الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مدارس بلا عقول: حين تتحوّل التربية إلى مصانع للأبواق السياسية

بواسطة azzaman

مدارس بلا عقول: حين تتحوّل التربية إلى مصانع للأبواق السياسية

صلاح العذاري

 

ليست الكارثة في أن يجهل الإنسان، بل في أن يُقنعوه أنه يعلم. هناك، في تلك القاعات التي تُسمّى زوراً فضاءات للتنوير، يُرتكب فعلٌ أخطر من التجهيل: إعادة تشكيل العقل على هيئة صدى. سبورةٌ تُكتب عليها الإجابات قبل أن تولد الأسئلة، ومناهج تُلقّن اليقين كما لو أنه حقيقة مكتملة لا تقبل المساس، ومعلمٌ مُحاصر بين واجب الوظيفة وخوف الخروج عن النص، وطلبةٌ يُكافَأون كلما اقتربوا أكثر من صورة النسخة لا الأصل.

في هذا المشهد الصامت، لا يُدرَّس التفكير بوصفه مهارة، بل يُعامَل كخطر؛ لا لأن العقل عاجز، بل لأن العقل حين يعمل يخلخل ما استقرّ، ويعيد مساءلة ما اعتاد الناس على اعتباره بديهة. لذلك، تُختزل التربية إلى عملية ضبط دقيقة لإيقاع الوعي، حيث لا يُطلب من الطالب أن يفهم، بل أن يطابق؛ لا أن يكتشف، بل أن يستعيد؛ لا أن يسأل، بل أن يُحسن الإصغاء لما قيل سلفاً.

وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتحوّل المدرسة من ورشة لصناعة الإنسان الحر، إلى خط إنتاج يُعيد تدوير القناعات الجاهزة. تُسحَب من المعرفة روحها، ويُترك جسدها البارد ليُحفظ عن ظهر قلب. وما يبدو تعليماً، ليس سوى تدريب طويل على الامتثال؛ وما يبدو تفوقاً، ليس إلا براعة في تقليد الإجابة النموذجية.

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية: حين لا تعود المشكلة في نقص المعلومات، بل في غياب الجرأة على تفكيكها. حين يصبح الطالب قادراً على تفسير النص، لكنه عاجز عن مساءلته. حين يُتقن الكلام، لكنه لا يمتلك صوته. عندها فقط، تكتمل دائرة التحوّل: من عقلٍ كان يُفترض أن يرى، إلى بوقٍ لا يفعل سوى أن يُكرّر.

تلك ليست صدفة تربوية، بل نتيجة منطقٍ يرى في الوعي الحر عبئاً، وفي الطاعة فضيلة، وفي السؤال تهديداً مؤجلاً. ومن هنا، لا تعود المدرسة بريئة، بل تصبح – شاءت أم أبت – أحد أخطر مواقع تشكيل الوعي، حيث يُكتب المستقبل لا بما يجب أن يكون، بل بما يُراد له أن يبقى.

تبدو القضية التربوية في مجتمعاتنا وكأنها معركة صامتة بين عقلٍ يُراد له أن ينطلق، ومنظومةٍ تُصرّ على تصفيده بالأغلال. إنها ليست أزمة مناهج فحسب، بل أزمة رؤية: هل نؤمن بالإنسان ككائن منتج للمعرفة، أم نريده مجرد ناقل لها؟ في هذا السياق، يبرز التلقين لا كأداة تعليمية بريئة، بل كخيار استراتيجي يعيد تشكيل الوعي بما يخدم استقرار البُنى القائمة.

إن ما يحدث في قاعات الدرس ليس مجرد نقل للمعلومات، بل عملية هندسة اجتماعية دقيقة، تُعلي من شأن الحفظ بوصفه قمة الهرم القيمي، وتتعامل مع التفكير النقدي كتهديد ينبغي احتواؤه. فالعقل الذي يسأل لا يمكن التنبؤ به، ولا يمكن إخضاعه بسهولة، ولذلك تُستبدل ملكة الفهم بملكة الاسترجاع، ويُعاد تعريف “الطالب المثالي” على أنه الأكثر قدرة على استنساخ الماضي، لا مساءلة الحاضر.

نحن، إذن، أمام صناعة ممنهجة لما يمكن تسميته بـ”الجهل المتخم”: عقول مكدّسة بالمعلومات، لكنها فارغة من القدرة على تحليلها. يتحول التعليم إلى طقس من طقوس الطاعة الفكرية، حيث تُكافأ الذاكرة، ويُهمَّش العقل. وهنا تجد السلطة ضالتها؛ فهي لا تحتاج إلى منع المعرفة، بل إلى إعادة تشكيلها بطريقة تُفرغها من قدرتها التحررية.

إن السلطة التي تخشى التغيير لا تريد علماء يعيدون بناء الواقع، بل مُردّدين يمنحون الشرعية لما هو قائم. وهكذا يتحول التعليم إلى عملية حقن مستمرة لوعي زائف، حيث يُحتفى بمن يُجيد التكرار، ويُقصى من يجرؤ على التفكير خارج القوالب. المفكر الحقيقي يصبح عبئاً، لأنه يرفض أن يكون مجرد وعاء، ويصرّ على أن يكون فاعلاً.

والنتيجة الحتمية لهذا المسار هي إنتاج أجيال تعاني من انفصام معرفي: تعرف ماذا تقول، لكنها لا تعرف لماذا تقوله. أجيال يسهل استدراجها لأي خطاب شمولي أو تضليل إعلامي، لأنها لم تتعلم كيف تُشكّك، بل كيف تُسلّم. وهنا يتجلى الخطر الحقيقي: ليس في الجهل، بل في اليقين الزائف.

إن التلقين، في جوهره، إعلان صريح عن عداء للإبداع، لأن الإبداع يبدأ من الشك، من كسر المسلّمات، من الجرأة على التفكير فيما لم يُفكَّر فيه. أما التلقين، فيُقدّس ما هو قائم، ويغلق الأفق أمام ما يمكن أن يكون. وبمرور الوقت، يتشكل مجتمع يمتلك أعلى الشهادات، لكنه يفتقر إلى أبسط أدوات التفكير.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل نبني عقولاً قادرة على صناعة المستقبل، أم نُرمّم سجوناً فكرية نُسمّيها مدارس وجامعات؟ لأن الحقيقة المؤلمة أننا لا نُنتج هذا الواقع عن جهل، بل نُتقنه عن وعي. نزرع الطاعة، ثم نندهش من غياب الحرية؛ نُمجّد الحفظ، ثم نتساءل عن غياب الابتكار.

الحضارة لا تُبنى بمن يحفظون التاريخ، بل بمن يمتلكون الشجاعة لنقده وصناعته. وما لم نُدرك أن التعليم ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل ساحة لصراع المعنى والسلطة، سنبقى ندور في الحلقة ذاتها: نُعلّم الأجيال كيف تعيش في الماضي، ثم نطالبها ببناء المستقبل.

 

 


مشاهدات 121
الكاتب صلاح العذاري
أضيف 2026/04/22 - 2:45 PM
آخر تحديث 2026/04/23 - 7:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 301 الشهر 19676 الكلي 15237749
الوقت الآن
الخميس 2026/4/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير