الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يكتب القصيدة  ؟


من يكتب القصيدة  ؟

عبدالكريم الحلو

 

  رب سائل يسأل من يكتب القصيدة :

هل هو  الشاعر ، أم الحدث ، أم الخيال    .. أم الموروث الثقافي ، أم الناس  ، أم القدر ،

 أم الكل مجتمعة   ً! ؟

 

????  تُعدّ مسألة “مَن يكتب القصيدة؟

        من أكثر الأسئلة إشكالًا في النقد الأدبي   الحديث :

لأنها تمسّ جوهر العملية الإبداعية ذاتها :

 

هل الشعر فعل فردي خالص، ؟

 

أم أنه نتاج شبكة من العوامل النفسية والتاريخية والثقافية التي تتجاوز ذات الشاعر  ؟

 

???? وقد تباينت الإجابات عبر المدارس النقدية :

بين من يقدّس “عبقرية الشاعر الفرد

ومن يذيبها داخل سياقات أوسع من اللغة والتاريخ واللاوعي الجمعي.

 

  شركاء القصيدة هم :

  أولًا: الشاعر

         بوصفه مركز الفعل الإبداعي :

 

???? يرى الاتجاه الكلاسيكي والرومانسي أن الشاعر  :  هو “الفاعل الأول

في كتابة القصيدة، باعتباره يمتلك الحسّ المرهف والقدرة على تحويل التجربة إلى لغة.

في هذا التصور، القصيدة هي انعكاس مباشر لذات الشاعر وانفعالاته.

 

نجد هذا واضحًا عند إيليا أبو ماضي في قصيدته “الطلاسم”، حيث تتجلى الذات بوصفها مركز السؤال الوجودي.

 

وكذلك عند نزار قباني الذي يجعل من التجربة الشخصية (الحب، الفقد، المرأة) مادة مباشرة للقصيدة، كما في قوله:

 

أحبكِ جدًا

وأعرف أن الطريق

 إلى المستحيل طويل

 

???? هنا الشاعر يبدو كمن يكتب من ذاته أولًا ، لا من خارجها.

 

  ثانيًا : الحدث

        بوصفه مولّد القصيدة  :

 

في كثير من الحالات، لا تُكتب القصيدة من داخل الشاعر فقط، بل من  :

????  “ صدمة حدثية” تُفجّر اللغة.

الحدث التاريخي أو الشخصي

 يصبح شرارة الكتابة.

مثال :

ذلك شعر الحرب عند محمود درويش، حيث تتحول النكبة إلى بنية شعرية كاملة، كما في:

                  “سجّل أنا عربي

 

???? هنا الحدث ( الاحتلال و المنفى )

لا يُروى بل يُعاد خلقه شعريًا.

 

???? وكذلك عند بدر شاكر السياب في “أنشودة المطر”، حيث امتزج المرض، الفقد، والوطن المأزوم في بناء رمزي للقصيدة.

 

  ثالثًا : الخيال

        بوصفه منتج القصيدة

 

يرى التيار الرمزي والسريالي أن القصيدة

لا تُكتب من الواقع المباشر، بل من  :

????  " تحويله عبر الخيال”.

فالقصيدة هنا ليست تسجيلًا،

بل إعادة تشكيل للعالم.

 

???? عند أدونيس مثلًا، يصبح النص

       فضاءً تخييليًا مفتوحًا كما في:

 

"الوقتُ ليس إلا فكرةً في رأس الله

 

هنا لا يمكن إرجاع القصيدة إلى حدث مباشر، بل إلى اشتغال تخييلي يتجاوز الواقع.

وكذلك في الشعر السريالي الغربي عند أندريه بريتون حيث تتحول الكتابة إلى تدفّق لا واعٍ.

 

  رابعًا : الموروث الثقافي

         بوصفه كاتبًا خفيًا

 

????  لا يكتب الشاعر من فراغ،

بل داخل تراكم لغوي وثقافي سابق عليه.

وهنا تظهر فكرة “موت المؤلف” عند رولان بارت، التي ترى أن النص شبكة من الاقتباسات الثقافية.

 

في الشعر العربي، يظهر أثر الموروث بوضوح عند أمل دنقل الذي استثمر التراث (المتنبي، السيف، التاريخ العربي) في بناء قصيدته الحديثة، كما في “لا تصالح”:

 

لا تصالح ولو منحوك الذهب

 

النص هنا يحمل صوت الشاعر، لكنه مشبع بذاكرة ثقافية عربية ممتدة.

 

  خامسًا : الناس

       بوصفهم كتّابًا غير مرئيين

 

في بعض المقاربات الاجتماعية، لا يكون الشاعر فردًا معزولًا، بل لسانًا لجماعة.

القصيدة تُكتب من “الناس” لا عنهم فقط.

 

يظهر هذا عند مظفر النواب الذي جعل الصوت الشعبي مادة الشعر، حيث تختلط اللغة اليومية بالغضب الجمعي، مثل قوله:

 

????  “ أنا من هناك… من شجر النارنج

 

هنا الذات الشعرية تتحول إلى صوت جمعي لا فردي.

 

  سادسًا :  القدر واللاوعي

        بوصفهما كاتبًا خفيًا

 

في المقاربات النفسية :

 ( خصوصًا عند فرويد ويونغ)، لا يكتب الشاعر بوعي كامل، بل تدفعه قوى لاواعية: ذكريات، صدمات، وراثات نفسية.

القصيدة هنا ليست قرارًا، بل “حدوثًا”.

 

يمكن قراءة شعر فرناندو بيسوا في هذا السياق، حيث تتعدد الأصوات داخل الشاعر نفسه، وكأن الكتابة قدر داخلي لا يمكن السيطرة عليه.

 

????  خلاصة القول :

لا يمكن حصر كتابة القصيدة

 في عنصر واحد.

فالقصيدة الحديثة تحديدًا هي نتيجة تفاعل مركّب بين:

* ذات الشاعر (الوعي والانفعال)

* الحدث (الشرارة الواقعية)

* الخيال (إعادة التشكيل)

* الثقافة (الذاكرة الجمعية)

* المجتمع (الصوت الجمعي)

* اللاوعي أو “القدر النفسي

 

????  بمعنى أدق:

القصيدة لا يكتبها طرف واحد، بل تكتبها شبكة من القوى تتقاطع داخل لحظة لغوية كثيفة.

 

ولهذا تبقى القصيدة فعلًا مفتوحًا،

لا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد دون أن نفقد جزءًا من سرّه.

 

هنا يحضر في ذاكرتي الشاعر نزار قباني عندما ذهب لتعزيةصديقه " ضلال " بوفاة والده مستفهماً منه حدثاً جللاً  في سؤال ؛

 

ضلال

امات ابوك

ياضلال ؟

 

????  اجاب ضلال : انا لايموت ابي

وبدء  ضلال بسرد السجايا والخصال الحميده  لابيه العظيم  كما  يراها في الشخصيات الخالده المؤثرة

التي تحمل من الرب والنبي في

تأثيرها علينا .

 

???? فكانت ولادة قصيدة  " أبي" لنزار قباني :

 

أمات أبوك؟

ضلالٌ   !

أنا لا يموت أبي.

ففي البيت مِنْهُ

روائح ربٍّ

وذكرى نبي.

 

هذه الحكاية التي رواها  نزار قباني ، بغضّ النظر عن تفاصيلها التاريخية الدقيقة ، تصلح مدخلًا جميلًا لفهم فكرة :

 “من يكتب القصيدة؟،

لأنها تكشف لحظة تحوّل الحدث

 إلى شعر، والحياة إلى لغة.

 

????  في هذا المشهد، :

لا يبدو أن القصيدة وُلدت من قرار جمالي مسبق ، بل من صدمة خبرٍ إنساني ثقيل: كالموت.

لكن ما يفعله نزار هنا هو ما يفعله الشعراء  الكبار دائمًا : لا يكتفون باستقبال الحدث، بل يعيدون خلقه داخل اللغة.

 

????  سؤال: “أمات أبوك؟

لا يبقى سؤالًا خبريًا،

بل يتحول إلى شرارة شعورية.

والرد:

 

أنا لا يموت أبي

 

ليس إنكارًا للواقع

بل مقاومة رمزية له عبر اللغة

 

ثم تأتي النقلة الشعرية الأهم :

تحويل صورة الأب من كائن فردي

 إلى كيان رمزي يتجاوز الموت :

 

" أبي ..

في البيت منه

روائح ربٍّ

وذكرى نبي

 

???? هنا يتضح أن القصيدة لم تعد تتحدث عن “الأب” فقط، بل عن نموذج إنساني مُقدَّس بالمعنى الرمزي :

الحضور الذي لا يزول حتى بعد الغياب.

 

???? هذه اللحظة الشعرية :

تختصر إجابة مركّبة عن سؤال :

 “من يكتب القصيدة؟”:

 

* الحدث : خبر الموت (الشرارة)

* الشاعر : نزار بوصفه وسيطًا شعوريًا

* الذاكرة والقيم: صورة الأب المتجذرة في الوعي

* اللغة : التي حوّلت الفقد إلى تخليد

* الخيال : الذي رفع الأب من مستوى الفرد إلى مستوى الرمزي/الروحي

 

  في خاتمة هذا التأمل :

 

لا أحد يكتب القصيدة

هي التي تختار لحظتها

وتسقط… كقَدَرٍ لغويّ

على قلبٍ كان مهيّأً للانكسار

 

الشاعرُ ليس إلا مساحةَ عبور

يمرُّ فيها الألمُ متخفّيًا بالكلمات

ويمرُّ فيها التاريخُ

وقد خلعَ دروعه

ليلبسَ هشاشةَ الحروف

 

كلُّ ما نظنّه “أنا

يتكسّر عند أول بيت

وكلُّ ما نظنّه “تجربة

يتحوّل إلى أثرٍ

لا يُشبه صاحبه

 

هناك

حيث تختلطُ الذاكرةُ بالوهم

والصوتُ بالصدى

والحقيقةُ بما كان يمكن أن يكون

تُكتب القصيدة

 

لا بيدٍ واحدة

بل بانهيارٍ كامل

في معنى اليد

 

ولهذا

حين ننتهي منها

لا نقول : كتبناها

بل نقفُ أمامها

بشيءٍ من الخوف

كأننا نجونا منها

بأسمائنا فقط

 

وتركنا بقيّتنا

حائراً ومنبهراً

بين السطور

 

 


مشاهدات 52
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/04/25 - 11:37 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 1:11 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 588 الشهر 21685 الكلي 15239758
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير