الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يجفّ القلب

بواسطة azzaman

حين يجفّ القلب

هدى حجاجي أحمد

 

الجزء الأول: إرث لا يُشبه النعمة

في إحدى قرى صعيد مصر، حيث تمتد الحقول الخضراء كأنها بساط لا نهاية له، وتتناثر البيوت الطينية بين ظلال النخيل كأنها حكايات قديمة لم تُروَ بعد، كانت تعيش عائلة عُرفت بين أهل القرية بالثراء والنفوذ.

كان الأب قد رحل منذ سنوات، تاركًا خلفه بيتًا كبيرًا وأرضًا واسعة، وإرثًا ظنه أبناؤه نعمة، لكنه كان في الحقيقة بداية شرخٍ طويل في القلوب.

ترك الأب أربعة أبناء:

جلال وعمار، وبنتين؛ الكبرى متزوجة، والصغرى حنان.

ومنذ اللحظة الأولى لرحيله، لم يعد البيت كما كان.

لم يعد دفئًا يجمعهم، بل أصبح حدودًا خفية تتصارع فيها النفوس بصمت.

كانت البنت الكبرى قد تزوجت من رجل ميسور الحال في مركز إسنا، وعاشت معه سنوات هادئة كأنها فصل ربيع طويل. بيت دافئ، وزوج كريم، وثلاثة أطفال يملؤون حياتها ضحكًا ودفئًا.

لكنها لم تلبث أن تجرعت مرارة الفقد حين توفي زوجها فجأة، فوجدت نفسها أرملة في عمر صغير، جميلة الملامح، وثلاثة أطفال يتعلقون بها كأنها العالم كله.

تقدّم إليها كثير من الرجال؛ بعضهم بدافع الإعجاب، وبعضهم بدافع الطمع في بيت زوجها وما تركه من مال. لكنها رفضت الجميع، وفضّلت أن تعيش لأجل أبنائها، وأن تكون لهم الأب والأم معًا.

كانت تقول لأختها الصغرى حنان حين تزورها في بعض الأمسيات:

"أعظم ميادين القتال ليست تلك التي تمتلئ بالخصوم، بل هي تلك التي تخوضها وحدك مع ظلك، لتخرج منها سيدًا على رغباتك، لا عبدًا لها."

كانت تقولها بهدوء يشبه الحكمة التي يولدها الألم.

أما حنان فكانت أكثر رقة وحلمًا. كانت تبتسم وتقول:

"أحيانًا، كل ما نحتاجه هو ركن هادئ، وصديق أليف، وقلب خالٍ من التوقعات."

ثم تضيف بحزن خفي:

"أبونا لم يترك لنا إرثًا من المال بقدر ما ترك لنا التشتت والضياع والحيرة والصراع على المال والحسرة."

مرت الأيام والسنون، لكن بيت الأب لم يكن بيتًا عاديًا. كانت الأم امرأة صارمة، ترى أن القسوة هي الطريق الوحيد لحفظ الهيبة.

أما جلال وعمار فقد كبر في قلبيهما شيء واحد فقط: الطمع.

كانا يعيشان وكأن المال هو المعركة الوحيدة في الحياة. كل حديثهما عن الأرض والغلال والحدود والملكية، وكل تفكيرهما كيف يحافظان على الثروة التي تركها الأب والجد.

وكانت علاقتهما بعمّهما الوحيد الحاج عطا متوترة دائمًا؛ فهو آخر الأعمام الأحياء، وله نصيب في الميراث أيضًا. لكن الطمع يعمي البصيرة أحيانًا حتى يجعل صاحبه لا يرى إلا المال.

أما حنان فكانت الضحية الصامتة في ذلك البيت.

كلما تقدم شاب لخطبتها كان جلال أو عمار يرفضانه. مرة يقولان إنه غير مناسب، ومرة يدّعيان أنه طامع، وأحيانًا يرفضانه بلا سبب.

لكن الحقيقة التي يعرفها أهل القرية جميعًا أنهم لا يريدون أن تتزوج؛ لأن زواجها يعني خروج نصيبها من الميراث إلى بيت آخر، وهما لا يريدان أن يخرج المال من البيت.

وذات يوم تقدّم شاب من عائلة طيبة في القرية المجاورة. شاب معروف بحسن الخلق والعمل.

جاء إلى البيت طالبًا يد حنان.

لكن الأمر تحوّل إلى كارثة.

اندفع جلال وعمار نحوه في غضب أعمى، وانهالا عليه ضربًا حتى سقط أرضًا ينزف. أصيب الشاب بجروح كثيرة وكسور، وكاد أن يفقد حياته.

وحين حاولت حنان أن تعترض وتدافع عنه، ثار غضبهما أكثر. دفعها أحدهما بعنف فسقطت من شرفة البيت.

نجت من الموت

لكن شيئًا في داخلها انكسر للأبد.

جلست حنان يومًا قرب نافذة بيت أختها في إسنا، تحدق طويلًا في الشارع الضيق.

كانت الحياة هناك تسير ببساطتها المعتادة: أطفال يركضون خلف كرة صغيرة، وامرأة تنادي ابنها من بعيد، ورجل يعود من عمله متعبًا لكنه يبتسم.

تنهدت ببطء وقالت لأختها بصوت خافت:

"تعرفين يا أختي… أحيانًا أشعر أن الإنسان لا يكبر حقًا كما نظن.

الطفل الذي كنته لا يزال يقبع في ركن مظلم بداخلنا، ينظر إلينا بذهول متسائلًا: كيف سمحنا لهذا الغريب المتعب أن يحتل ملامحنا؟"

سكتت لحظة، ثم مررت يدها على جبينها كأنها تزيح غبار سنوات ثقيلة، وأضافت:

"كنت أحلم بحياة بسيطة… بيت صغير، وضحكة طفل، ورجل يفتح لي باب الأمان.

لكن يبدو أن بعض الأحلام تُولد في المكان الخطأ."

كانت كلماتها تسقط ببطء في الغرفة، مثل قطرات ماء على أرض عطشى، بينما كانت أختها تنظر إليها بعينين ممتلئتين بالشفقة، مدركة أن الألم الذي تسكنه السنوات لا يُشفى بسهولة… بل يتعلم فقط كيف يصمت.


مشاهدات 60
الكاتب هدى حجاجي أحمد
أضيف 2026/04/25 - 11:34 AM
آخر تحديث 2026/04/25 - 1:19 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 596 الشهر 21693 الكلي 15239766
الوقت الآن
السبت 2026/4/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير