناريو المرجَّحَ هو "تجميدٌ بطيءٌ" للعلاقاتِ الاقتصاديةِ وانتقالٌ خليجيٌّ إلى "الانخراطِ المشروطِ"، بينما يرتبط السيناريو البديلُ بنجاحِ بغدادَ في فرضِ معادلةٍ جديدةٍ: سلاحُ الدولةِ فقط، مقابلَ انفتاحٍ اقتصاديٍّ واسعٍ.

في الختام، يقفُ العراقُ اليومَ في منطقةِ "البرزخِ"؛ فإما أن ينتصرَ لمنطقِ الدولةِ ويستعيدَ مكانَه كجسرٍ يربطُ الشرقَ بالغربِ، أو يظلَّ "ساحةً بديلةً" لحروبِ الآخرين. إن الدعمَ الخليجيَّ لمشاريعِ السيادةِ والربطِ الاقتصاديِّ يمثلُ فرصةً تاريخيةً قد لا تتكررُ. واختبارُ السيادةِ الحقيقيُّ لن يكونَ في المحافلِ الدوليةِ، بل في قدرةِ بغدادَ على ضبطِ إيقاعِ السلاحِ وتأمينِ طريقِ التنميةِ الممتدِّ نحو المستقبل. فالسيادةُ التي لا تحمي الجارَ، لن تنجحَ في إطعامِ الدارِ. حسمُ هذا الصراعِ الداخليِّ هو الذي سيُحدِّدُ شكلَ العراقِ في العقودِ القادمة.

 


مشاهدات 67
الكاتب قاسم محمد داود
أضيف 2026/04/25 - 11:35 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 1:26 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 599 الشهر 21696 الكلي 15239769
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير